الرئيسية | سلسلة: تأمٌّــلات | الإنسان والبيئة

الإنسان والبيئة

م ع/ حديبي عبد الله

الإنسان ابن بيئته فلا يستطيع توصيف الأشياء أو تمييزها خارج ذلك، وكانت العرب في الجاهلية توصِّف مشاهداتها توصيفا لا يبتعد عن محيطها من حيوانات وطبيعة صحراوية قاسية فيستلهم الشاعر من محيطه البحر والجمل ليصف الليل.
وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَه
عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي
فَقُلتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلبِهِ
وَأَردَفَ أَعجازاً وَناءَ بِكَلكَلِ
وقد وظف العرب في وصفهم البيئة المحيطة بهم لكنهم لم يهملوا البيئة القريبة، فكان لحواسهم وأعضاء أجسامهم نصيب في التوصيف والتشبيه، وأبدعوا في ذلك فأسقطوا المرئي على الغير المرئي فأصبح للحقيقة كبد، وللواقع عين، وللحال لسان، فتقول العرب لقد أصاب كبد الحقيقة، وتقول أيضا ذلك عين الواقع أو عين الصواب، وتقول في تعبير رائع لسان الحال يُغني عن المقال. فتنثر تلك التوصيفات كثيرا من أعضاء أجسامهم على صفحات التشبيه، عونا من بيئتهم المحيطة على جنون أفكارهم وانفلات خيالهم .
من غير المعقول أن تصف أشياء لم ترها مطلقا، وهنا تتفوق المدينة بشكل ظاهر على البادية حيث مساحات المعرفة كبيرة وساكن المدينة مجبر على التعامل معها والتدقيق فيها،
عند ما جاء علي بن الجهم من البادية ليمدح الخليفة العباسي المتوكل، كانت مؤثرات البادية ظاهرة في شعره، فكان شعره مرآة لمحيطه وتعبيرا جلي عنه:
أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قراع الخطوبِ
توصيف رائع لوفاء الكلب ومواجهة التيس للمصاعب والأخطار، إلا أن جلساء الخليفة استهجنوا ذلك باعتباره إهانة بالغة لمقام الخليفة، فقد وصفه بالكلب طورا وبالتيس طورا آخر، أما الخليفة فكان له رأي آخر فرأى شاعرية عظيمة حجبتها قلة الأدوات، ومعاني كبيرة لم تستطع حملها الكلمات، وقد صدق حدسه، فما إن أقام الشاعر ببغداد في ضيافته، وقد أمر له بدار جميلة على شاطئ دجلة حتى تدفقت شاعريته وأنشد رائعته (عيون المها)
خليليَّ ما أحلى الهوى وأمـرَّهُ
وأعرفني بالحلو منه وبالمُر
بما بيننا من حُرمةٍ هل علمتما
أرقَّ من الشكوى وأقسى من الهجرِ
وقد شَخَّص المتوكل أثر البيئة الجديدة على الشاعر بقوله: انظروا كيف تغيرت به الحال، والله خشيت عليه أن يذوب رقة ولطافة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

همس الخلوات

م ع/ حديبي عبد الله/ الخلوة تجعلك قريبا من الله…. تستجمع فيها كل حواسك، تهدأ …