الرئيسية | شعاع | أليس فينـا «بلومبي» أو «ماصّو» رشيد ….؟ في بيان إخفـاقنا في مجال الأخلاق الاجتماعية

أليس فينـا «بلومبي» أو «ماصّو» رشيد ….؟ في بيان إخفـاقنا في مجال الأخلاق الاجتماعية

يكتبه: حسن خليفة /

أسارع إلى القول الذي هو أقرب إلى الاعتراف إن الهدف من هذه السطور هو التنبيه إلى «مصيبة» كبيرة في حياتنا الاجتماعية الإنسانية، ما فتئت تتسع وتتعمّق، ولعلها تدل على خلل ذي صلة بنظامنا الحياتي/الأخلاقي، وما صارت إليه من هوان وضنك وعذاب وخفوت كبير للأخلاق والقيّم الإنسانية والدينية النبيلة.
وأنا أقصد هنا ما يتعلّق بـ»صعوبة» إيجاد صاحب صنعة، من أصحاب الصنائع والحرف من أمثال: الميكانيكي، الكهربائي، الصّبّاغ، الرصّاص (بلومبي).. وسواهم من أصحاب الحرف الذين صار إيجاد إنسان أمين فيهم مشكلة حقيقية في حياة الناس، لصعوبة الوصول إلى واحد من هؤلاء ممّن لهم كلمة وصدق وإتقان ونُصح، ولهم ذلك القدر المطلوب من الأمانة والانضباط واحترام المواعيد، دون الحديث عن الأسعار؛ حيث تفوق أسعارهم أسعار الطبيب الصقلي!
بالطبع لابد أن تكون هناك استثناءات ولكنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ويرسّخها ومفادها: لقد أصبح الظفر بصاحب صنعة صادق متقِن أقرب إلى المعجزة. يعرف هذا كل من احتاج يوما إلى واحد من هؤلاء في شأن من شؤونه، في البناء أو الترميم، أو إصلاح أعطاب، أو إكمال نواقص، أو تجديد ما يحتاج إلى تجديد.
شيء أشبه بالظاهرة، تجد الحديث فيها عند أكثرية الناس الذين يتفقون على أن أصحاب الصنعة لا تكاد تجد منهم خمسة بالمائة أو أقل ممن يمكن الوثوق بهم، أو يمكن «التعويل» عليهم.. وهو ما يعني أن الأغلبية من أولئك الصُّنّاع على غير خُلق قويم، وعلى غير سلوك نبيل، وعلى غير إتقان لعملهم.
وأول ما تجده من هؤلاء حسب خبرة المحتكين بهم والمتعاملين معهم الكذب والمراوغة وقلة الصدق في العمل، والسرعة في الإنجاز (التي تعني عدم الإتقان).
إن معظم هؤلاء «الصُّنّاع» لا كلمة لهم، ولا احترام لموعد لديهم، كما أنهم لا يكملون عملا بدأوه، فما يحتاج إلى أسبوع قد يبقى شهرا أو شهرين. وما يحتاج إلى شهر سيحتاج إلى شهور، وفي ذلك ما فيه من العنَت والعذاب والألم والحسرة وفورة الأعصاب، وتضييع الأوقات لدى أصحاب الأشغال والأعمال؛ حيث يريد كل واحد، وهذا حقّه، إتمام أعماله وإغلاق الأشغال للاهتمام بأمور أخرى.
لقد دفعني الكلام الواسع عن هذه الظاهرة التي تشي بانهيار كبير في القيّم وهبوط رهيب في الانسجام الاجتماعي المطلوب.. إلى مساءلة بعض الأصدقاء ممن أتيح لهم أن يعيشوا لفترات في دول هنا وهناك، ومنها دول أوروبا، فوجدتُ الجواب عندهم: إن أيسر شيء هو أن تبحث عن صاحب حرفة لتصلح شيئا أو تعدّل أو تفعل أي أمر تريده، تكفي مكالمة هاتفية ليأتيك المعنيّ بكامل مستلزماته وأدواته وبعد حديث قصير وتفاهم.. يتم ّ الاتفاق وتجد الأمر قد تمّ، بعد الوقت المتفق عليه، على أفضل وجه.
إن جؤار الناس بالشكوى من أصحاب الحرف والمهن والصنائع واجتماع كلمتهم على سوء أداء هؤلاء في الغالبية الكبيرة منهم، دليل على اختلالات خطيرة، وعلى أن ثمة «أخطاء» في نظام الحياة كله ونمط التسيير والتدبير لدينا؛ فلا يمكن أن تنعدم الكلمة ويسوء الأداء على هذا النحو الواسع العريض، ويمس الأكثرية من أصحاب الصنائع ويكون ذلك أمرا عاديا.
لا، ليس ذلك بوضع طبيعي أبدا، وإنما هو فجوة في النظام الاجتماعي يدل على أن النسيج الاجتماعي مضروب في الصميم.
إن الميكانيكي (ميكانيكي السيارات مثلا) الذي لا ينصح، ولا يؤدي عمله على الوجه الأكمل، وعلى النحو الذي يقتضيه عمله من إصلاح العطب بما ينهي المشكلة تماما، فتكون نتيجة ذلك أن أصحاب السيارات أو أكثريتهم يشتكون أنهم يدفعون أسعارا باهظة لإصلاح أعطاب في مرْكباتهم، ولكنهم بعد أيام قليلة تعود الأمور إلى سابق عهدها، وكأنها لم تصلّح أصلا، ومثل هذا ينطبق على العامل في الترصيص (البلومبي) وعلى الكهربائي، وغيره…
فعلامَ يدلّ ذلك؟ وهل نعلم مدى تأثيره في تصريف الأمور وسير الحياة سيرا طبيعيا متساوقا هادئا طيبا؟ إن تلك السلوكات السيئة تُسلم إلى الشجارات والنزاعات والقطائع بين أبناء المجتمع، فتكوّن النفور وتبادل الكراهية وسريان «ميكروب» النزاع الملغّم بين فئات المجتمع الذي يتفاقم بوتيرة متزايدة.
وهل نعلم كم في ذلك من الخسائر، خاصة فيما يتعلّق بـ»الثقة» التي هي عملة نادرة في العلاقات بين الناس؟ وهل نعلم أن المسؤولية كبيرة في وصولنا إلى مثل هذا الانحطاط في المعاملات؟
نعم، المسؤولية كبيرة ومشتركة.. تأتي الدولة بنظمها وقوانينها وسلوكها وعملها الذي يجعل دورها أقرب إلى «الناظم» لحياة الناس والمشرف العام عليها، تنظيما وتوجيها وتأديبا وإرشادا وتقويما وإنزالا للعقوبات ضد من تجاوز حدوده ويُضرّ بشبكة العلاقات الاجتماعية، ثم تأتي مسؤولية أطراف أخرى مجتمعة ومتفرّقة من الأسرة، إلى المسجد، إلى العدالة، إلى الجامعة، إلى المسؤولين على تنظيم وتدبير شؤون الناس. لستُ أشك في أن لدى الكثيرين ما يقولونه في هذه المسألة، وأن لدى أكثريتهم قصصا محزنة عن التلاعب والخداع والكذب والتضليل والسلوكات المشينة ما وجدوه أثناء تعاملاتهم مع تلك الفئة من المجتمع، فئة الصّنّاع والحرفيين.
«لقد أصبح الظفر بصاحب صنعة صادق متقِن أقرب إلى المعجزة. يعرف هذا كل من احتاج يوما إلى واحد من هؤلاء في شأن من شؤونه، في البناء أو الترميم، أو إصلاح أعطاب، أو إكمال نواقص، أو تجديد ما يحتاج إلى تجديد».
طبعا لم نتحدث هنا عن الكفاءة التي تكاد تكون منعدمة أعني الكفاءة المهنية؛ حيث يستوجب أن يكون الصانع ذا كفاءة مهنية حقيقية وهو ما يسمح له بأداء عمله على نحو متقن وتام ومفيد ، ولا نتحدث عن إغلاق الهواتف والتهرّب من الالتزامات بادعاءات كاذبة مريبة.
ليست المسألة بسيطة في تقديري على الأقل، وإنما هي «إخفاق» يجب تسجيله. ومعناه أننا كمجتمع لم نـجد طريقنا بعدُ إلى الرشادة والرشد والحكامة وحُسن الخُلُق، والانسجام والانتظام والفعالية وسيادة القوانين، فمتى يتحقق ذلك؟ وكيف؟
نأمل أن يكون ذلك ضمن برامج النهوض بهذا المجتمع المسكين الذي يتلمّس طريقه منذ أمد دون أن يجد المخرج من النفق المظلم الطويل .

عن المحرر

شاهد أيضاً

مع الشيخ الغزالــــي (رحمة الله عليه)

يكتبه: حسن خليفة / كان الشيخ محمد الغزالي (يرحمه الله) من القـلة الميمونة من العلماء …