الرئيسية | الحـــق الـمر | ذاكرة وذكرٌ…

ذاكرة وذكرٌ…

يكتبه د. محمّد قماري/

لعل من أصعب الأعمال التي عرفتها في حياتي الالتزام بنشر مقال في موعد معين، فتجدني في الغالب أفكر طيلة الأسبوع إن كان الالتزام أسبوعيًا فيما أكتب، فالقراء ينتظرون من الكاتب كلامًا مفيدًا، وهذا حقهم، وكلما احترم الكاتب قراءه فإنهم يرتبطون بما يكتب ارتباطًا عاطفيًا، وينتظرون موعد مقاله كما يهفو الجائع إلى الطعام أو الظمآن إلى الماء، فإن قصّر من يكتب لهم في الاجتهاد انصرفوا عنه …
وكانت في ذهني فكرة تختمر، أحببت أن أشرك قراء (البصائر) فيها، لكن انشغالات صرفتني عن تحريرها، ونسيت موعد المقال من أساسه، وما راعني إلا رسالة من رئيس التحرير تنبهني بحلول موعد الارسال، وحاولت استحلاب خلايا دماغي عسى أن يفتح عليَّ وأتذكر الفكرة التي كانت تتردد في نفسي، لكن دون جدوى، لقد نسيتها كما نسيت موعد ارسال المقال…
واستحضرت ما قرأت من قبل من شأن بعض الكتاب مع ما يعن لهم من أفكار، تذكرت عبد الرحمن بن الجوزي، رحمه الله، وهو يحمل قلما وقرطاسًا حيثما تحرك، ويدّون كل فكرة تطوف بخلده يرى أنها جديرة بالتدوين، ومن ذلك المسلك استطاع أن يخرج لنا كتابه العذب (صيد الخاطر)، فالخواطر كحيوانات البرية تعدو في أدمغتنا، فإن لم نحسن قنصها جفلت واختفت…
وتذكرت ما كان من شأن الأديب الكبير جبران خليل جبران، صاحب (الأجنة المتكسرة) و(النبي) وغيرها من الكتب، فلقد روى بعض أصحابه أنه كان يكتب الفكرة تأتيه على كم قميصه، أو على ورقة يلتقطها من الطريق إن لم يجد عنده ما يدّون عليه صيده من الأفكار…
واستحضرت ما رواه الشيخ علي الطنطاوي من إزعاج زوجه، وهي امرأة فاضلة من آل الخطيب، وشقيقة العالم الأديب محب الدين الخطيب صاحب مجلة (الزهراء)، فقد روى حاله معها وهو ينصرف من فراش نومه ويشعل المصباح في أي وقت من الليل ليثبت على الورق فكرة يخاف أن ينساها إذا أصبح…
ومما قرأته من سيرة الكاتب الفرنسي الكبير (بالزاك)، أنه كان في شتاء باريس البارد يضع قطعة رخام تحت رجليه إذا شرع في الكتابة، لأنه يخاف أن يغلبه النعاس ويضيع ما جمعه في ذهنه إن لم يثبته على الورق، وقد يعيد مراجعة النص الواحد مرات عديدة قبل أن يدفع به إلى القراء…
ومع ذلك فما الحياة إلا بهذه الذاكرة التي كثيرا ما تغدر بنا، إذ نتعرف إلى وجوه من حولنا، وتقودنا في الطرقات، ولا ندخل بيتا غير بيوتنا مهما تشابهت، ولا نجلس على مكتب غير مكاتبنا، ولقد أبدع الكاتب البرتغالي خوزيه كاردوسو بيرس (José Cardoso Pires) في وصف الذاكرة، وهو يصف حالته بعد تعرضه لنوبة اغفاريه في دماغه: (إننا دون ذاكرة، يبدو حاضرنا خاويا وفي الوقت ذاته يبدو ماضيا ميتا، إذ يفقد الانسان حياته التي مضت، وحياته الداخلية أيضا، فمن البديهي أنه بدون مرجعية تربطنا بالماضي تموت العواطف والعلاقات المعنوية)، وربما كلمة الرئيس بوتفليقة في سطيف بعد تعرضه لمرض مشابه كانت أيضا معبرة: طاب جناننا، لكنه خان وعيه ومضى في طريق مغاير.
ولأجل ذلك تدفع الأمم بشبابها في سبيل تحمل المسؤولية، فالذاكرة تشيخ مع التقدم في العمر، ومعها تشيخ الحياة الداخلية للإنسان فيتباطأ ابداعه واقدامه، ومن المفارقات أن تجد المجتمعات الغربية وأغلب تركيبتها من المتقدمين في السن تدفع بشبابها إلى القيادة، وتجد في مجتمعاتنا شيوخًا لا يتشبثون بمقاعدهم حتى في مسؤوليات تنفيذية بسيطة، كرئيس قسم في الجامعة أو رئيس مصلحة في المستشفى أو الإدارة، ويجبر جميع من حوله أن يسير سيرته المتثاقلة والمتعثرة…
إن الطب الحديث يحدثنا عن سيرورة أشار إليها القرآن الكريم، وهي سيرورة (التنكس): «وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ» (يس/68)، وواضح أن الآية تشير إلى الجانب غير المرئي من الإنسان، تشير إلى تلك القدرات المعرفية التي تتراجع مع مرور الزمن، وأهمها الذاكرة إذ تتسارع وتيرة شيخوخة الخلايا العصبية، وتفقد مرونتها ويصبح الشيخ يلعن (داء النسيان) صباح مساء، ويركن لذكرياته الجميلة، وهو ما يزعج الشباب في كل جيل، فالشيوخ يعتقدون أن وقتهم هو (الزمن الجميل) وأنهم (كانوا) الأعلم والأقدر والأذكى والأزكى، أما جيل اليوم فلا خير فيه، ولا أمل يرجى منه…
فيا أيها الشباب، اعذروا الشيوخ فإنما هم يبكون زمانهم الذي ولى، وطيب عيشهم الذي أدبر، ولا يبكون وقتهم بمعيار السنين والأيام، إنما بمعيار ما كان معهم من قوة وتمكن، ومن يعش منكم إلى مثل سنهم، ويؤول إلى مثل مآلهم سيبكي أيامه الخوالي كما يبكون، وتلك إحدى مطبات الذاكرة…
لكن ذلك الحنين إلى ماض لا يعود، يجب أن لا يجعل الشيوخ يغفلون أن الأمة تحتاج إلى قوة سواعد أبنائها العضلية والفكرية في تدبير أمور حاضرها ومواجهة مستقبلها، ومن الرشد أن لا يعق الآباء أبناءهم بحرمانهم من تقديم خير ما عندهم لأمتهم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سنة شعارها لا مِسَاس…

يكتبه د. محمّد قماري/ روت لي طبيبة قصة جديرة بالتأمل، والطبيبة مختصة في الأمراض الجلدية، …