الرئيسية | مقاربات | النظريــــة الإسلاميـــة فـــي تحقـيــق جودة الحيــاة الأسريــة

النظريــــة الإسلاميـــة فـــي تحقـيــق جودة الحيــاة الأسريــة

اليمين بشمار طالب دكتوراه/

 

امتدت التغيُّرات التي طرأت على واقع الأسرة الغربية، بفعل التحديث والعولمة والمؤامرات ضد الإنسانية إلى الأسرة المسلمة، مما أدى إلى مشكلات في الدور والوظيفة هذا من الناحية الداخلية، وتغيير النظرة للمرأة وقيمتها في الأسرة من خلال الإعلام بالإضافة إلى تراجع دور القيم الحافظة للأسرة من الناحية الخارجية.
– فما هي أهم المشكلات التي حدثت للأسرة المسلمة بسبب التحديث والعولمة؟
– كيف يمكن للنظرية الإسلامية أن تحقق جودة الحياة الأسرية؟
فلو قرأنا البشرية منذ البداية لرأينا أن السيطرة الاجتماعية على السلوك الإنساني تنبثق في أغلب الأحيان من الأسرة، فالمجتمع لا يستطيع أن يحيا دون وجود مؤسسة للسلوك الإنساني، وهذه السيطرة هي التي ولدت العرف العقلاني الخاص بالسلوك الجنسي المتفق عليه اجتماعيا، ولولا الحقوق والواجبات التي وضعت على الأفراد أو لهم ضمن المجموع، لما تحقق وجود المجتمع والنظام الاجتماعي. بل كان الأفراد مجرد كائنات حية تعيش بإنفراد دون نشاط اجتماعي ملحوظ.
وعلى الصعيد التاريخي فإن للزواج والأسرة دورا حيويا في السيطرة على السلوك الاجتماعي، فقد طورت المجتمعات الإنسانية عبر رسالة الدين والفلسفة الاجتماعية العلاقات التفاعلية في الزواج، ومسؤولية رعاية القاصرين من الأطفال والعجزة، وانتقال الملكية، والحقوق المدنية، والمنزلة الاجتماعية، وانتقال العلوم المتراكمة من جيل لآخر.
ولقد خضعت الأسرة منذ القدم لكثير من الدراسات من قبل علماء الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرهم، وكانت دراساتهم بمثابة قوانين صنعها الفرد ولذلك فهذه القوانين تختلف عن التشريع الذي شرعه الخالق عز وجل، لأن قوة القانون تتناسب مع كفاءة فهم الأفراد للمتطلبات في زمان ومكان محددين إلا أن التشريع الإلهي محكم باعتبار صدوره من جهة إلهية منزهة عن الخطأ والتقصير.
أولا: باعتبار أنه لم يحدد بزمان ومكان محددين.
ثانيا: من المسلم به عند الفقراء أن القانون أو التشريع لا يمكن ضمان نجاحه ما لم ينزل إلى الساحة الاجتماعية مع نظام متكامل للعقوبات.
إن الفرق بين التشريع الإسلامي الخاص بالأسرة وبين القانون الغربي الخاص بها يتمثل في أن القوانين المعاصرة التي وضعها الإنسان ما هي إلا أحكام مثالية لا تتطابق مع الواقع المتغير في أغلب الأحيان، على عكس أحكام الشريعة التي أخذت الطبيعة البشرية بقطبيها ووضعت القوانين التي تتناغم مع كل أمواج الطبيعة الإنسانية، وأغلب القوانين والنظريات الخاصة بالأسرة والمعمول بها اليوم في الغرب مستمدة من أفكار الثورة الفرنسية والأمريكية وغيرهما ويصعب تطبيق غيرها على الوضع الاجتماعي المعاصر، وعلى الأسرة المسلمة التي لها قيمها وثقافتها الخاصة بها.
وإن كثيرا من المشكلات التي تواجه الأسر المسلمة ترجع جذورها إلى الكيفية التي تم بها تكوين الأسرة وكيفية اختيار الزوج لزوجته وأهمية هذا الاختيار وأهدافه تعرف على أنها حالة من الاختلاف الداخلي والخارجي التي تترتب على حاجة غير مشبعة عند الفرد عضو الأسرة، أو مجموعة الأفراد بحيث يترتب عليها نمط سلوكي أو مجموعة أنماط سلوكية يعبر عنها الفرد أو الجماعة المتعاملين معه بكيفية تتنافى مع الأهداف المجتمعية ولا تسايره.
ولعل أهم المشكلات التي تعاني منها الأسرة المسلمة المعاصرة تتمثل في:
– تعارض الأنماط السلوكية بين الزوجين حول أساليب التنشئة الاجتماعية تجاه الأطفال وطرق اتخاذ القرارات ومعاملة الآخرين.
– اختلاف الصفات والقيم والعادات والتقاليد بين الزوجين بما يؤدي إلى نشأة الخلاف وتفكك وانحلال الأسرة.
– انخفاض مشاعر الود والسعادة والتعاون بين الزوجين وكذلك انخفاض روح التعاون بينهم بعد الزواج مما يؤدي إلى فشل الزواج.
وهناك تصنيف آخر لأهم المشكلات الأسرية تتمثل في:
– المشكلات الانفعالية والنفسية التي ترجع لاختلاف الحالة المزاجية والعصبية لكل من الزوجين كأن يكون أحدهما هادئًا والآخر عصبيا.
– المشكلات الثقافية والتي ترجع لاختلاف العادات والاتجاهات نتيجة اختلاف نشأة وتربية كل منهما.
– مشكلات الأدوار الاجتماعية وهي تنجم عن الاختلافات بين الممارس والدور المتوقع لكل فرد داخل الأسرة اتجاه الآخرين، كما أن تعدد الأدوار وتصارعها يؤدي إلى الاختلاف في الأسرة وعدم تماسكها، مثل تعدد أدوار المرأة التي نؤديها.
– المشكلات الاقتصادية فقد يؤدي نقص الموارد المادية إلى ظهور السلوك غير السوي في الأسرة مثل الشجار والاعتداء، كما هناك مشاكل أخرى بسبب الجانب المادي كسوء التوافق العاطفي، الغيرة…الخ.
– المشكلات الاجتماعية والممثلة أساسا في سوء العلاقة بين الزوجين والأقارب ومشكلات الأم العاملة.
– المشكلات الصحية: مثل المرض المزمن، العاهات، العقم،…
وهناك من يقسم المشكلات الأسرية إلى أسباب فردية وأخرى اجتماعية، والذي يهمنا في كل هذا هي المشكلات الأسرية التي يعاني منها المجتمع المسلم المعاصر، والمتمثل في:
– غياب الحوار بين الزوجين داخل الأسرة، أو بين الوالدين والأبناء وذلك يرجع للتنشئة الاجتماعية، ولكن لا ينطبق على عامة الأسر الجزائرية. لأننا نجد أن الأسر الملتزمة والمتفهمة لمعاني الدين الإسلامي يكون أفرادها في الغالب أكثر تواصلا ويسود الحوار بينهم.
– تملص الأزواج من مسؤولياتهم وتحميل الزوجة فوق طاقتها مما يثير كثيرا من المشاكل في الأسرة. وهذا المشكل لم يأت من فراغ بل له أسبابه القانونية والواقعية.
– ضرب الزوجات والخيانة الزوجية وغيرهما….
– التفكك الأسري بشقيه المادي الممثل في الطلاق الذي يعرف حالات كثيرة في السنوات الأخيرة وغياب الأب بسبب من الأسباب كالسجن أو الهجرة أو المرض.
والشق الثاني الممثل في التفكك العاطفي داخل الأسرة الجزائرية.
– ضعف الروابط الأسرية والانتماء الأسري بسبب تراجع سلطة الوالدين وخاصة الأب في السيطرة على ضبط سلوك الأبناء والشباب منهم على وجه الخصوص، بسبب انشغالهم بالعمل والسعي وراء الكسب وتوفير الحياة الكريمة لأبنائهم من جهة، ومن جهة أخرى فإن ضعف التماسك والتواصل الأسري بين الأبناء. حيث يقضي الأبناء الساعات الطوال في متابعة برامج القنوات أو الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعي وتصفح مواقع الانترنت.
– تراجع دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية لصالح الإعلام والتقنيات الحديثة مما أدى إلى انحسار معدلات التفاعل الاجتماعي وميل الأبناء إلى العزلة والانطواء بسبب انشغالهم بهذه التقنيات.
– شيوع النزعة المادية والنفعية لدى أفراد الأسرة الواحدة وخاصة الأسرة الكبيرة والتي تعرف في الوقت الراهن الكثير من النزاعات والصراعات حول الإرث. وسيادة الرغبة الجامحة في الاستكثار من المال مما دمر العلاقات الأسرية وغيّب معها روح المودة والتقارب العاطفي والتعاون وجل محلها روح التنافس والتحاسد والتباغض والتنافر.
– تغيير النظرة للمرأة وقيمتها في الأسرة من خلال الإعلام. فبدعوى الحرية أصبحت المرأة خاضعة لبيولوجيا الجسد، وتحددت قيمتها بدرجة إثارتها وإظهار مفاتنها، وبما تلبسه وما تملك من علاقات متحررة مع الجنس الآخر، وقد رافق ذلك كله تهميش متعمد من طرف وسائل الإعلام لصورة المرأة الأم، المثقفة، العاملة، المنتجة، المربية، المناضلة.
– تراجع دور القيم الحافظة للأسرة وأصبح أساس الاختيار بطريقة سطحية مما يجعل المكسب المادية يتصدر أسس الاختيار الزواجي، وذلك ينعكس على العلاقات الزوجية سلبا.
ولا شك أن الشريعة الإسلامية أولت الأسرة عناية فائقة لإدراكها أهمية الدور الذي ينبغي أن تلعبه هذه المؤسسة على الساحة الاجتماعية، بخصوص حفظ السلوك، وحماية الأفراد وتربيتهم وإشباع حاجتهم العاطفية، وتنميتهم وإدماجهم اجتماعيا، وينطوي البناء التحتي للنظرية الإسلامية على تحديد دور الرجل والمرأة في الأسرة.
فالنظرية الإسلامية تؤمن بأن الإنسان ليس حيوانا اجتماعيا كما يزعم الآخرين، بل تعتبره كائنا كريما، رفعه الله عز وجل، بالقلم والعقل والإدراك والتفكير، ومنحه قابلية الاستخلاف في الأرض.
فاختلفت العلاقات والوظائف الاجتماعية بينه وبين الأفراد، كما ونوعا، عن العلاقات الجمعية التي تجمع القطيع الواحد من الحيوانات، فالنظام الاجتماعي الإنساني ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة عن طريق الأسرة، التي تعتبر أهم المؤسسات الاجتماعية خدمة للإنسان.
فالإسلام ينظر للأسرة باعتبارها محطة استقرار لعالم متحرك، تنتقل من خلالها ممتلكات الجيل السابق إلى الجيل اللاحق، ومحطة فحص وتثبيت أنساب الأفراد عن طريق إعلان المحرمات النسبية والسببية الناتجة عن الزواج، وإلحاق الأولاد بآبائهم، ومركز حماية الأفراد بتقديم شتى الخدمات الإنسانية لهم بخصوص الملجأ والمطعم والدفء والحنان، ويعكس ذلك حث الإسلام على وجوب الإنفاق على الأصول والفروع، ووجوب الإنفاق على الزوجة.
وإذا كانت الأسرة في تصور الإسلام محطة لشحن الطاقات العملية وقاعدة لتنشيط الإنتاج الاجتماعي، فإنها في نفس الوقت مركز لإشباع الحاجات العاطفية كالحب والحنان والعطف والرحمة، ومكان لتهذيب السلوك الجنسي ومدرسة لتعلم المعارف الأساسية قبل الاندماج في العالم الاجتماعي، كاللغة والأعراف والعادات والتقاليد والقيم الأخلاقية، فالأسرة في الإسلام تساهم في إيجاد الفرد الاجتماعي الصالح للعمل والإنتاج والمساهمة في بناء النظام الاجتماعي.
ولا يقتصر اهتمام الإسلام على مستوى الأسرة بالرجل، بل أعطى للمرأة أهمية خاصة منذ بداية نشأة الأسرة، فتستطيع مثلا أن تشترط شروطا شرعية جائزة في عقد زواجها، وعلى الزوج وجوب الوفاء.
وأوجب في صيغة العقد الإيجاب منها والقبول منه، وأحل لها الإسلام خيار فسخ العقد أو إمضائه في العيوب الموجبة والعيوب العقلية، والتدليس. وفرض لها حقوقا مالية، ولا شك أن المهر المالي المفروض يعتبر أول بوادر الاستقلال الاقتصادي والاستثماري للزوجة خلال حياتها، وأوجب لها النفقة مع ثبوت الطاعة والتمكين، وفي الإرث، فإن الزوجة ترث مع جميع المراتب، وفي كل مرتبة من مراتب الإرث، وتتغير السهام المفروضة بالنسبة للذكور والإناث حفظا لمصالحهم الاجتماعية والاقتصادية، فهذه المسالك المنبثقة من الإسلام تؤدي بالمرأة إلى الطريق المتميز عرفا وشرعا ومكانة اجتماعية.
ولا شك أن نظرة الإسلام الرحيمة تجاه العلاقة بين الرجل والمرأة وربطهما بإصلاح المشاكل الاجتماعية. تضع الإسلام على قمة المؤسسات العلاجية الهادفة لمعالجة الأمراض التي تنشأها الدوافع الغريزية البشرية، فلكي يكون النظام الاجتماعي قادرا على علاج أمراضه الاجتماعية، لابد أن يطرح أشكالا مختلفة من الزواج بحيث تلاءم مشاكل الأفراد المتنوعة. وعلى ضوء ذلك فقد أجاز الإسلام الزواج الدائم بالواحدة، وتعدد الزوجات وملك اليمين، واعتبر ما وراء ذلك تعديا وظلما أوجب على الأفراد دفعه، ولا ريب أن إباحة هذا السلوك المتعدد كان الهدف منه معالجة المشاكل الاجتماعية التي تتركها الوحدة، والحرمان، والانقطاع، وانفتاح الشهوات وغيرهم. وحدد لكل ذلك نطاقا في غاية الدقة والتنظيم.
mmm

عن المحرر

شاهد أيضاً

القرآن، السنة، التراث: تقاطعات منهجية في الفهم والاستنباط 2

د/خميس بن عاشور * إنّ الحصانة الفكرية مطلوبة من جميع المسلمين ولا يشذ عن ذلك …