الرئيسية | حوار | جريدة البصائر في حوار صريح مع الأستاذ الناشر مناف السائـحي عن والـــده الشاعـــر الكبيـر محمد الأخضر الســائحي وعن مشكلات وخبايا صناعة الكتاب في الجزائر

جريدة البصائر في حوار صريح مع الأستاذ الناشر مناف السائـحي عن والـــده الشاعـــر الكبيـر محمد الأخضر الســائحي وعن مشكلات وخبايا صناعة الكتاب في الجزائر

حاوره: حسـن خليفة /

 

يمكن النظر إلى هذا الحوار الخاص المميز على أنه حواران إثنان في حوار واحد؛ لأنه يتصل أولا بشاعر مخضرم كبير وأديب جزائري مرموق صنع صيتا واسعا، وترك بصمات لا تُمحى، ونعني به الشاعر المقتدر محمد الأخضر السائحي( أو السائحي الكبير). وأما الحوار الثاني فهو حوار عن الكتاب وصناعة الكتاب في الجزائر والهموم والمشكلات التي تقف في طريق تطويره وتحسين هذه الصناعة الثقافية الإستراتجية، والصراعات الضخمة التي تدور في ساحته (الكتاب) بين أهل التغريب الماكرين المؤيدين الممكّن لهم، والناشرين الوطنيين الجزائريين المهمّشين المظلومين المغلوبين .. لذلك يمكنني القول بثقة: إنهما حواران في حوار واحد ثريّ متين ماتع وقد اقتضى ذلك بعض الطول، فأرجو الصبر على قراءة الحوار لما فيه من منافع وفوائد .. وإلى الحوار…

من هو الأستاذ مناف السائحي.. مساره العلمي والمهني؟ 

-(جملة قابلة للحذف: الحقيقة أن الحديث عن نفسي يسبب لي إحراجاً ويظهرني إما في صورة المغرور المعتد بنفسه، أو في صورة الذي يظهر تواضعاً متصنعاً) أنا من مواليد عام 1968 بالعاصمة، لأسرة تنحدر من الجنوب الجزائري (من منطقة يحدها المثلث تڤرت -ورڤلة – غرداية). ورثتُ حب الأدب والعلم والكتب عن والدي -رحمه الله تعالى رحمة واسعة – الشاعر محمد الأخضر السائحي. بعد دراسة كللت عام 1991 بشهادة مهندس دولة في ميكانيكا الطاقة، وبعد تأمل استمر لأعوام تخللته بعض الوظائف –وكان آخرها مهندس في مكتب الدراسات بـ AGE مجمع إنتاج تجهيزات الصناعة الغذائية، اخترت أن أتخذ من مهنة نشر الكتب نشاطاً دائماً لي، وذلك منذ شهر مايو 2001، تعبيراً عن قناعتي بأن صناعة الأفكار أقدر على تغيير الواقع من صناعة الأشياء، كما فصل ذلك الأستاذ مالك بن نبي في كتابه «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي». وما فتئتُ أسعى لترقية معارفي -ومهاراتي إن شئتم- عن طريق اتباع دورات تكوينية مختلفة، حرصاً مني على بلوغ أعلى درجات الإتقان المهني المتاحة.

 

كيف كانت علاقتك بالوالد الشاعر رحمة الله عليه، وما هو تأثيره في تربيتكم بصفة عامة؟
-الحقيقة أن حظي من والدي كان لحسن الطالع -ولله الحمد والمنة – أكبر من حظ معظم إخوتي. فقد تزامنت فترة تقلص نشاطه المهني والاجتماعي إلى الحد الأدنى -في سنوات التسعينيات من القرن الماضي – مع انتهاء دراستي العليا وتأخر حصولي على وظيفة. فقد أنعم الله عليَّ بمرافقته فيما يشبه «الدوام الكامل» طيلة تسعة أعوام، استمتعتُ فيها بحديثه العذب ومسامرته الشائقة، والتزمتُ معه بحصة مطالعة يومية امتدت أحياناً لأكثر من ست ساعات، ننتقل فيها من قراءة القرآن حِلًّا وترحالاً، إلى قراءة كتاب يختاره ضمن عناوين أرشحها له من مكتبته التي كانت طافحة بالأسفار من مختلف أبواب العلوم والآداب. ولا أجاوز الحق قيد أنملة حين أقول إن لحصة المطالعة هذه مع والدي -وحدها- الفضل في اختياري لمهنة النشر وخدمة الكتاب.

هل يمكن أن تعرف بعض «الخصوصيات» في حياته وهو المثقف والشاعر الكبير المعروف؟
-لقد كان من خصوصياته أنه ذو ذاكرة عجيبة، فقد تحدى ذات يوم أخاً لي فقال له أن يختار أي كتاب من على رف المكتبة فيفتحه على أي صفحة شاء ثم يقرأها بصوت مسموع، ثم بمجرد انتهائه من قراءتها أعادها عليه والدي، فقد حفظها من ساعته فلم تسقط منه كلمة واحدة!!! وقد قال شاعر الثورة محمد الشبوكي -رحمه الله تعالى -: «لا أعرف من الشعراء من يَحْفَظُ شِعْرَهُ عن ظهر قلب إلا السائحي».
ومن خصوصياته كذلك أنه واسع الاطلاع موسوعي المعرفة، إذا حدثتَه عن شيء اطَّرد بكما الحديث إلى مواضيع شتى متفرعة عنه. فكنتُ إذا سألتُه عن بيت أو مقطع شعري، ذكر لي قائله وفي أي العصور كان ومن عاصر من الملوك أو الخلفاء، وإذا كان للبيت أو المقطع الشعري مناسبة ذكرها، وإن لم يكن عرَّج على طريفة كانت بين قائل ذلك الشعر وبعض معاصريه.. حتى تكاد تصدق أنه عاصرهم!!!.. وكان يحفظ أسماء الخلفاء من صدر الإسلام إلى آخر خليفة عباسي.. وقال لي بأنه حفظ عشرين ألف بيت من عيون الشعر العربي، فقلَّما قرأتُ عليه شعراً قديماً إلا سابقني من ذاكرته.
وكان يبدو ملمًّا بكل دقيقة ورقيقة من أحداث تاريخ الجزائر عبر العصور.. وكان ينقلك في المجلس الواحد بين حديث الساعة من أمور السياسة أو العلم، إلى استحضار التاريخ بتفاصيله، فيسقط لك الشاهد التاريخي المطابق للوضع الراهن!!!..


ومع ذلك كله فقد كان مفعماً بالإنسانية وحب الخير للناس، يرى أن الله لم يخلق الناس ليعذبهم، وكان يقول لي: «لا يدخل النار إلا من حرص على دخولها أشد الحرص، كيف وقد وسعت رحمة ربي كل شيء!!!».
لكنه، قبل هذا وذاك كان ذا عاطفة صادقة قوية جياشة تجاه دينه ووطنه وتاريخه، إذا تكلم عن أحدها ظننتَ أن أمجاد الأمس على مرمى حجر، وأنك أولى الناس بالبطولات والمعالي.
وإن كنتُ أطلتُ في الموضوع فإني لن أبرحه حتى أكلمك عن حرصه على تناول وجبة الغداء -على عجل – في البيت معنا، وكان ذلك يكلفه العودة من عمله قدر سير عشرين دقيقة بالسيارة -فيما أُقدِّر – مجيئاً ومثلها عودةً، لكنه كان يرى أن حضوره خلال اليوم يؤدي معنى سامياً هو الرعاية والمتابعة. وإلى هذا، فإنه كان يترك لكل واحد من أبنائه حرية القرار في شؤونه فلا يتدخل فوق الحاجة، وغالباً ما يكتفي بإبداء الرأي والتنبيه على مواطن الخلل في وجهة نظر المعني، مؤكداً على أن القرار بيد صاحب الشأن. وهو أمر جعلنا ننشأ على استقلالية تامة فكرية وعملية، وعلى تحملٍ كاملٍ لتبعات خياراتنا. كما كان يشجعنا على انتقاد مختلف الآراء وإن كانت صادرة منه، ولي في ذلك قصة طريفة لولا أن المجال لا يتسع لذكرها.
لنتحدث عن «محنة الكتاب» في الجزائر بشيء من الصراحة والتفصيل.. ما ذا تقول كناشر وصانع كتاب؟
-«محنة الكتاب» هي بالنسبة لي محنة البلد بأسره! «محنة الكتاب» لا تمثلها صورة المواطن الذي يضطر للانتقال من حيه في العاصمة إلى «وسط البلد» قاطعاً أكثر من «نصف قطر» العاصمة ليصل إلى مكتبة، هذا إن كان مطلوبه متوفراً في مكتبات وسط البلد، وإلا فسيضطر لانتظار «معرض الجزائر الدولي للكتاب» -المنعقد عشرة أيام في السنة – ليحصل عليه. «محنة الكتاب» لا تمثلها حتى صورة الشباب الذين يتبادلون الرسائل النصية القصيرة الملأى بالأخطاء الإملائية والنحوية بأي لغة كانت. بل إن «محنة الكتاب» تتعدى حتى صورة الأستاذ الجامعي الذي ينتظر «معرض الجزائر الدولي للكتاب» ليتصل بناشر من البلاد العربية يعرض عليه نصه مقابل وعد بعدد من النسخ قد لا يحصل عليه في الأخير، على أمل أن ينال الاعتراف الأكاديمي الذي لم يتمكن من تحقيقه في بلده!..
إن ما يمثل -في نظري – حقيقة «محنة الكتاب» في الجزائر هو صورة ذلك الذي لم ينتظر أن يصير مثقفاً ليراسل كل الناشرين الجزائريين -مستعيناً بدليل المشاركين في المعرض الدولي المذكور أعلاه – ليعرض عليهم أعمالاً غير مكتملة أدبيًّا ولا خالية من العيوب اللغوية والعلمية، ممنياً نفسه بمجد أدبي لن يأتي، بينما غيره من المثقفين ممن اكتملت لديهم الأداة الأدبية زهدوا في الإنتاج الفكري لقلة ما يرون له من أثر مادي ومعنوي على حياتهم وحياة الناس!..
أضرب مثلاً لأقرب لك الصورة: لو أن مؤلِّفاً قضى بضعة أشهر، لنقل خمسة، في تأليف عمل أدبي أو أكاديمي، ولنفرض أن ذلك العمل خرج في صورة كتاب من ثلاثمائة صفحة من القطع العادي، ما يحدد ثمنه في حد أقصى من ألف دينار جزائري، فإنه سيتقاضى عليه حقوقاً لا تتجاوز عشرة بالمائة، وسيصدر في طبعة لن تتجاوز الألف نسخة في سحبها الأول، الذي غالباً ما يكون الأخير، وسيستلزم الأمر أجلاً لن يقل عن سنتين لنفاد النسخ الألف، ويكون مجموع ما تقاضاه عن عمله لا يغطي راتبه لنفس المدة التي استغرقها لتأليفه ولو كان يعمل عملاً لا يتقاضى عليه إلا راتباً في الحد الأدنى المضمون (SMIG)!!! ألا يكفي هذا لوأد أي رغبة في التأليف؟ ثم ألا ترى معي خطورة هذا الوضع على بقاء المجتمع الذي هذه حاله والدولة المنبثقة عنه؟ إن توقف أي مجتمع عن الإنتاج الفكري يدخله في ممر الخروج من التاريخ!.. هذه هي الصورة الكاملة لـ «محنة الكتاب» في الجزائر كما يجب أن يراها أصحاب القرار!
نقرأ في الصحافة عن كثير من المشكلات في عالم الكتاب، كما نقرأ عن «لوبيات» وزُمر وعُصب.. وما أشبه.. حدثنا عن ذلك تنويراً للقاريء.
-لكل مجال اقتصادي عصابته، وقطاع الكتاب لا يشذ عن هذه القاعدة المشؤومة. فصفقات اقتناء الكتب، إن للمكتبات الجامعية، أو لمكتبات المطالعة العمومية، أو لحساب صناديق الدعم ضمن وخارج البرامج الخاصة (كـ سنة الجزائر وقسنطينة عاصمتين للثقافة العربية (2007 و2015)، وتلمسان عاصمةً للثقافة الإسلامية (2011)، والمهرجان الإفريقي (2009) تمثل أرقاماً فلكية، وإن خفي ذلك على المواطن العادي. ومثل هذه المبالغ، في ظل جزائر الأمس، كفيلة بإغراء أشرس العصابات!.. فبالنسبة للفترة المذكورة وبشكل عام، إذا لم يكن بوسعي -شخصيًّا- أن أحدد المنتفعين بشكل غير قانوني، كأشخاص أو مؤسسات اقتصادية يمكن توجيه التهمة لهم، فبإمكاننا أن نعرف الدوائر المنتفعة، وآليات انتفاعها، والأضرار الكبيرة التي ألحقتها بمهن الكتاب في الجزائر.
فعلى مستوى الدوائر، يمكنني أن أشير إلى اثنتين: الإدارة الفاسدة، ومستوردي الكتاب منتحلي صفة الناشرين. فالإدارة الفاسدة، بتسلطها واستئسادها على المواطن، وبفرض ستار من اللاشفافية المؤسساتية، ثم بتوظيف بقية آليات الفساد الإداري من محسوبية واسترضاء بعض الشركاء النافذين للسكوت على حقوق الأغلبية، وقبول وساطات من مختلف الإدارات لتأمين الحد المطلوب من التضامن الإداري لوأد كل محاولة للاحتجاج، وتهديد «المشاغبين» بالإقصاء، إلخ.. بكل هذه الأدوات والأساليب، استطاعت الإدارة أن تستحوذ تماماً على القرار، وهو ما شجعها على المرور إلى مرحلة أعلى من الفساد، وهي مرحلة إقحام مَن ليس مِن عالم الكتاب، والمتطفلين، بل وحتى المشتغلين بتحويل الورق وصناعة التغليف، في عالم نشر الكتاب بغرض فرض مكوس، واقتطاع نسب، وإحلال قواعد جديدة لتوزيع أموال دعم الدولة للكتاب تكون من خلالها حصة الأسد لحلفاء الفساد. والعجيب أن من أفسد عالم النشر وأدخل إليه من هب ودب صار يُعَيٍّرُ الناشرين بأن فيهم تلك الأصناف.
المهم أن أهم من استغل تلك الظروف، بعد الإدارة الفاسدة، هم جماعة المستوردين الذين تحولوا بقدرة قادر إلى ناشرين بين طرفة عين وانتباهتها، فكانوا يتقدمون لبرامج الدعم بأعمال سقطت في الحق العام وأخرى متفاوتة بين الرديء والمقبول (وأحياناً بأعمال جيدة إلا أن الأمر يتعلق بشراء حقوق)، لكن هذه الأعمال المستفيدة من «الدعم» تطبع خارج الجزائر (ولا مجال للحديث عن فواتير مضخمة -كما شاع ذلك بين الناشرين- لعدم اطلاعي عليها)، فتذهب أموال الجزائر الموجهة لترقية مهن الكتاب في الجزائر إلى خارج الجزائر، لا لشيء إلا لأن هؤلاء، وإن تسموا بالناشرين، لا يعرفون حتى المراحل التي يمر بها الكتاب قبل وضعه بين يدي القارئ!
كما أن بعض المستوردين استغل الدرجة العالية من الفساد السائد في البلد ليفرض سيطرته الكاملة، من خلال تحالفه مع بعض النافذين سياسيًّا، على الصفقات العمومية في مجال الكتاب.أما بالنسبة للأضرار، فإذا استثنينا حرمان مهن الكتاب في الجزائر من الأموال الموجهة إلى دعمها وإحيائها وتشجيع الاستثمار فيها، فإن من أهم ما تسبب فيه كل ذلك تشويه صورة الناشر بين الناس (وصورة الإدارة بين الناشرين) -وكفى بذلك إثماً مبيناً- فقد رأينا وزراء ومسؤولين يخاطبون الناشرين بازدراء، ويحملونهم مسؤولية تراجع إقبال الناس على المطالعة، ويَمُنُّونَ عليهم بنفقة الدولة على القطاع دون طائل.

كما كان أيضاً من أهم آثار توجيه الدعم إلى غير مستحقيه إغراق السوق بالكميات «الزائدة عن الطلب» بأبخس الأثمان، بحيث أصبح الكتاب يباع في المكتبة بأقل من تكلفته!!! وذلك لأن من طبيعة الطباعة الصناعية أنك ملزم بطباعة 10% من الزيادة على العدد المطلوب -إذا أردت إنجاز عدد من النسخ- لاستيعاب المضحَّيات (la gâche) في كل مرحلة من مراحل إنجاز الكتاب، ففي آخر المطاف يبقى لدينا عدد من النسخ فوق المطلوب (الذي هو العدد المعني بالاقتناء). فكنا نجد كل النسخ الزائدة من كل عنوان مستفيد من «الدعم» لناشر لا يمتهن النشر إلا ضمن إجراءات «الدعم» على رفوف المكتبات تنافس كتب الناشرين بأسعار لا يمكن مجاراتها!!!
فإذا أردنا تلخيص ذلك الوضع فلنقل: إن أصناف الناشرين ثلاثة: أولها الناشر التاجر، الذي يستثمر في النشر لما يراه من ربح فيه، فإذا تراجعت أرباحه نقل استثماراته إلى غيره من النشاطات. وثانيها الناشر المهني، وهو الذي اختار مهنة النشر حبًّا فيها وحرصاً على ممارستها لما تحققه له من رضىً، فهو لن يتركها وإن ساءت ظروفها. وأما الصنف الثالث فهو الناشر الرسالي، وهو -مثله مثل الناشر المهني – اختار مهنة النشر حبًّا فيها وحرصاً على ممارستها، لكن لا لذاتها بل لما تمكِّنه من أدائه من رسالة في المجتمع تغييراً لواقع مزرٍ، أو دفعاً لتخلُّف ظاهر، أو طلباً لرُقيٍّ ممكن وإحياءً لأمجاد ماضية. والذي تم هو استحداث صنف رابع هو الناشر الانتهازي، وهو الذي يأتي ليتحالف مع منظومة فساد قائم ليحقق أرباحاً دون أدنى استثمار، فيتم استخدامه لضرب الثلاثة، فأما الأول (الناشر التاجر) فينتقل باستثماره إلى مجال آخر، وأما الثاني والثالث (الناشر المهني والناشر الرسالي) فالأضرار اللاحقة بمجال نشاطهم حولته إلى مجال مفتقد لمقومات البقاء!
وبتوظيف قدر يسير من «الحساسية السياسية» (مما أسميه -تجوُّزاً وتهكُّماً- بارانويا) فمن الوارد جدًّا العثور على قرائن تدل على أركان مؤامرة على الثقافة الجزائرية، بل وعلى الهوية الجزائرية! فإن التاريخ يخبرنا بشكل جازم أن الفساد المالي ما وُجد أصلاً إلا برعاية ولخدمة فساد أكبر، هو في أساسه سياسي، أي فكري. ولتأمين انتشار فكر فاسد لا بد من حجب الفكر السليم، وأقصر طريق للوصول إلى ذلك هو تدمير منظومة النشر!!!
هذا تقرير لواقع عشناه على مر عقدين من الزمن، وإننا الآن نرجو تصحيح خط السير بقرار سياسي موفق.

ما هي أهم المشكلات بالنسبة لك (ولمجموع زملائك كناشرين ).. ؟
– المشكلات أنواع، منها ما هو قانوني، ومنها ما هو إداري، ومنها ما تعلق بالمحيط الاجتماعي الثقافي.. على المستوى القانوني، كان أهم تلك المشاكل تأخر دخول قانون الكتاب حيز التنفيذ، لكن تم الانتهاء مؤخراً من بلورة النصوص التنظيمية المتأخرة، والتي بسببها تأخر دخول القانون حيز التنفيذ، فنرجو تجاوز هذا العائق قريباً، مع العلم بأن القانون نفسه يحمل ثغرات تستلزم إعادة النظر فيه عند أول فرصة.
على المستوى الإداري لا زلنا نعاني من انعدام شبه كامل للشفافية ومن إقصاء المهنيين من اتخاذ القرارات التي تعنيهم قبل غيرهم. ولا أعد الاستعانة بهم في تحرير النصوص التنظيمية دفعاً مناسباً لتهمة الإقصاء، فأن تُستدعى عند حاجتهم إليك ثم أن يتم تجاهلك حيث لا حاجة لهم بك هو أبلغ في الإقصاء! وبهذا الصدد، يمكنني أن أشير إلى الانطباع السائد لدى الناشرين، وهو أنهم يرون بأن الإدارة التي تتحمل القسط الأكبر في نشر الفساد في عالم النشر -كما رأينا- تتصرف كما لو أن الناشر متهم وأن من واجبها -تبعاً لذلك- التحرز منه واتخاذ القرارات بعيداً عن تأثيره!!!
أما ما تعلق بالمحيط الاجتماعي الثقافي، فهو أعمق من ذلك بكثير، وهو مشكل علاقة المجتمع بالثقافة. إن أخطر ما نعاني منه هو انعدام أثر الثقافة -أي المطالعة- على أي ترقية وظيفية أو اجتماعية. إن السائد في المجتمع هو أن العمل مجرد وسيلة للاسترزاق، وأنت لا تحتاج إلى علم ولا معرفة أكثر مما يلزمك لتعرف «من أين تؤكل الكتف»، وقد رأينا العديد من الأثرياء ممن لا يحسن ملء صك!.. وهذا من أَطَمِّ ما أصيبت به المجتمعات الإسلامية! كيف لمن يملك المقدمات الصحيحة أن يصل إلى نتائج خاطئة ومن يملك المقدمات الخاطئة يصل إلى نتائج صحيحة؟! المسلم الذي يؤمن بالبعث والنشور، وبأنه محاسب على النقير والقطمير، بل وحتى على الفسيلة التي لم يغرسها لأن الساعة بصدد القيام، المسلم الذي هذه حاله يرى أن عمله مجرد طلب للرزق، الذي ضمنه له الله أصلاً، بينما يرى الكافر -الذي يعتقد أنه بموته سيتحول إلى هباء يسبح في الفضاء- أنه عليه أن يختار عمله بدقة فهو سيمضي فيه أكثر من ثلث عمره، فعليه إذن أن يستمتع بأدائه، وهو ما يقوده إلى طلب الإتقان والتفوق في مهنته!..
هذا يبين لك عمق الأزمة، وأن حلولها لا يمكن إلاّ أنّ تكون ثقافية!
وإليك مثال آخر على ذلك: أحد الوزراء، وكان ناشراً قبل أن يُستوزر، عامل بفوقية عموم الناشرين، وذلك طيلة فترة وجوده بقصر هضبة العناصر. هذا مع أنه منح صفقة كبيرة تخص إصدار الأعمال الكاملة لبعض الشخصيات الأدبية لناشر من أولئك المستوردين المذكورين أعلاه!!! فإمكانك -أخي الكريم- أن تضيف إلى قائمة ما يعاني منه الناشرون في الجزائر العُقد النفسية لبعض المسؤولين!.
حدد لنا من فضلك بدقة أهم تلك المشكلات من حيث الحدة في تأثيرها على صناعة الكتاب في بلادنا؟
– أهم مظاهر أزمة الناشرين مما نعاني منه من قَبْلِ جائحة فيروس كورونا المستجد هي كالآتي:
• انحسار عدد المكتبات المريع، واستحواذ المستوردين على البقية الباقية منها عن طريق منح تخفيضات أقل بكثير من المتعارف عليه بالنسبة للكتاب المحلي، ومما تسمح به أسعار الكتاب المحلي. وذلك لأن مستوردي الكتاب يحققون أرباحهم قبل بيع الكتب عن طريق فارق سعر صرف الدينار الجزائري أمام العملة الصعبة؛
• الأفضلية الممنوحة، ولو عن غير قصد، للكتاب المستورد على حساب الكتاب المحلي. وأهم مظاهرها: الإعفاء الجمركي التام بينما تخضع كل مدخلات صناعة الكتاب للجمركة، وهي كلها مستوردة!!!
• استيلاء نفس المورِّدين على صفقات تموين المكتبات الجامعية، والتي لا يمثل فيها الكتاب الجزائري إلا نسباً مجهرية (أحياناً أقل من (1%)؛
• كما أن هناك ما يؤكد وجود تهريب للكتاب المقرصن إلى السوق الجزائرية، وربما طباعته محليًّا، مما يفشل محاولات شراء الحقوق التي يقوم بها الناشرون الجادون؛
• كما يضاف إلى هذه الأصناف من المنافسة غير الشرعية، منافسة الكتاب المقرصن الجزائري والعربي والأجنبي مجاناً على بعض المواقع الإلكترونية؛
• حرمان مكتبات البيع من بيع الكتاب المدرسي كما هو معمول به في سائر أرجاء المعمورة، وهو السبيل الأقصر للإبقاء على ما تبقى من مكتبات، وربما لبعث نشاط مكتبات البيع بعد عزوف الناس عنه لانعدام الجدوى الاقتصادية من ورائه؛
• لكن يبقى أهم وأخطر مشكل تعاني منه مهن صناعة الكتاب هو عزوف المجتمع عن القراءة، ومرد ذلك -في معظمه- إلى انعدام الطائل المباشر للقراءة في أي ترقية اجتماعية أو مهنية. فنحن، مع كل أسف، نرى أن منتهى ما قد يصل إليه المثقف أن يجد ما يسد رمقه ورمق عياله، بينما أضواء الشهرة وتصدُّر المشهد السياسي وكل ما يرمز إلى النجاح الاجتماعي من مال وبهرج وذيوع صيت حكر على قليلي الحظ من الثقافة.. وهو -كما ترون – معضلة لا يمكن أن يتحملها الناشرون ولا المثقفون وحدهم، بل على الدولة بأجهزتها ودواوينها ووزاراتها أن تشترك مع مهنيي الكتاب -والمثقفين بشكل عام- لبعث القراءة وحب المطالعة من جديد في الناس، ولإعادة الكتاب إلى مكانته المركزية -في وجدانهم وفي اعتبار الدولة- التي ما كان له أن يتركها.
ماذا تقترح كحلول حقيقية جذرية في هذا المجال؟
-الحل الحقيقي والجذري لكل هذه المشاكل يقع تحت عنوان واحد هو: الأخذ بتوصيات المهنيين.
• فمقترح المهنيين بخصوص النصوص التنظيمية تكفل بتشجيع إنشاء المكتبات، فهو قد حول إليها الطلب العمومي إجباريًّا.
• وقد اقترحنا أيضاً إعفاء مدخلات صناعة الكتاب من الرسوم الجمركية، بالإضافة إلى تدابير أخرى تضمن مساواة الفرص بين الكتاب المحلي والكتاب المستورد.
• كما اقترحنا تضمين أي صفقة عمومية لاقتناء الكتب نسبة 70%من الكتب المحلية، وتشديد الرقابة على كل الصفقات.
• كما اقترحنا آليات لتضافر الجهود بين وزارة العدل والجهات الأمنية المعنية والديوان الوطني لحقوق المؤلف والمنظمات المهنية، لمحاربة ظاهرة قرصنة الكتب المادية وعلى مواقع الإنترنت.
• كما اقترحنا إصدار قرار من الجهات العليا في البلاد لترسيم حصرية بيع الكتاب المدرسي في مكتبات البيع.
• وأخيراً اقترحنا رعاية رئاسة الجمهورية لمشروع وطني لإعادة بعث القراءة في المجتمع، يؤطر من طرف وزارة الثقافة وباقي الوزارات التعليمية (التربية الوطنية، التعليم العالي والبحث العلمي، التكوين والتعليم المهنيين، الشؤون الدينية) وينفق عليه من مساهمات رعاة هم البنوك وكبرى المؤسسات في الجزائر.
دار السائحي متنوعة في منشوراتها وإصداراتها، ومن ذلك منشوراتها في مجال كتاب وأدب وثقافة الطفل.. هل من تفصيل؟ وما هي فلسفة الدار عموماً؟
-الحقيقة أن كتاب الطفل هو محور أساسي في فلسفة الدار، وإن لم يمثل نسبة كبيرة من إصداراتها، وما ذلك إلا لوعينا بأن التغيير يبدأ من الطفل، فأسهل من تقويم الكبير تنشئة الصغير على الاستقامة. ولهذا السبب تجدنا نختار بعناية بالغة النصوص التي نوجهها للأطفال. أما بخصوص فلسفة الدار عموماً، فهي تركز جهودها على مجال غير ربحي (بخلاف من يتهافتون على الكتاب شبه المدرسي لسهولة رواجه مثلاً) هو الكتاب التاريخي والأدبي، حيث نسعى للالتزام بخط نشر يُعنى بالأدب والتاريخ الجزائريين تحديداً لأقلام تنتمي إلى التيار الوطني الوسطي، مع عناية خاصة بأعمال رواد النهضة من أعضاء جمعية العلماء وباقي رجالات الإصلاح، كأمثال البشير الإبراهيمي، ومحمد الهادي السنوسي الزاهري، وأبي بكر بن رحمون، وجلول البدوي، وسليمان الصيد، وعبد الرحمن بلعڤون، وطبعاً- محمد الأخضر السائحي.
كما تعمل الدار على إصدار أعمال الشيخ الأستاذ ابن أبي شنب تباعاً.
وللدار كذلك إصدارات تدخل ضمن شراء الحقوق، وهي كتب تخص -حصراً- مرحلة حرب التحرير.
كما للدار كتب تُعنى بالتأريخ للراهن من أحداث الوطن، لأقلام صحفية مميزة كالأستاذ خليفة بن قارة، والأستاذ عبد القادر حريشان.
كما للدار كتب أكاديمية في القانون (للأستاذ نصر الدين الأخضري) وفي النقد الأدبي وفي العلوم السياسية.. لثلة من الدكاترة المحترمين.
وللدار تعاون مع بعض المؤلفين العرب (غير الجزائريين).
الشهور السبعة السابقة حتى الآن أثرت تأثيراً خطيراً على صناعة الكتاب ونشره وتوزيعه.. هل يمكن أن نعرف منك بعض التفاصيل؟
-قد سبق أن ذكرتُ لك بأن أزمة الناشرين ترجع إلى ما قبل جائحة فيروس كورونا المستجد، أما الجديد الذي أتت الجائحة وكاد أن يقضي قضاءً مبرماً على الناشرين، فهو الحجر الصحي، لا من حيث أنه أغلق المدارس وهي من أهم مسبِّبات تداول الكتب واقتنائها، ولا من حيث أنه أغلق المكتبات لأشهر طويلة، فهي أصلاً تكاد تكون منعدمة، ولكن لأنه منع التجمهر بما منع إقامة معرض للكتاب، وهو البديل الوحيد الذي تحايل به الناشرون على مصيبة غياب المكتبات!
وهل حقيقةً وصل بعض الناشرين إلى تغيير مهنتهم؛ حيث وجدوا أنفسهم أمام الإفلاس؟
-نعم، بكل تأكيد! لقد اضطُر كثيرون ممن نعدُّهم ناشرين جادين مخلصين في خدمة الكتاب إلى تغيير نشاطهم والتخلي عن خدمة الكتاب، الذي كان محور حياتهم المهنية على الأقل. كما أننا شاهدنا اختفاء مزيد من المكتبات.
كلمة أخيرة.
-شكراً على اتساع صدرك لاستطراداتي المتكررة ولتشعبِّي في الحديث، وشكراً على عرضك السخي بأن أختم بكلمة أختارها، وستكون من قسمين، قسم موجه للمسؤولين وقسم لعموم قرائكم.
فأما الكلمة الموجهة للمسؤولين، فهي أنني أُذكِّرهم الله في أمانة الشهداء، ولا أزيد.
وأما الكلمة الموجهة لعموم القراء، فهي أن الكتاب هو أهم أداة لتغيير الواقع، وأن حماية ثقافة شعب ما وهويته لا تكون إلا بحماية الكتاب الحامل -والحامي- لهما. والسلام.

عن المحرر

شاهد أيضاً

البصائــــر فـي حــــــوار مــع الـمجـــاهــــد الدكـتـــــور محمـــد عــريـــــف/ سجلت أكثر من 45 براءة إختراع داخل و خارج الوطن

أجرى الحوار: الدكتور عبد الحق جبار/   في حي اسكندر باشا من بلدية الفاتح باسطنبول …