الرئيسية | وراء الأحداث | فرنسا في مسار السقوط الأخلاقي والنفاق السياسي

فرنسا في مسار السقوط الأخلاقي والنفاق السياسي

أ. عبد الحميد عبدوس/

تظاهر إيمانويل ماكرون خلال حملته الانتخابية للرئاسيات الفرنسية في سنة 2017 بأنه يضع اليمين الفرنسي المتطرف وحزب الجبهة الوطنية الذي تقوده مارين لوبان في طليعة خصومه السياسيين ، ولكن يبدو أنه بعد حوالي ثلاث سنوات من اعتلائه كرسي الرئاسة أصبح يعتبر الإسلام والمسلمين عدوه الأول.

في مطلع شهر نوفمبر الجاري تفاخر وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، أنه تم إغلاق 43 مسجدا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة من حكم الرئيس إيمانويل ماكرون، مبينا أن الأخير أغلق مساجد أكثر من جميع أسلافه، كما أنه بعد مقتل المدرس الفرنسي في أكتوبر الماضي أعلن وزير الداخلية عزمه حل «التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا» (CCIF)، واصفا إياه بأنه «عدو للجمهورية» و»غرفة خلفية للإرهاب».
بعد موجة الغضب التي أثارتها في العالم الإسلامي تصريحات رئيس فرنسا المصرة على تأييد رسوم مجلة (شارلي هيبدو) المسيئة لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم، و عدم رغبته في التراجع عن تأييدها ، وهي التصريحات التي أطلقت حملات مقاطعة للمنتجات الفرنسية في العديد من الدول الإسلامية حتى أجبرت الرئيس الفرنسي على القيام بمحاولة تبديد غضب المسلمين، بإجراء حوار تبريري مع قناة (الجزيرة ) القطرية، وتكليف وزير خارجيته جان إيف لودريان القيام بجولة علاقات عامة في بعض الدول الإسلامية لمحاولة تجاوز الأزمة بتبليغ ما اعتبر « رسالة سلام واحترام من فرنسا إلى العالم الإسلامي».
و لكن بمجرد أن بدأت موجة الغضب تخف في الدول المسلمة ، وحملات مقاطعة المنتجات الفرنسية تتراجع تدريجيا ، عاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سقطته الأخلاقية وسلوكه الاستفزازي، معلنا مجدداً تمسكه بموقفه من الرسوم المسيئة للنبي محمد – صلى الله عليه وسلم -، رغم اعترافه بأنها سببت ضجة خارج البلاد، و أكد في حوار نشرته مجلة (لوغران كونتينا) أن: « فرنسا لن تُغير من حقها في حرية التعبير، فقط لأنه يُثير صدمة في الخارج».
قد يكون من الغريب أن يتشبث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمواقفه المسيئة للإسلام والمهينة للمسلمين ،خصوصا أن الرئيس الفرنسي معروف بمواقفه المتقلبة وشخصيته المائعة ،ففي ظرف سنتين غير الرئيس ماكرون مواقفه تجاه الإسلام والمسلمين في فرنسا بدرجة كاملة وصادمة، فقد قال في أفريل 2018 لوسائل إعلام فرنسية : «أحترم كل امرأة ترتدي الحجاب، وعلى الفرنسيين احترام ذلك، لست من مؤيدي حظر الحجاب.»، مضيفا: « الدين الإسلامي يعتبر جديدا بالنسبة لفرنسا، والكثير من مواطنينا يخافون من الإسلام وأنا أقول لهم، بأنه يجب احترام حرية المعتقد لكي نبقى موحدين.» ،أما في شهر أكتوبر الماضي ( 2020) فقد اعتبر ماكرون المسلمين مجموعة من الانعزاليين «الساعين إلى إقامة نظام مواز وإنكار الجمهورية الفرنسية»، معتبرا أن الإسلام « ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم»، كما ذكر أن الحظر الذي فرضته بلاده على الشعارات الدينية، الذي يضر بشكل ملحوظ بالنساء المسلمات، اللاتي يرتدين غطاء الرأس أو الحجاب، سيتم توسيعه ليشمل موظفي القطاع الخاص.
الرئيس الفرنسي يغلف مسعاه الخبيث والعنصري لاستهداف الدين الإسلامي والتحريض ضد المسلمين بحجة الدفاع عن حرية التعبير وحرية التجديف وحماية المبادئ الديمقراطية، ولكن هذا زعم لا يبدو أنه يقنع كبرى منظمات حقوق الإنسان العالمية، فقد كتب ماركو بيروليني، الباحث في منظمة العفو الدولية لشؤون أوربا، مقالا فضح فيه ظاهرة الكيل بمكيالين في القضاء الفرنسي في مجال حرية التعبير،وذكر أن محكمة فرنسية أدانت عام 2019 رجلين بتهمة «الازدراء» بعد أن أحرقا دمية تمثل الرئيس ماكرون خلال مظاهرة سلمية.
في حين تعتبر فرنسا شتم مقدسات الدين الإسلامي والسخرية من شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم والإساءة إلى الذات الإلهية حقا من حقوق التعبير ، شرعت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) يوم الثلاثاء الماضي ( 17نوفمبر 2020 ) في مناقشة مشروع قانون أمني جديد قدمه حزب الرئيس ماكرون «الجمهورية إلى الأمام»، من شأنه أن يجرّم الأشخاص و كل وسائل الإعلام، الذين ينشرون صوراً لرجال الأمن «بهدف إيذائهم». وتصل العقوبة إلى سنّة سجنا إضافة إلى غرامة قدرها 45 ألف.
أما التستر خلف حجة الدفاع عن حرية التعبير ـ كما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ـ في تأييد ه لما قامت به جريدة شارلي هيبدو بجرح مشاعر المسلمين داخل فرنسا وخارجها بإصرارها على نشر رسوم مسيئة لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إعادة نشرها كلما شعرت هذه الجريدة العنصرية بالحاجة إلى إحداث ضجة ولفت الانتباه لرفع المبيعات لتجاوز كسادها الإعلامي وإفلاسها التجاري. فقد أظهر تصرف جريدة شارلي هيبدو عام2008 عندما مع الصحفي والرسام «موريس سيني» حين سخر في عموده الصحفي بجريدة شارلي هيبدو أشار من رغبة «جان ساركوزي» ابن الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي في اعتناق اليهودية قبل زواجه من خطيبته اليهودية الثرية، «جيسيكا سيبون- دارتي»، ابنة صاحب سلسلة محلات للإلكترونيات الشهيرة في فرنسا، وبعدها بأيام، سارع مدير نشر الجريدة -آنذاك- على الطرد التعسفي للصحفي موريس سيني عقبا له على رأيه الصحفي، وأعلن فيليب فال عن: «نهاية التعامل مع موريس سيني؛ بذريعة أن ما كتبه يمكن تأويله بأنه ربط بين اعتناق اليهودية والنجاح الاجتماعي، وهو ما يُعتبر غير مقبول، ولا يمكن أن يدافع عنه أمام أية محكمة». وهكذا اتضح بما لا يدع مجالا للشك أنه عندما تتم الإساءة لليهود واليهودية في وسائل الإعلام الفرنسية تصبح حرية التعبير مجرد نكتة وقد تصل الى جريمة يعاقب عليها القضاء الفرنسي وتدفع بمقترفها إلى هاوية البطالة المهنية والنبذ الاجتماعي.
في سنة 2019 صدر كتاب تحت عنوان (ضدّ مَاكرون) لـمؤلفه «جيون برويْكون» وصف ماكرون بأنه رّجل طّارئ على السياسة، يلتهمه طموح دون محتوى ومؤهلات حقيقية لتحقيقه وأنه دعِيّ يتقدم إلى الناس في هيئة فيلسوف دون أن يكون قد كتب شيئا في حياته يستحق القراءة أو الذكر والنشر. وهذا هو ما يفسر ـ حسب المؤلف ـ وضع ماكرون غير الثابت والمتقلب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

عــــــــــــام الجــائــحــــــــــة

أ. عبد الحميد عبدوس/ يمكن القول أن سنة 2020 التي تلفظ أنفاسها كانت سنة جائحة …