الرئيسية | مساهمات | نحــــو وثبـــــة حضــــاريـــة متكـــاملـــة :/ «دور النخبــــة فـــي مواجهــــة التحديــات» ملأ بني إسرائيل أنموذجاً

نحــــو وثبـــــة حضــــاريـــة متكـــاملـــة :/ «دور النخبــــة فـــي مواجهــــة التحديــات» ملأ بني إسرائيل أنموذجاً

د. جمال دفي /

لا تنهض الأمم إلا بنخبة واعية جادة تصنع الفكر وتنير الرأي، تضع السياسات وترسم الخطط من أجل وثبة حضارية وانطلاقة اقتصادية وانفتاح سياسي. وقد تكون هذه النخبة يمكن أن تكون فردا أو جماعة أو مؤسسة، أو كلٌ متكامل من جميع هؤلاء.
وقصة ملأ بني إسرائيل في البقرة تبين أن طريق النصر ترسمه النخبة. يقول تعالى {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} فالملأ هم علية القوم ونخبتهم، ووجب أن يكون لكل أمة نخبتها، يتحسسون مواطن القوة فيثمنوها ومواطن الضعف فَيُقَـوُّوها، وإذا استشعروا خطرًا يهدد الأمة استنهضوها من أجل دفع الضَّيمِ وتجنب الخطر.
{اذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} حين استشعروا الذل والهوان صاروا يبحثون عن البدائل، فبدا لهم أن استعمال القوة المادية هو الحل، إلا أنهم بينوا أن هذه الثورة وجب أن يكون لها قائد ينظم قواعدها ويرص صفوفها ويُرشِّدُ صحوتها، والقوة المادية إن لم تصحبها قوة معنوية فستكون بمثابة عاصفة تأتي على الأخضر واليابس.
إلا أن التحدي الذي يِؤرق النخبة هو عدم استجابة العامة، وهذا ما أكده نبيهم {قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} فالنظرية ليست كالتطبيق. ورغم ذلك ألَحُّوا على نبيهم مُبَرِرين ذلك بقولهم {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} فأراد أن يخلعوا عن أنفسهم لباس الذُّل وجِلباب العبودية، مما جعلهم يَصِلُون إلى وعي يتصدون به المخاطر المحدقة بالأمة وتهدد مصيرها المستقبلي.
وعلى النُّخب الواعية قبل خوضها معارك الوعي والتغيير، تمحيص الأتباع، حتى لا تؤتى من مأمنها{فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم} نعم تولوا إلا ثلة قليلة ظلت ثابتة، وهي سنة ماضية أن الدعوات الصادقة لا ينصرها إلا من آمن بها وضحى من أجلها.
ولذلك وجب على النُّخبة ألا تبني قراراتها على ردة فعل العامة، وإنَّما وفق منهجية واضحة وإستراتيجية مدرُوسَة.
{وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} فلابُدَّ للنخبة أو العامة من قائد يوحد جهودها ويجمع شتاتها.
إلا أن طَرفًا من العامة أو النخبة تتحكم فيهم الأمزجة والأهواء مما يجعلهم يرفضون الفكرة الصائبة أو الرَّجُل القائد – طالوت الذي اختاره الله لهم – بحجة مادية محضة .. المال، الذي يعتبر من أكبر العوائق في طريق صناعة الوعي، لأنه أقوى وسيلة يستغلها أصحاب المصالح لشراء الذمم واستمالة القلوب، وهذا يحتم على النخب أن تبحث لها عن موارد مادية تعزز مشروع الانبعاث الحضاري الذي يقودونه. والفكرة لابد لها من قوة تحميها.
والنُّخَب لا تخلوا من أصحاب النزعات النَّفسية الذين يشتتون الصف ببث الريبة، ويشككون في القيادة بزرع الشك {لو خرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} وهذا أخطر ما يهدد مشروع صناعة الوعي.
{.. إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء..} يجب دون تردد معالجة أصحاب النفوس المريضة، وتصحيح نظرتهم للأمور، فمسألة الاصطفاء تكون وفق معايير ليس فيها المحاباة وهي منة من الله.
وعلى القيادة أن تعزز الثقة مع الأتباع بأن تبين لهم أسباب اتخاذ القرار، حتى يشعروا أنهم شركاء في صناعة القرار.
إلا أنَّ هذا لا يُغني عن إجراء عملية الغَرْبَلة والفرز لاختيار النخبة التي ستحقق التغيير المنشود.
{..إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه…فشربوا منه إلا قليلا} بعد انسحاب المترددين في الامتحان الأول وسقوط المشككين في الامتحان الثاني هاهم ضعيفي الإرادة يرسبون في الامتحان الثالث. فعلى القيادة ألا تكتفي بعملية غربلة واحدة، لأنه أثناء المواجهات الحاسمة لن يثبت إلا أصحاب الثقة واليقين.
{ولما برزوا لجالوت …} وينسحب الخائفون الفاقدون للثقة بأنفسهم وحسن الظن بربهم.
{قال الذين يظنون أنهم ملاقوا …} فلا ينتصر في المعارك الفاصلة إلا من آمن بالفكرة وضحى من أجلها، وأيقن بتأييد الله لها.
إن بث الوعي وحسن اختيار القائد وتمحيص الصف يعتبر من أهم العوامل التي تسمح ببروز طاقات مبدعة، ويعتبر داود عليه السلام نموذجا للقائد الشاب الذي له مؤهلات قيادية ووجد بيئة سمحت له بالتفوق والبروز ومن ثم ظهور مؤسسة سليمان عليه السلام.
والآيات تشير إلى أن البيئة المأزومة المنغلقة التي يحكمها الاستبداد ويغيب فيها الوعي ويُغَيَّبُ صناع الرأي لا تسمح بظهور الابداع وبروز الطاقات. وكلما كانت البيئة منفتحة تسمح بإبداء الرأي وأخذ زمام المبادرة كلما زاد الإبداع وزادت إمكانية ظهور قادة جدد يحملون المشعل ويقودون الوثبة الحضارية.
وجزائرنا بحاجة إلى نخبة تنير الفكر وتصنع الوعي، ترسم البسمة على الوجوه الكالحة، وتعيد الأمل للنفوس البائسة، وتعزز الثقة في قلوب الناشئة، تستثمر قوة الشباب وحنكة الشيوخ.
نخبة وإن لم تجتمع في هيئة أو كيان، إلا أن أفرادها فكرتهم واحدة وهمهم واحد، يؤمنون بأن الجزائر حررها جميع أبنائها المخلصين، ويبنيها جميع أبنائها المخلصين.
أيتها النخبة التي تسري في عروقها دماء شهداء الثورة المباركة، ثورة المليون ونصف المليون شهيد، استفيقي من سباتك واخرجي من رمسك، وانشري وعيا يمتد شعاعه عبر ربوع الجزائر والعالم. شُعَاع ينطلق من البيوت والحارات العتيقة تَزُفُّه المآذن وترسم قواعده قاعات المدارس ومدرجات الجامعة، وتحمي أنواره كافة مؤسسات المجتمع، وليكن شعاركم: وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مؤلفون وكُتاب قرأت لهم واستفدت منهم الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله (1873 – 1958 )

أ.د/ مسعود فلوسي/ عالم فذ وأديب كبير وشاعر مُجيد وصحافي لامع ورحالة جوال، جزائري الأصل …