الرئيسية | مساهمات | اللغة الفرنسية بالجزائر .. الاستعمار الذي لم ينته

اللغة الفرنسية بالجزائر .. الاستعمار الذي لم ينته

شعيب بن فردي *


تعتبر اللغة من بين أهم المفاهيم التي انشغلت بها الفلسفة المعاصرة واللسانيات وكذلك بعض العلوم الإنسانية مثل علم النفس اللغوي وعلم الاجتماع، وهي بالأساس أداة للتواصل ووسيلة للتعبير تعكس تاريخ وحضارة وثقافة الشعوب بماضيها وحاضرها، وتجسد كذلك انعكاس هذه الثقافة على مستويات اجتماعية واقتصادية وحتى سياسية، كونها حسب تعبير عدد من الباحثين رمزا من رموز السيادة الوطنية.
واللغة الفرنسية كغيرها من لغات الدول المستعمرة سابقا، استطاعت أن تتجاوز كل الحدود الجغرافية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، إذ لم تعد أداة للتعبير ووسيلة للتواصل فقط بل استطاعت أن تكون لنفسها حالة سياسية بارزة أكدها السفاح شارل دوغول في خطابه عندما قال إني تركت في الجزائر فرنسيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم، وقال إن اللغة الفرنسية حققت ما لم تحققه الجيوش الفرنسية، مما يعني أن المنجزات والمكتسبات التي حققتها اللغة الفرنسية أقوى مما حققته الجيوش الفرنسية. معتبرا إنجازاتها العسكرية لا تضاهي إنجازات اللغة الفرنسية التي حافظت لفرنسا على موطئ قدم بالدول التي سبق وأن اجتاحتها الجيوش الفرنسية إما استعمارا واضحا إو بنظام الحماية.
ورغم استقلال الجزائر عن فرنسا إلا أن التبعية لازلت قائمة خاصة التبعية الثقافية التي تجسدت بالتواجد اللغوي الفرنسي في الإدارات العمومية وفي المناهج التعليمية وغيرها من دروب الحياة اليومية للمواطنين.
لتبقى التبعية الثقافية وخصوصا الجانب اللغوي منها أمرا بارزا ومحيرا في ذات الوقت.
الدستور أكد ضمن فصوله، أن اللغتين العربية والأمازيغية هما اللغتان الرسميتان للجمهورية، مما يعني ترسيخ هاتين اللغتين بالمؤسسات العامة وحتى داخل المجالات الاقتصادية والاجتماعية بما فيها المجال السياسي.
إلا أنه بالمقابل من هذا الترسيم فمازالت اللغة الفرنسية لغة لها دورها المركزي والوازن في الجزائر سواء على المستوى الرسمي وحتى الشعبي، إذ نسجت لنفسها فضاء خاصا وشاسعا يشمل مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية بل شملت كذلك المجال الإداري وحتى السياسي، فاللغة الفرنسية هي لغة التعاملات الاقتصادية، وهو أمر قد يكون مقبولا لكون فرنسا هي الشريك الأول للاقتصاد، كما أنها تتوفر على وزن كبير داخل النسق الاجتماعي فهي رمز للتحضر والمدنية لدى شريحة مهمة من المجتمع.
وما يثير الكثير من علامات الاستفهام وحتى الاستغراب المساحة الشاسعة التي تحتلها اللغة الفرنسية في المجالات الحيوية مثل التعليم والصحة وحتى داخل الإدارات العمومية والمؤسسات السياسية، مقابل تراجع دور اللغات الرسمية التي تعد هي اللغات المتداولة لدى غالبية المثقفين المستفيدين من خدمات هذه القطاعات، وعلى الرغم من وجود نص دستوري يفرض التعامل بالعربية فقد تجد مصالح اجتماعية عديدة تراسل منخرطيها باللغة الفرنسية رغم أنها متأكدة من كون هؤلاء قد يغرقون في البحث المضني عمن يترجم لهم ما كتب في هذه المراسلة.
وما يبرز هذا الحضور القوي كذلك، مشهد أساسي مرتبط بالمجال القانوني، فقوانين الجمهورية، على الرغم من كونها من المفروض أن تكون قوانين ذات خاصية اجتماعية تعبر عن البنية الاجتماعية للبلاد، وتترجم البيئة الواقعية في مسألة التقنين لكونها موجهة لجميع فئات الشعب الجزائري، تصاغ وتناقش باللغة الفرنسية كما أن مرجعية تفكيرها في الغالب تنتمي للمدرسة الفرنسية باعتبار معظم القوانين يتم الاستناد فيها على التجربة الفرنسية، قبل أن يتم ترجمتها وفق مقاربة كمية لا تراعي البعد الكيفي للغة بخصوصياتها الفكرية والثقافية وحتى الحضارية، وقد تجد بعض القوانين المترجمة للعربية غير منسجمة في بنيتها خصوصا تلكم القوانين ذات الطبيعة الاقتصادية.
كما احتلت كذلك اللغة الفرنسية مساحة مهمة في الإدارات العمومية، فهي اللغة السائدة داخل الاجتماعات، بل باتت لغة الاجتماعات الرسمية لمعظم الإدارات، والأدهى هو وجود إدارات عمومية مفرنسة بالكامل، إذ تجد خطاباتها وتعاملاتها كلها باللغة الفرنسية، كما تفرض هذه الإدارات على الراغبين في الالتحاق بها ضرورة المعرفة الكاملة باللغة الفرنسية من خلال امتحانهم بهذه اللغة. فهل فرنسا وإداراتها هي الأخرى تمتحن الراغبين في الدخول للعمل بإداراتها باللغة العربية؟.
سؤال لن نجيب عنه لأن الوجود اللغوي الفرنسي بالجزائر هو ما يهمنا، فلم يقف حضور هذه اللغة عند هذا الحد فقد تجاوزت حدود اللغة الفرنسية البعد الثقافي والاجتماعي والمجال الاقتصادي، حتى باتت أحد الشروط الأساسية للارتقاء والتسلق الإداري ومكونا هاما في اختيار المسؤوليات السياسية والمؤسسات العليا.
فالشخص الذي لا يتقن اللغة الفرنسية لا يمكن أن يكون وزيرا أو كاتبا عاما أو مديرا، فحجية المدافعين عن هذه الأطروحة، يؤكدون أن اللغة الفرنسية لغة عالمية تيسر ربط علاقات الصداقة والتعاون بين الشعوب. وهي نظرية فاشلة لأن الامتداد الثقافي الدولي للغة الفرنسية يحتل الرتبة الرابعة بعد الصينية التي يتداولها أكثر من مليار وسبع مائة مليون، ثم اللغة الإنجليزية فالإسبانية التي بدأت تنتشر بشكل واسع بعيدا عن مواقعها التاريخية بأمريكا اللاتينية، ثم الفرنسية التي بدأ حضورها يخفت حتى في مناطقها التقليدية بإفريقيا.
* كاتب ومدون ناشط إعلامي شبابي

عن المحرر

شاهد أيضاً

مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده -رحمه الله – (1849-1905)

أ.د/ مسعود فلوسي*/ رائد الإصلاح والنهضة في مصر والعالم العربي والإسلامي في العصر الحديث، المفسر …