الرئيسية | شعاع | معايــيــرالجــــــــودة فـــي صحـــافـــــــــة جمعيـــــة العلمـــاء (نص قيمــــــي توجيهــــــــــــي لافـــــــــــت)

معايــيــرالجــــــــودة فـــي صحـــافـــــــــة جمعيـــــة العلمـــاء (نص قيمــــــي توجيهــــــــــــي لافـــــــــــت)

يكتبه: حسن خليفة /

بقدر تعمّق القارئ، فضلا عن الدارس والباحث، في تراث جمعية العلماء المسلمين وأساليب عملها في الدعوة والإصلاح والإرشاد والاستنهاض الحضاري، لكل فئات المجتمع ومختلف طبقاته، وفي جميع الميادين… يتبدّى له ذلك الأفق القيادي الراشد الذي كان يحكم سير كل عمل من أعمال الجمعية، والأهداف المرسومة بدقة كبيرة، لكل حقل وكل ميدان: في التربية والتعليم وقد حققت الريادة وخرّجت عشرات الألوف من المتعلمين والمعلّمين والمثقفين والدعاة والعلماء الصالحين في الثقافة والفكر والأدب، وقد يسّر الله على يديها إعداد قوافل من الأدباء والكتاب وأهل الفكر… وهكذا في كل ميدان، على الرغم من الظروف القاسية التي كانت تعمل فيها الجمعية، تحت «منظار مكبّر» متابعة، وعرقلة، وطمسا، ومحوا، ومحاربة.
لكن دعنا نلقي نظرة عجلى على مجال الصحافة (والإعلام بلغة اليوم) ونبحث عن الرؤية التي كان تحكم مسار العمل الصحفي في الجمعية، ونبحث عن الأسس التي بُنيّت عليها تلك الرؤية ونتساءل ما إذا كانت هناك ضوابط ومعايير ومقاييس تضبط حركة العمل والسير في ميدان الكتابة والصحافة؟.
والجواب .. يكمنُ في النّص التالي الذي ضُبطت فيه مقاييس العمل، في نداء وجه إلى كتّاب البصائر وقتئذ، ولعل تحليلنا لهذا النصّ يوصلنا إلى استنتاجات مهمّة أخصّها:
الاستنتاج أن منظومة الصحافة في الجمعية، والتي كانت حقلا رئيسا وأداة عمل محوري في الإصلاح والدعوة والتوجيه … كانت منظومة قيمية متكاملة يتمثل فيها ما يلي:
أ‌- وجود معايير ومقاييس تضبط حركة الكتابة والنشر.
ب‌- وجود توجيه وإرشاد وتنبيه وتسديد من المشرفين على الصحافة، فيما يتصل بما يمكن تسميتُه بـ «السياسة التحريرية» لصحافة الجمعية، ويتمّ ذلك بمثل هذه التوجيهات العامة، أما في المجال الخاص، فلا ريب أن هناك قانونا يحكم العلاقة بين الكاتب والمحرر والإدارة من جهة، وبين الكاتب وجمهور القراء من جهة ثانية.
ت‌- تماشي التوجيهات مع ما يسمى اليوم «نظام الجودة» أو بالأدق معايير الجودة في الكتابة الصحفية، وهو أمر معروف معمول به في صحافة العالم.
ث‌- الحرص على الكتابة فيما يفيد وينفع، فلا يمكن تصوّر الكتابة الصحفية شيئا من الـ «بريكولاج» الذي لا معنى ولا قيمة ولا هدف له، كما لا يمكن أن تكون بأي شكل، بل لابد من احترام القواعد الأساسية في هذا المجال، والتحققّ التامّ من الصدقية، والبعد عن التضليل والتجريح وما شابه.
ج‌- الاهتمام باللغة لأن الصحافة (صحافة الجمعية) هي معرض بيان ومظهر اقتدار لغوي، فلا يجوز أن يتساهل الكتّاب في هذا الشأن الخاص باللغة.
ولو واصلنا التحليل لوجدنا كل ما يريد الباحث التحقق منه فيما يتعلق بشأن الاحتراف والمهنية والموضوعية والالتزام والقيّم كما نقول اليوم عن الصحافة الموضوعية المسؤولة عموما، والصحافة الرسالية الراشدة خصوصا.
ولعل السطور التالية تجلو لنا كل ما نريد أن نعرفه عن معايير الكتابة وضوابطها في صحيفة البصائر، وهي أنموذج راق لصحافة الجمعية المفيدة النافعة .
*****
جاء في النص المكتوب والذي حمل عنوان «إلى الكتاب»(أي كتّاب البصائر»):
«إنكم أيها الكتّاب ـ أبناء جمعية العلماء ـ بكم تفخرُ وتعتزُ، وإنكم حراس الضاد في هذا الوطن، عليكم تقوم أركانه وبكم يعلو شأنه، وأنتم حماة الإسلام : سلاحكم أقلامكم وذخيرتكم أفكاركم وعقولكم، وأنتم جند جريدة البصائر تبيضون صحائفها بمدادكم وتشرّفون سمعتها بسدادكم وهي تتقدم لكم بهذه الملاحظات:
1- نقّحوا ما تكتبون وأعيدوا النظر في المعنى، ولا تقفوا عند أول خاطر.
2- كونوا أوفياء للغتكم في أسلوبها وجملها ومفرداتها.
3- لا تطيلوا المقالات وليكن شعاركم «ما قلّ ودلّ»؛ فإن التطويل لا يحسُن إلا في الدراسات.
4- لا تكتبوا إلا فيما تحسنون، بعد استقراء الأجزاء والعناصر.
5- نوّعوا المواضيع وخذوا أنفسكم بالابتكار فيها واصطيادها من كل خاطرة.
6- في الأدب والدين والاجتماع والأخلاق والتربية والتاريخ ميادين فسيحة؛ (أي للكتابة فيها).
7- أوضحوا الخطّ تسهيلا على المصنف (الكاتب القائم على أحرف الكتابة) والمصحح، واقتصادا في الوقت.
8- لا تكثروا من الضرب (المحو) والتشطيب فإن ذلك مدعاة للتشويش.
9- ابتعدوا عن الشخصيات فإن جريدتكم خادمة مباديء؛(لاحظ هذا المعيار المميز أي لا تجعلوا الصحافة ساحة للحسابات الشخصية، بل ارتفعوا إلى مستوى المبادئ).
10- تحرّوا الحقيقة فيما تكتبون، وإذا كتبتم في وقائع الأعيان فاعتمدوا على المعاينة؛(طلب الدليل في الواقعة أو الحادثة والمعاينة للتحقّق والصدقية).
11- لا تـنحطّوا إلى السفاسف ولوذوا بمعالي الأمور؛(ما أجمل هذا التوجيه).
12- لا تتساهلوا في قَبول الأخبار؛ فإن التساهل فيها أفسد الدين وهو خليق أن يفسد الدنيا؛(وما مصيبة الصحافة إلا في التساهل وعدم التحرّي).
13- اعلموا أن جريدتكم مدرسة فاجعلوا من الكتابة فيها وسيلة لترقية ملكاتكم الكتابية.
14- وإن جريدتكم مظهر للبيان العربي فلا تنزلوا بها دون منزلتها.
15- وأخيرا لا تعودوا إلى حرب الضلالات؛ فقد انقضى أمرها، وابنوا فهذا وقت البناء ..

عن المحرر

شاهد أيضاً

«آصرة»… وافدة كريمة إلى حياتنا الثقافية الإسلامية

يكتبه: حسن خليفة / كنتُ هممتُ بالاسترسال في موضوع «مع الشيخ الغزالي»(رحمة الله عليه) لاستكمال …