الرئيسية | الحـــق الـمر | كورونا وكرامة الشيخ!

كورونا وكرامة الشيخ!

يكتبه د. محمّد قماري/

سألت زوجتي ذات يوم: من اختار لك اسمك؟ وأنا ما زلت أعتقد أن اختيار أسماء الأطفال لها وقع على حياتهم في مستقبلهم، بل إن الطفل إذا عرف قصة اختيار اسمه ارتبط على نحو ما بذلك الاختيار، ولأنها تثاقلت في الجواب على سؤالي، استرسلت أنا في طرح احتمالات بدت لي ممكنة: ربما جدك أو جدتك؟ ربما والدك أو والدتك؟ وهي تنفي تلك الاحتمالات تباعًا، وحينما تأكد لديها اخفاقي في العثور على الجواب تكرمت هي بإشباع فضولي وكشفت لي عن سر اختيار اسمها الذي تحمله وبه تنادى وتعرف…
والإنسان لا يعلم الغيب فيما لا يعرف، وأحيانا قد نصف إنسانا بالذكاء الخارق في استحضار احتمالات موفقة في مسائل لا يعرفها، وحقيقة الأمر أنه ينطلق من خبرات سابقة، فكلما كانت خبرتنا ثرية من خلال مختلف المصادر سواء بالقراءة أو السماع أو المشاهدة، اكتسبنا مهارات قد تبدو لغيرنا أنها من قبيل الخوارق، وكلما كانت بيئة التنشئة غنية تشكلت عقول الناشئة مكتملة…
لقد أخذت زوجتي اسم (نبيلة)، وهو اسم القابلة التي أشرفت على مرافقة والدتها ساعة الولادة؛ وتذكرت حينها الروائي الكبير الحائز الوحيد بين أدباء العرب على جائزة نوبل، وهو نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم، إذ لم يعرف بين الناس إلا باسم الطبيب الذي أشرف على ولادته وهو (الدكتور نجيب محفوظ باشا)، إذ كانت ولادته متعسّرة، وخرج إلى الحياة بأعجوبة…
ومن خلال مطالعاتي لسير كتّاب وأعلام، وجدت في الغالب أثر تلك السنوات الأولى في حياتهم، وأثر ذلك التلقي الذي قد لا يلقي له الآباء بالاً، فهذا الروائي المصري (إدوار الخراط)، يحكي لنا عن روافد البدايات في اهتمامه بالسرد والحكي، ويقول أنه كان يستمع كل مساء لوالده، وهو يقص على والدته طائفة من قصص (السيرة الهلالية) و(ألف ليلة وليلة)، فيما كان هو يسترق السمع في غبطة وحنان، أما (عباس محمود العقاد) فيرى أن للمجالس التي كان يعقدها والده في بيتهم، ويستمع مستمتعا لأخبار الأدب والسياسة أثرا في حياته…
ومن سيرة (Maria Skłodowska) والتي عرفت بعد ذلك باسم (ماري كوري)، وهي أول من تحصل على جائزة نوبل مرتين، وشرفت بلدها بولونيا بإطلاق اسم المادة التي اكتشفت خصائصها بـ(البولنيوم)، فإن لوالدها أستاذ الفيزياء، ولأمها المدرسة والمثقفة كبير الأثر في إقبالها على دراسة العلوم وتشرّبها، وتقديم تضحيات تنوء الجبال بحملها في سبيل تحقيق مجدها العلمي…
وقد تسألني مستغربا، ما موقع هذا الحديث في أسبوعية (البصائر)، وأنت تسرسل في ذكر طائفة من أخبار قوم ليس فيهم الفقيه أو المحدث أو الداعية؟ ألم ينسب للإمام الشافعي قديمًا قوله:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة ….. إلا الحديث وعلم الفقه في الدين
العلـــــــم ما كــــــان فيه قــــــــــــال حدثنا….. وما سوى ذاك وسواس الشياطين
وأقول إذا صحت نسبة هذه الأبيات لمحمّد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، فإنما قصد بها العلم داخل العلوم الشرعيّة، فالرجل وهو مؤسس قواعد ذلك العلم النفيس الذي لا يصح البحث العلمي بغيره أي المنهاج (منهجية البحث) أو أصول الفقه، فإننا ننزهه على إنكار العلوم الأخرى، أو الجهل بجدواها.
أما حديثي في هذا الموقف فعن هزائمنا في ميادين التخلف الحضاري، وارتباط أسباب تلك الهزائم بالكسل الذهني والنفسي، وامتداداته الموصولة بالتنشئة المشوهة، ففي طفولتي كنت أستمع لما يدور من حديث عن كرامات الشيوخ (الأولياء) وقدرتهم على الإتيان بالخوارق، من ذلك أن الشيخ (فلان) تصدى لقطار يمشي، ورمى بردائه على السكة، فتوقف القطار إلى الأبد!
وسألت نفسي بعد بلوغ سن الرشد، لماذا تعمّد راوي الأسطورة توقيف قطار يسير، واعتبرها من بركات الشيخ، ألم يكن من الأجدى صياغة الحكاية بجعل بركة الشيخ تحل بقطار به عطب، فيجعله يقلع من مكانه ويسير؟
واستحضرت في ذهني العديد من صور بيئتنا الثقافيّة (المعطّلة)، وبيئة ذلك الأوربي الذي انتبه لغطاء الإبريق وهو يهتز بفعل بخار الماء وهو يغلي، وكانت منطلقا لسير القطارات بالطاقة البخارية، لأنه كان يعيش في بيئة تدعو للحركة والنشاط، وتدعو لتحريك كل السواكن وبعث الروح فيها في البر والبحر والجو، أما أسطورة الشيخ وما شابهها فتدعو إلى توقيف كل متحرك…
وفي أثناء هذا الجو الخانق الذي تسبب فيه (وباء كورونا)، تجد كثير من الإدارات والمدارس والمصالح توصد أبوابها بسبب ظهور حالة عدوى فيها، وقد تكون غير مؤكدة، وتجد من يتخلى عن العمل لأنه أصيب بالعدوى منذ شهرين خلت، والمعروف علميا أن العدوى تنتهي خلال العشر أيام الأولى من بداية الإصابة، وأن صاحبها يكتسب مناعة تمتد إلى أشهر مقبلة…
ويستبد بيَّ حزن شديد، عندما أرى المعلم والمتعلم يسير في طريق الانتحار المعنوي، إذ لا أجد ما أصف به التوقيف التام للتعليم مصطلحًا بديلاً عن الانتحار، فكل الشعوب في العالم تحرص على استمراره، وقطع كل الأسباب التي تحول دون تلقي الطلاب لدروسهم…
وأسأل نفسي هل المعلم الذي يخشى العدوى في مدرسته يضع نفسه في قفص زجاجي خارجها؟ أم أنه يذهب للمتجر وربما قصد حفل قريب له أو جار؟
ذلك هو الأثر الثقافي لرداء الشيخ الذي أوقف القطار عن سيره، وهو ذات الرداء الذي أخذ لون وباء كورونا في هذه الأيام، ورمينا به على سكة حياتنا كي تتوقف، ونحن في أشد الحاجة لمن يبحث فينا عن حركة غطاء الإبريق وعن البخار الذي يدفع قاطرة حياتنا المعطّلة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سنــــة انقضت…

يكتبه د. محمّد قماري/ تلقيتُ كما تلقى أغلبكم رسائل تهنئة بحلول السنة الجديدة، ولعل هذه …