الرئيسية | مساهمات | سلطــــة الإبـــداع وسجـــن الـمراقــبــــة…

سلطــــة الإبـــداع وسجـــن الـمراقــبــــة…

د/ عاشور توامة

سلطة الإبداع وسجن الرقابة، إن قلبنا طرفي المعادلة صارت سلطة الرقابة وسجن الإبداع، وهذا ما لا يستوي مع المنطق والعدل الكوني وروح الإبداع الخلاق، لأن الإبداع الحقيقي تمرد إبجابي لإصلاح ما أفسد الدهر وإصلاح أحوال الناس.
فكلما كانت هناك خلخلة ذهنية للخطاطة الدماغية الجمعية الجامدة، والموجه توجيها تراكميا آليا، كلما قيل مبدع مبتدع حاد عن الأصل وفارق العرف وغيّر الحرف ولابد له من الفصل، وتناسوا بأن المبدع رجل فكر وعالم يفتش عن مثال الوعي القائم ليصنع نموذج الوعي الممكن، وشاعر يسافر عبر الخيال المجنح نحو المجهول لاستشراف زمن لم يحن بعد، ليضعنا أمام فرضية الاحتمال وحتمية الوقوع واستقراء عاقبة المستقبل ونتيجة الحاضر الجائر…
إن المبدع فلتة من الزمن الهارب الذي لا يمكن الوصول إليه أو تحيينه إلا من خلال يقظات فنه وترانيم كلماته ونور بصيرته وهدي إبداعه، المبدع هنا ليس دفين كلمة معجمية وقفية تحدد معانيها معاجم اللغة، وتداولية قصار النظر، بقدر ماهي لفظ وإمتاع وإفصاح وبيان للناس، إنه كلمة يلقيها المبدع من أتون نفسه الحرة، عبر أثير المطلق وتتجه نحو عوالم الاكتشاف والاختراع، لتعانق فنون التجاوز وروح السيطرة وإعجازات النبوءة، وتعمل على منح السعادة للجميع، إنها سلطة الإبداع الشرعية التي فطر الناس عليها، وجبلت الذائقة على إيقاعها ووقعها، إنها دليل الجاحد الذي حاد عقله وفؤاده عليها، إنها السلطة العادلة التي لا واسطة لها غير حُرّاس الصدق من القول وأوفياء الفعل من القوم…
إنها السلطة التي لا تهزها فضاءات بورصة العملات؛ لأن عملتها هي الأغلى ثمنا والأبقى دهرا، إنها سلطة الضمير الحي الذي لا يموت، ولا يبيع نفسه في سوق النخاسة بثمن بخس، ولا يشتري الشهادات من الآخرين بألقاب مزورة، إنها سلطة الحرية والتحرر من كل قيد أو شرط؛ طالما أنها لا تتدخل إلا بقدر دافع الواجب ومثير الحب، فعجبا لمن يحاول القبض على مواقع النجوم، ويجعل منها مصابيح تتوقد لتخبو كنورٍ خافت ثم تضبط على ساعة منبه لا ينبه، ويوجه عكس عقارب إيقاعه، إلى متى ونحن سكون والعالم من حولنا يتحرك ويتغيّر، إلى متى ونحن نخاف الإبداع ولا نقدّر منجزات المبدعين، ولا نسهم في عودة من قذفت بهم أمواج مهاوي الإفك ونهشتهم معاول الانقسام وخذلان الطريق، الأولى أن نحترم أنفسنا ونشد على أيدينا ونكافح جميعا لصناعة غد جميل وأفضل دون حقد أو إقصاء، ولا نبحث عن الأخطاء بدعوى الحرب على داعش الإبداع..

عن المحرر

شاهد أيضاً

مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده -رحمه الله – (1849-1905)

أ.د/ مسعود فلوسي*/ رائد الإصلاح والنهضة في مصر والعالم العربي والإسلامي في العصر الحديث، المفسر …