الرئيسية | في رحاب الشريعة | الجميع يريد الجديدة ولكن القديمة عنيدة، والمسافة بعيدة

الجميع يريد الجديدة ولكن القديمة عنيدة، والمسافة بعيدة

الشيخ محمد مكركب أبران/

لاأقول المسافةُ بعيدة بين الحضارة القديمة والحضارة الجديدة من باب التشاؤم والتقنيط، ولا من قبيل التَّطيُّر والتثبيط، إنما من باب شحْذ الهِمَم، والاستعداد بالعلم والعزم والْحِكَم، ثم من أجل التسلح بجواهر الأخلاق والقِيَم. أقول المسافة بعيدة، من كثرة الحدب والخنادق والحفر التي خلفتها القديمة في طريق الجديدة، وأقول القديمة عنيدة من كثرة بكتيريا السياسة الاستبدادية، والفوضى المترسبة في مفاصل المؤسسات الرتابية، تلك البكتيريا الصدئية التي تراكمت في جيوب هياكل المجتمع، أقول كل ذلك: للتنبيه من أجل الاستعداد والإعداد بالإخلاص والتضحية، فالسفر في طريق التجديد حقا إنه بعيد، ولكنه ليس مستحيلا على الجيل الجديد، بإذن الله الفعال لما يريد، وإنما يقتضي منا ذلك السفر زادًا وإعدادًا وصبرا وثباتا، ثم تفاؤلا وآمالا. هذا الذي أقصده. لا الجزائر الجديدة تتحقق بالكلام والتمني، ولا العالم العربي، ولا ثمرات المقاومات منذ قرنين من الزمن.
فمتى يتحقق الْحُلْم والأملُ، إذن؟ ونقول عن الجزائر إنها جديدة فعلا؟ عندما ننتقل ذهنيا وعمليا، من (ماعليهش) إلى (هيا باسم الله) ومن سياسة (قلنا، وقررنا) إلى سياسة (انجزنا وحققنا) ومن (استوردنا كذا، وصرفنا كذا) إلى (صَدَّرْنا كذا، وأنتجنا كذا) ومن (ما ناش في حاجة إلى دروس) إلى (ماكنا قاطعين أمرا أيها العلماء حتى تفتونا بالحق) ومن (دِيرْ مَلَفْ واسْتنا) إلى (خُذْ حقك واتْهَنَّا)؟ قلت: إن القديمة عنيدةٌ بالتقاليد السلبية الرديئة، وشديدةٌ عويصة في تشبثها بسلوك الإهمال، وعادات فوضى الأحوال، وغياب رجولة الرجال، فوقفت القديمة بعنادها وعاداتها وشيء من سوء نيتها، وغشها، وقفت في طريق الجديدة، والجميع في انتظار اليوم الذي تُبَدَّلُ فيه السياسة غيرَ السياسة، وتبدل فيه النيات غيرَ النيات، ويتحول التبذير إلى حسن تدبير، ويتحول الاختلاس إلى تضحية ومبادرة وإخلاص، ويتحول التزوير إلى حفظ الأمانة والتعمير، حينها يتنفس الزمن على إرهاصات مبشرة، وحقائق مُثْمِرة. فَهَا هُم الشباب قد اشرأبت أعناقهم يتطلعون من نوافذ الأمل، إلى هناك حيثُ أُفُقُ الجديدة، الجزائر الجديدة، والوحدة العربية الجديدة، حيث الآمال الواعدة، مع الآيات الشاهدة، إذا تم التغلب على المستنقعات الراكدة، والمليئة بالأفكار الجامدة، وعندما تتخلص الأمة من القلوب الحاسدة والحاقدة، والمعلقة بسراب ما وراء البحر، وقد لاتزال فلول من خطيئات القديمة متناثرة في طريق سفرنا نحو الجديدة، وفي انتظار الإرادة السياسية الحكيمة إذا كانت، والنفوس المستعدة إذا تابت.
وفي انتظار ذلك سأل محاوري قائلا: ما هي الجديدة؟ قلت: إن الجديدة أيها السادة، تعني أن يكون لكل متزوج مسكنٌ مناسب كاف، ولكل مريض مُحتاج للاستشفاء سرير صِحِّيٌ واف، وأن تكون لكل معالج، مقتضيات الطب حاضرة في الوقت بالتمام والكمال، ولكل طفل مقعد دراسي في مرفق تعليم مُريح متكامل الضروريات والحاجيات والجماليات، والماء الصافي في كل البيوت يسيل من الحنفيات، والكهرباء تنير كل المساكن والدروب والساحات، إن الجديدة أيها السادة، تعني الطرق الكافية المحققة لحركة المرور بكل ارتياح وانسياب، بلا تضييع للأوقات، ولاحرق للأعصاب وسوء الممارسات، وأن يجد المرتحل مركوبا لكل الرِّحَل، بلامشقة ولا انتظار، حيث شاء بلا حرج ولا مرج ولا هرج. إن الجديدة أيها السادة تعني أن يجد كل مواطن عملا مناسبا، حيث تُوَظَّفُ كلُّ القدرات والطاقات، وتتحرك الأيدي والعجلات، والضمائرُ والمحركات في الاتجاه الصحيح، وأن يجد كل مواطن مكانا لائقا، وكرامة وعزة، في وطنه. إن الجديدة أيها السياسيون، تعني: الحياة المدنية المعاصرة بكل الوسائل الحضارية العالمية، والمساواة بين كل المواطنين في الحقوق والحظوظ، والحياة الكريمة، لافرق بين وزير وفلاح وعامل وتاجر وجندي ومعلم. حينما يتحقق كل هذا يقال بدأنا في الجديدة، وبلا كل هذا لا تزال القديمة هي الحاكمة ديمة.
قال محاوري: تعني أن تصبح القديمة المتخلفة متقدمة متطورة؟ وإلا فماذا يعني كل الذي ذكرت، ألا تختصر لنا مفهوم الجديدة؟ قلت: إن ما يرادف كلمة الجديدة، هو {تحقق الاكتفاء الذاتي التام في العلم والعمل والعمران، مع العدل والمساواة والإحسان} ها قد اختصرت لك مفهوم الجديدة،. قال محاوري: ولكن الذين تربوا في القديمة بالفهم القديم يصعب عليهم استيعاب هذا المنطق الحكيم، {منطق: قَوْلِ الحق بصدق وحُسْبَان، وانجازه فورا في الميدان} نعم يصعب على أهل المذهب القديم المتدهور، يصعب عليهم أن يتكيفوا مع الجديد المتطور، ربما ما زالوا يستعملون، المبررات السلبية القديمة، يقولون: نعم معكم الحق، يجب أن نتطور، ولكن. شيئا فشيئا، ثم يقولون: نعم، هذه الآمال جميلة ومنطقية، ولكن لايتحقق ذلك بين عشية وضحاها، فانتظرونا بقدر ما انتظر آباؤكم!! قال محاوري: (هم يقولون. لست أنا). قلت: كم تحتاجون من وقت؟ قال: المهم، نحن قررنا!! قلت: مازلنا في قررنا فقط،. قال الله تعالى:﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(الصف:2/3) ومرة أخرى: كم تحتاجون من وقت؟ ستة أشهر؟ سنة؟ سنتان؟ ابتسم محاوري، وقال: (واش حسبتنا رانا في الجديدة؟)
ما هي قواعد الانطلاق؟
أولا: تكليف أهل العلم والاختصاص من ذوي الكفاءات، من القادرين على التسيير والإنجاز، في المناصب القاعدية في الدولة، وهم موجودون والحمد لله رب العالمين، إذا كانت الإرادة السياسية حاضرة بالفعل لا بالقول فقط.
ثانيا: تأليف مجلس الشورى من العلماء والخبراء من ذوي العلم والحكمة، الذين يبرهنون على قدراتهم ميدانيا قبل تعيينهم، بأنهم أصحاب خبرة واختراع، ولا يكون النائب عن الأمة بناء على انتماء حزبي أو جهوي، إنما لإخلاصه وكفاءته وانتمائه للوطن، والدين.
ثالثا: مراجعة الهياكل الوظيفية، ومصارف الأموال، لِيُعْلَمَ أين تُنفقُ الملايير، بغير مردود؟
رابعا: توحيد إدارة الاقتصاد في إدارة واحدة أي في وزارة واحدة، تضم: المالية، والفلاحة، والتجارة، والصيد، والري، ويعين على هذه الفروع وكلاء تحت إشراف وزير واحد. خامسا: تعطى الأولوية، للبحث العلمي التطبيقي العملي، والتربية والتعليم، والفلاحة،.
سادسا: توحيد إدارة التربية والتعليم من الابتدائي إلى الجامعي، والبحث العلمي، والثقافة.
سابعا: الحساب الفوري الميداني لكل مسؤول، وتكون المحاسبة مع بداية المشروع هل هو في طريق الصواب أم لا؟ وإذا لم تكن هذه المحاسبة، يحاسب الجميع من أبسط عامل أخطأ في المشروع إلى الوزير إلى رئيس الدولة. قال الله تعالى:﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ .
ثامنا: التدرج في تحقيق الاكتفاء الذاتي. بداية من هدف تحقيق الاكتفاء في القوت واللباس والمسكن مائة بالمائة. ثانيا تحقيق الاكتفاء في الدواء، وهكذا.
تاسعا:إصلاح المنظومة التربوية، والخروج من التعليم التقليدي إلى العلم الميداني المنتج، إلى منهاج تربية وتعليم قوامه ركيزتان: القيم الإيمانية الحقيقية، والتطبيق التكنولوجي الميداني العملي المباشر.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الاستشارة والاستئذان قيمتـــان عظيمتــان من قيــم الإيمــان

أ. محمد مكركب/ من بين عوامل الوقاية والتحصين في بناء شخصية الأولاد: أن نؤدبهم على …