الرئيسية | أعلام | مقالات | حالة الجاسوس «ليون روش» مع الأمير عبد القادر الجزائري أنموذجا/ أثر الفتاوى المنحرفة على وحدة وتماسك المجتمع

حالة الجاسوس «ليون روش» مع الأمير عبد القادر الجزائري أنموذجا/ أثر الفتاوى المنحرفة على وحدة وتماسك المجتمع

د. جمال دفي/

تعتبر الفتوى توقيعا عن رب العالمين، وهي من الضرورات الملحة التي يحتاجها الفرد والمجتمع، وهي صناعة تصدر ممن توفرت فيه الملكة الفقهية، وتعتبر أيضا صمام أمان الحياة لأنها محكومة بفقه الشرع على أساس فهم رصين وعميق للنَّصِّ والواقع، ويعتبر التوظيف المغلوط والخاطئ للفتوى والنزوع إلى الشطط في انتزاع الأحكام من النصوص خطرا على السلام الاجتماعي، والاستقرار الحياتي، مما ينتج عنه العنصرية الدموية والعصبية المقيتة. وواقع الحال اليوم أن بعض النَّاس يتجرأ على فتاوى لو عرضت على عمر رضي الله عنه لجمع لها صحابة بدر عليهم الرضوان، وهذا ما دفع الإمام مالكا رحمه الله في منهج تأليفه أن يتجنب رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر وشواذ ابن مسعود.
والذي أوصل الفتوى إلى الحال التي هي عليه في وقتنا الراهن ما يلي:
1/ تصدي الجُّهَّال للفتوى.
2/ تحكيم الأهواء والجري وراء الأطماع والنزوات.
3/ ضيق الأفق والقصور عن الإحاطة بفقه الواقع ومتطلبات التطور وأحوال الناس.
ومن آثار الفتاوى الشاذة ما يلي:
1/ الاعتداء على حق الحياة وإهلاك النفوس.
2/ إظهار الإسلام بصورة مسيئة.
3/ تحريم الديمقراطية، وعدم الاعتداد برأي الجماعة وعدم شرعية المعارضة للحاكم.
4/ تحريم السياحة وهدم الآثار واستحلال دم السُّوَّاح.
5/الانقسام المجتمعي والفرقة الدينية والوطنية تحت ستار الإسلام.
6/ إدِّعَاء البعض أنهم الفرقة النَّاجية، وما عداهم فرق ضَاَّلة مَحْكُومٌ عليها بالكفر ومصيرها للنَّار، مما يُرَسخ فقه الطائفية والفرقة والحرب المذهبية والحزبية.
7/إضعاف الانتماء للدين والوطن وقصر الانتماء والولاء للأمير والجماعة والتنظيم.
8/ نشر الإرهاب والإفساد ضد الإنسان والمجتمعات، مما يبرر لظهور الاسلاموفوبيا.
وأخطر ما في الفتاوى المنحرفة هي حالة التثبيط التي تحدثها في صف المجاهدين في سبيل الله من أجل تحرير أوطانهم، والفتوى التي استصدرها الجاسوس ليون روش شاهد على ذلك.
هذا الأخير هو صاحب كتاب «اثنان وثلاثون سنة في الإسلام» الصادر عام 1884م، إنه الجاسوس البارع الذي دخل الجزائر سنة 1932م، وأرسله المارشال «بوجو» ليكون عينا له عند الأمير عبد القادر، ادعى الإسلام واندس في صفوف المسلمين، وصار بسرعة فائقة من المقربين من القائد الأعلى للقوات الإسلامية المدافعة عن حمى الجزائر الأمير عبد القادر.
لقد لاحظ مدى تأثير الفتوى من العَالِم أو ممن يحسبه الناس عَالِمًا في جماهير المسلمين، ولقد اطلع على الفتاوى التي كانت تتقوى بها المقاومة الإسلامية ضد المستعمر، ومنها فتاوى وجوب الهجرة من البلاد التي يحكمها الكفار الصليبيون أو أرض الحرب كما هو المصطلح الفقهي، كما اطلع على خلاف بعض المنتسبين إلى العلم والدين ممن استسلم لفرنسا، أو ممن عجز عن الهجرة وعلى المراسلات التي كانت بين العلماء في هذا الشأن.
وعند استئناف الحرب بين المجاهدين والفرنسيين عام 1839م، وجد «ليون روش» الفرصة للهروب من حاشية الأمير وأن يعود إلى صفوف المارشال «بوجو»، ليكشف له عن عورات المسلمين وعن أسرارهم، ومن ذلك أن المسلمين كانوا يعتبرون الأرض الواقعة تحت الإدارة الفرنسية دار حرب يجب الخروج منها، وأن ذلك هو أساس حركة الجهاد عندهم، وعندها وجد الفرنسيون التفسير لتلك الهجرات الواسعة التي لاحظوها في كل مدينة يستولون عليها، وقد ذكر المؤرخون أن ثلثي سكان الجزائر العاصمة غادروها بعد الاحتلال، وأن غالب من بقي هم من عجز عن الارتحال، ولمواجهة هذا الحكم الشرعي ذي العلل المتعددة صاغ الفرنسيون فتوى شيطانية ساعدهم عليها شيخ الطريقة التيجانية محمد الصغير، ومقدم الزاوية الطيبية المغربية في الجزائر، ومفاد هذه الفتوى أن الجزائر لا تعتبر دار حرب ولا تستوجب هجرة ولا جهادا، ما دام المسلمون قد بذلوا الجهد في الدفاع عنها وعن الإسلام فعجزوا عن طرد الكفار منها، ثم إن هذا الكافر نفسه قد ترك لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية، ومنه فعليهم أن يرضوا بحكم النصارى عليهم، وحمل «ليون روش» هذه الفتوى بنفسه سنة 1841م إلى بعض علماء المسلمين ليوقعوا عليها، وليظفر بثقة من يسأله رافقه بعض الطرقية وسمى نفسه الحاج عمر بن عبد الله الجزائري وزعم أنه مقدم في الطريقة التيجانية، ولقد كان له ما أراد، فكان أول من وقع عليها مفتي الجامع الكبير بالقيروان، ثم بعض شيوخ الإسكندرية، ثم بعض شيوخ مكة الذين اجتمعوا في الطائف تحت رعاية شريف مكة، والذي أخبر بموافقة هؤلاء الشيوخ وأرخه هو «ليون روش» في كتابه المذكور.
والذي يؤكد ظفره ببعض التأييد على الأقل من شيوخ الطرق التي كانت مساندة لفرنسا علنا أو من بعض شيوخ المشرق المغفلين أنه بعد رجوعه سنة 1842م من رحلته إلى الشرق ونشر خبر الفتوى كتب الأمير عبد القادر رسالة عنوانها «حسام الدين لقطع شبه المرتدين» ونشرها سنة 1843م، ولقد أجاب إجابة صريحة بوجوب الهجرة من كل جزء يستولي عليه الكفار والخروج إلى المناطق التي كانت تحت سلطته أو غيرها، وقد عزز مناقشته مع من وصفهم بالمرتدين!! بأقوال المفسرين في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [النساء:97] وفتاوى بعض المالكية كابن الحاج والمغيلي والونشريسي، كما رد أيضا على جملة من الشبه الواهية التي تمسك بها المخالفون؛ لإجهاض الجهاد وإعلان الاستسلام مع وجود القدرة على المواجهة. أظن أنه بعد هذا الشرح الموجز قد اتضح لماذا قلت: إنه الرجل الذي ضرب الجهاد الإسلامي في الصميم، ولست مبتدءا لهذا الوصف فقد سبق إلى وصفه بذلك بلديه «ديبون وكوبولاني» في كتابه «الطرق الدينية في الجزائر» الصادر عام 1897 حيث قال في الصفحة 37 عن «ليون روش»: «أنه قدم بهذه الفتوى أكبر خدمة للهيمنة الفرنسية على الجزائر».
-ومن العبر التي ينبغي أن نعتبرها أنه إذا كان الأعداء قد حاربوا المسلمين بليون روش في ذلك العصر، – وقد قيل أنه تلقى تكوينا مكثفا في باريس قبل مجيئه إلى الجزائر سنة 1832م على يد المستشرقين حيث تعلم اللغة العربية وقواعد الإسلام-، فكم يكون في هذه الأمة من ليون روش يا ترى في هذه الأيام؟ وإذا كان الأمير عبد القادر الزعيم الحربي المحنك قد اغتر بظاهر حال هذا الرجل وسيرته؛ فقربه وأدناه رغم وجود من نصحه في أمره، فكيف يكون حال القادة والموجهين اليوم؟ لست أقنط الناس بهذه اللفتة ولست أريد إفزاعهم، وإنما رميت إلى تنبيههم إلى أن حسن الظن الذي نحن مأمورون به لا يؤهل كل أحد إلى أي منزلة، كما أن له حدا يتوقف عنده، وعلى كل حال لسنا مطالبين بكشف المنافقين المندسين، فإنه أمر لم يقم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الالتزام بالشرع – الذي لا يكون إلا بفقهه- هو الذي يقينا من شرهم وكيدهم إن شاء الله تعالى.
وفي الختام أنقل للقارئ الكريم فقرات مترجمة من كتاب «الحاج عمر التجاني» (اثنان وثلاثون سنة في الإسلام) تحمل في طياتها دلالات وفوائد منها ما سبق ذكره ومنها ما لم يذكر، يقول عدو الله: «اعتنقت دين الإسلام زمنا طويلا لأدخل على الأمير عبد القادر دسيسة من قبل فرنسا، وقد نجحت في الحيلة، فوثق بي الأمير وثوقا تاما واتخذني سكرتيرا له…فوجدت هذا الدين الذي يعيبه الكثيرون منا أفضل دين عرفته، فهو دين إنساني طبيعي اقتصادي أدبي …ثم بحثت عن تأثير هذا الدين في نفوس المسلمين فوجدته قد ملأها شجاعة وشهامة ووداعة وجمالا وكرما، بل وجدت هذه النفوس على مثال ما يحلم به الفلاسفة من نفوس الخير …ولقد وجدت في الإسلام حل المسألتين الاجتماعيتين اللتين تشغلان العالم، الأولى في قول القرآن: «إنما المؤمنون إخوة» فهذا أجمل مبادئ الاجتماع، والثانية في فرض الزكاة على كل ذي مال وتخويل الفقراء حق أخذها ولو امتنع الأغنياء عن دفعها وهذا دواء الفوضوية …إنه دين المحامد والفضائل، ولو وجد رجالا يعلمونه الناس حق التعليم ويفسرونه تمام التفسير لكان المسلمون اليوم أرقى العالمين وأسبقهم في كل الميادين، ولكن وجد بينهم شيوخ يحرفون كلمه ويمسخون جماله ويدخلون عليه ما ليس منه، وإني تمكنت من استغواء بعض هؤلاء الشيوخ في القيروان والإسكندرية ومكة، فكتبوا إلى المسلمين في الجزائر يفتونهم بوجوب الطاعة للفرنسيين وبأن لا ينزعوا إلى الثورة، وبأن فرنسا خير دولة أخرجت للناس ومنهم من أفتى بأن فرنسا دولة إسلامية أكثر من الدولة العثمانية، وكل ذلك لم يكلفني إلا بعض الآنية الذهبية».
وفي الأخير نقول أن الفتوى تجمع المتخالفين ولا تفرق المتآلفين، وتُأَمِّن الخائفين ولا تروع الآمنين، وهي حِصْنٌ للفرد وأمان للإنسانية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رواية «جســـــور الموتى» لعلي حليتيم شعريــــة اللغة وعمــــق الرؤية وتعـــــــــدد الأصــــوات3

أ.د. عبد الملك بومنجل/ رؤية عميقة وفخرُ الرواية الثاني أنها مؤسسة على قاعدة من الفلسفة، …