الرئيسية | مساهمات | الرســــول الجـــديـــــد

الرســــول الجـــديـــــد

خولة محمد فاضل /

 

الرسول الجديد المتوج الفريد الصامت القاتل يسافر بلا تذكرة ولا أجنحة ولا جواز سفر.. الملك القادم من البلاد البعيدة الذي لم يتوقع مفاجأة قدومه أحد.. المسافات ممتدة، والقلاع والحصون متينة، والحرس والجيوش والمخابر والعقاقير والتكنولوجيا، لا شيء منها يمنع قدومه وذيوعه. فهو صاحب المعجزة التي عجزت البشرية جمعاء أمامها ولا تملك حيالها إلا أن تحملق في ذهول ودهشة وهو يدك حصونها، ويهزأ بأسلحتها وجبروتها. المارد المجهري الخفي قد استقر في الخواطر ونبضات الأفئدة وتوهج مع الأنفاس الدافئة وأزهر وأثمر حتى استحوذ على كل مساحات الذاكرة وحياة الأرواح. الطوفان اللامرئي الهادئ..

الرسول الجديد الذي قلب الموازين والمفاهيم والقيم ولم تستطع البشرية ردعه وهو ينذرها كما كانت تفعل دائما عندما تبشر بميلاد رسول، ويسقط كل الأقنعة التي تفننت في ابتداعها وتنميقها وترصيعها ولا يبقي لها إلا قناعا واحدا بسيطا دون تجميل ولدته أنامل الخوف والقلق من نهاية محتملة، ولكن لا عاصم اليوم من تسونامي المتوج إلا الأقدار.
كوفيد19 الأسطورة الجديدة الرسول الذي يعيد توزيع وإحياء القيم الإنسانية الميتة أو المنسية.. السياسي البكر الذي يعيد رسم خارطة العالم وتشكيل المفاهيم المعاصرة.. المعسكر الذي عجزت الترسانة الحربية والنووية والكيماوية العالمية المختلفة عن ردعه وهزمه.. إنه الحرب العالمية الثالثة أو القيامة الصغرى.. الرسول الجديد ينصب نفسه محور الكون وعقله وقلبه وروحه. فهو الأديب والمفكر والإعلامي الذي يكتب بجميع الأقلام والأبجديات واللغات.. والرسام الذي يرسم بفرشاة الوجع والقهر.. إنه السر الذي يعشش في كل عقل بشري بدأ يعي الحياة..
إنه الرسول النذير الذي استحوذ على كل شيء وأمسك بروح الإنسان يقلبها كيفما يشاء. يزرع الرعب والفوبيا في أولئك الذين اعتقدوا أنهم في منأى عما يصيب الضعفاء من البشر. فلم تنفعهم لا القصور والحصون ولا العقاقير ولا الحرس ولا الحكمة والتكنولوجيا. لا المال ولا الجاه والسلطان.. لقد كنا دوما مجرد أرقام لديهم، أو فئران تجارب وتسلية أو الوباء الذي يجب التخلص منه. يتنافسون في إبداع واختراع أشد الأسلحة فتكا بنا.. يسرقون منا البهجة والسكينة والكرامة والحياة.. ليرضوا جشعهم وطغيانهم وغرورهم. استكبروا وعتوا في الأرض وما اعتبروا. وها هو الرسول الجديد ينذرهم دون تمهيد أو استشارة أو نبوءة ليبعثر جميع الأوراق ويرتبها ترتيبا يخالف أبجدياتهم وأرقامهم وألسنتهم، ويبشر بعالم جديد ربما يكون أكثر عدلا وإنسانية. فربما أحيا إيمان النفوس وأعاد الرشد للعقول والإحساس للقلوب..
إنه الدرس الذي يستوعبه الجميع حتى الحمقى ممن ظنوا أنهم امتلكوا أقدارنا من الساسة وأصحاب الجاه والنفود وما شئت من الفراعنة الجدد أينما كانوا على وجه البسيطة.. إنه العالم الجديد يتشكل بقوة أضعف المخلوقات في الكون..
المتوج وحيد الخلية أعجز العقل البشري وذكاءه عن مواجهته. فعاد الجميع ليبحث في القرآن الكريم وسنة نبينا محمد _صلى الله عليه وسلم_ فكان حديثه هو البلسم الوحيد: «إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه».
لقد قلب الرسول الجديد مفهوم الوحش الأسطوري الضخم القوي صاحب القدرات الخارقة.. الوحش الجديد وحيد خلية لا يرى بالعين المجردة كأنما هو قوة ميتافيزيقية كامنة في خلية واحدة تستنسخ نفسها بلا توقف. إنه القدرة الثانية التي تحكم مصير العالم بعد قدرة الله تعالى ومشيئته. المعجزة الجديدة.. الرسول المنذر الذي أرغم الناس على رفع أيديها للسماء خشوعا وتوسلا وتضرعا إلى الله أن يرفع عنها هذا البلاء. الجائحة التي تبث وعيا إنسانيا جديدا وتفضح الحضارة المادية القائمة التي تجاهلت الإيمان والقيم الروحية والمثل الإنسانية ووهجها ورونقها وأذاب الفروق والتعصب بين البشر. فلا لون ولا عرق ولا عرف ولا جنس ولا عقائد.. هناك فقط الإنسان. إنه يعيد تعافيه وإنسانيته المفقودة أو العليلة. فما أغنى عنه ماله ولا جاهه ولا حصنه ولا حرسه ولا حكمته..
فعلا لا نبي بشري بعد الرسول محمد _صلى الله عليه وسلم _ ولكن ها هو الرسول الجديد كورونا ينذر ويتوعد ويعاقب في صمت أثار ضجيج البشرية جمعاء وجعلها تستشعر الخطر وتفتش عن مفر.. فلا مناص اليوم من لعنة فوبيا المتوج و رعبه الذي فرض الحجر على الإنسان وسجنه في بيته وأعلن حظر التجوال ليتيقن الجميع أن الرسول الجديد صادق وجاد ومتفان في تأدية مهامه وتبليغ رسالته.. فهو يعاقب كل من تجبر وتكبر واستعلى في الأرض ونسي أصله وضعفه وربه. فأعاد إليه روحه التي افتقدها وحسه الإنساني الذي تناساه أو احتقره أمام أهوائه وأطماعه وفساد عقيدته.. فإلى أين الملاذ؟!
إنهم اليوم يرقبون في هلع ووجل وموت بطيء أهوال القيامة الصغرى في اعتقادهم يشهدون نهاية العالم؟! الأزمة التي لم تشهد الإنسانية كارثة بعمقها وحجمها.. مواجهة الرسول النذير الخفي وهو يحطم غرورهم وجبروتهم. ويقلب مقولتهم «العقل السليم في الجسم السليم» لتصبح «الجسم السليم في العقل السليم»..
ربما هو التاريخ يدمر ذاكرته أو يحجرها.. ويُهيء ذاكرة الإنسانية الجديدة. فيرسم أبعادا مغايرة ويشكل عالما جنونيا مبتدعا!!
حمى كورونا تسيطر على الفكر البشري وتأسر روحه في غياهب الأشجان ليراجع قواعده ومسلماته وعلاقاته وسلوكياته.. إنه يبتدع ألحانا وأصوات وأبجديات وألوانا ويغتال أوهاما ويطلق أحلاما. فربما ضجيج الفوبيا والخيبات سيهز المشاعر الإنسانية ويبعث القيم الروحية من جديد.. إنه يرسم نقوشا مفجعة مروعة صاخبة راسخة لا تمحي. تسجن الزمان بين خطوطها وألوانها وأشكالها. فالمتوج الجديد لا تغره الرتب والمناصب ولا يعترف بذي جاه أو سلطان ولا يهاب جيشا أو ترياقا.. لا يقيده زمان ولا مكان.. لا ليل ولا نهار .لا تميمة ولا عقار. لا أوروبا ولا امريكا ولا أية سلطة إنها القيامة الصغرى
الرسول الجديد نسف كل التكتلات والتجمعات والنظريات والاقتصادات والسياسات والبروتوكولات والتطور والتفوق والأبحاث وكل التنبؤات والتوقعات. ولم يُبق للبشرية منطقا. لقد فرض عليها منطقه الأوحد وخط حكمته الجديدة لا منطق للحياة وإلا كيف لجائحة مجهرية كل هذه العدالة ؟! لا تفرق بين السيد والعبد والحاكم والمحكوم والثري والمحروم والمشهور والمغمور.. إنه الرسول العاشق المجنون الذي أطلق لسلطته وساديته العنان ليعيد تنشئة العالم من جديد..
كوفيد 19 فرض منطقه على الجميع لأنه غريب ومجهول ومستجد، فانبرى العالم بكل طاقاته يتصدى له رغم اليقين المسبق بالفشل غير أنه لم يتخذ أية ذريعة للاستسلام، وأبقى باب التفاؤل مفتوحا حتى في أحلك لحظات الأزمة بينما تجاهل كورونا الآخر المستنسخ في هيئة البشر الذي عاث فسادا في الأرض يدمر ويخرب ويزهق الأرواح بأعداد هائلة تتجاوز عدد الإصابات بفيروس كورونا ويخلف الكوارث والمآسي الإنسانية في أمم ذنبها الوحيد أنها رفضت أطماع الغرب ونهش ثرواتها وكرامتها فأنشأوا لها كورونا أشد همجية وفتكا بل وكفلوا له الحماية والرعاية والدعم فأمدوه بمستلزمات زراعة الموت والتنكيل والعبث بأرواح أناس مسالمين كل آمالهم أن يعيشوا في أمان وينعموا بالطمأنينة والكرامة. إنها الأنانية المتجذرة في النفوس المريضة الجشعة للأهواء والرغبات ولو على أعناق الضحايا والأبرياء. هذه الشعوب ثملت من الردى ولهذا نجدها تستخف وتهزأ من ارتياع الغرب من المتوج لأنه توج عليها ما أمكنه من كورونا أشباه البشر، أو ربما ليس لحياتها أية قيمة مادامت تسرق منها كرامتها تحت مسميات مختلفة وأقنعة شتى وتلفيقات وخزعبلات وأوهام تروج لتحشو بها رؤوس الأغبياء والحمقى الذين ولوا أمورنا بحماية صناع كورونا من قوى الشر والضلالية والظلامية والإرهاب المقنن والممنهج.. أليست حمى طاعون الإرهاب وصراع المناصب العشوائي الهمجي أشد ترويعا من كوفيد 19.. لنكون ضحايا مرتين لسذاجتنا واستسلامنا وخنوعنا للكورونا البشري..؟!
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا تتصدى البشرية لكورونا الظلامية والجشع والأطماع والأنانية، مثلما تفعل مع المتوج الرسول الجديد الذي ترفض رسالته رغم ما فيها من الإيجابية والعدل؟! لماذا تستمر الأنانية والسادية واستغلال الأمم والعبث بمقوماتها وأرواحها؟!
ولماذا علينا دائما أن ندفع الفاتورة مرتين وأضعافا..؟! أم أنه منطق الحضارة المادية التي راح يكشف فشلها وجورها ورغم ذلك تستمر بوقاحة في دعارتها وشذوذها وفسادها؟! أي درك أسفل مازالت تتهافت عليه؟! ومتى يطهر العالم من الفراعنة الجدد؟! ربما رسالة الرسول الجديد هي مجرد إنذار هين أمام الرسالات القادمة لأبطال أسطوريين أشد حزما وعزما في تبليغها؟!.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله (1873 – 1958 )

أ.د/ مسعود فلوسي/ عالم فذ وأديب كبير وشاعر مُجيد وصحافي لامع ورحالة جوال، جزائري الأصل …