الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | التعاون على قضاء حوائج الناس

التعاون على قضاء حوائج الناس

د. يوسف جمعة سلامة*/


يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
إِنّ ديننا الإسلامي يُرشدنا إلى أهمية التعاون، فالتعاون أساس كلّ خير وسعادة، وعماد كلّ تقدم ورقيّ، فما نالت أمة من الأمم نصيبها من رَغَد العيش وعزّ الدنيا، ولا فاز شعبٌ بحظّه من التقدم والرقيّ، إلا بائتلاف القلوب وجمع الكلمة والتعاون على الخير والبرّ، فالتعاون بين الناس أمرٌ تفرضه طبيعة حياتهم، لأنَّ التعاون معناه تبادل العون والمساعدة بين الناس، فهو يُؤدي إلى تقوية رابطة الإخاء فيما بينهم، لأنّ ديننا الإسلامي يحثّ على التعاون في جميع المجالات منذ أشرقت شمس الإسلام، فإذا ما تعاونوا على الخير والبرّ والتقوى عاشوا آمنين مطمئنين.
ديننا الإسلامــي يحــث على التعـــاون
لقد حثَّ القرآن الكريم على التعاون في آيات كثيرة، منها:
* قوله – سبحانه وتعالى-: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
* وقوله – سبحانه وتعالى-: {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
* وقوله -سبحانه وتعالى- أيضاً: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.
كما حثّت السّنّة النبوية الشريفة على التعاون أيضاً في عدد من الأحاديث الشريفة، منها:
* قوله –صلّى الله عليه وسلّم-: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا).
* وقوله – صلّى الله عليه وسلّم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى).
قال النَّوويُّ: (هذه الأحاديث صريحةٌ في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثِّهم على التَّراحم والملاطفة والتَّعاضد في غير إثمٍ ولا مكروهٍ).
* وقوله – صلّى الله عليه وسلّم – أيضاً: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ).
قال ابن حجر: (في الحديث حضٌّ على التَّعاون وحسن التَّعاشر والألفة).
إنَّ التعاون على البرّ والتقوى لا على الإثم والعدوان، هو الركن الركين لتوفر الحياة الآمنة المطمئنة للناس، وذلك في كلّ مجالات الحياة، فالناس بخير ما تعاونوا.
فضــل تفريـج كــرب المكــروبين
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله– صلّى الله عليه وسلّم – قال: (المُسْلمُ أَخُــو المُسْلم، لا يَظلِمُه ولا يُسْلِمُهُ ، ومَنْ كَانَ فِي حَاجةِ أَخِيهِ،كانَ اللَّهُ فِي حاجتِهِ، ومنْ فَرَّجَ عنْ مُسلمٍ كُرْبةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنه كُرْبةً من كُرُبَاتِ يَوْمِ القيامةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ الْقِيامَةِ).
في هذا الحديث الشريف تجتمع عدة أنواع من القواعد والآداب التي يقوم عليها التكافل بين المسلمين، ففيه فضل قضاء حوائج المسلمين ورعايتهم بما تيسَّر من المال والعون والمساعدة، وفيه حرمة ظلم المسلم لأخيه المسلم، ووجوب عدم تركه مع مَنْ يؤذيه، بل وجبت عليه نصرته والدّفاع عنه والوقوف إلى جانبه في مصيبةٍ أو كُربةٍ نزلت به، ووجوب ستره من قبيح فعلٍ فلا يفضحه بل يُسْدِي إليه النصح سِرّاً.
نماذج عملية من حياة رسولنا صلى الله عليه وسلم
من المعلوم أَنَّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- كان يسعى لقضاء حوائج المسلمين، والوقوف معهم ومساعدتهم في جميع أحوالهم، حيث كان- عليه الصلاة والسلام- مجبولاً على ذلك، وقد أَكَّدت ذلك أمّ المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- عندما كانت تُخفِّف مِن رَوْعِ النَّبيِّ – صلّى الله عليه وسلّم- عند عودته مِن غار حراء بعد نزول الوحي عليه، وكان فَزعًا، حيث ذَكَّرَتْهُ بِما جعل الله فيه من مكارم الأخلاق وكرم الشمائل، ومن ضمنها صفة التعاون على الخير.
* فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه في كتاب بدء الوحي =: ( … فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ
وَأَخْبَرَهَا الْخَبَر: «َلَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ…).
* كما ضرب سيدنا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – أروع الأمثال في تعاونه مع أصحابه، وفي تعاونهم معه، عند الهجرة، وعند بناء المسجد النبوي بالمدينة، وعند حفر الخندق، وفي غير ذلك من الأحداث التي يطول الحديث عنها، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه في كتاب المغازي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ قَالَ: ( لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى عَنِّي التُرَاب جِلْدَةَ بَطْنِهِ -وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ- فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ وَهُوَ يَنْقُلُ مِنْ التُّرَابِ، يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلا تَصَدَّقْنَــــــا وَلا صَلَّيْنَـــــا فَأَنْزِلَــنْ سَكِينَــــةً عَلَيْنَـــــــــا
وَثَبِّتِ الأَقْــــدَامَ إِنْ لاقَيْنَــــا إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَـــــوْا عَلَيْنَــا
وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَــــــةً أَبَيْنَـــــــا
قَالَ ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا).
فما أحوجنا نحن المسلمين اليوم إلى التَّأَسّي برسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – في العمل بروح الفريق الواحد، بدلاً من الفردية والأنانية،لأنّ التعاون على الخير هو سبيل هذه الأمة منذ أشرقت شمس الإسلام، فمشاركته – صلّى الله عليه وسلّم – بحفر الخندق شجَّعت صحابته الكرام –رضي الله عنهم أجمعين- على العمل، ودَبَّتْ فيهم النشاط، وبَثَّتْ فيهم روح التعاون، فالمسلم للمسلم كالبنيان يشدّ بعضه بعضا، وإِنّ سِرّ قوتنا في وحدتنا وتعاوننا ، وإِنّ ضعفنا في فرقتنا وتخاذلنا.
وعليَّ جمع الحطب
(كَانَ النَبيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي سَفَرٍ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِإِصْلاحِ شَاةٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: عَلَيَّ ذَبْحُهَا، وَقَالَ آخَرُ: عَلَيَّ سَلْخُهَا، وَقَالَ آخَر: عَلَيَّ طَبْخُهَا، فَقَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَيَّ جَمْعُ الْحَطَبِ» فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: نَكْفِيكَ الْعَمَلَ، فَقَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تَكْفُونِي، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أَتَمَيَّزَ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ – سبحانه وتعالى – يَكْرَهُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرَاهُ مُتَمَيِّزًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ).
هكذا يُعَمِّق رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – معنى التعاون بين أصحابه، وَيُرَبّي فيهم روح الجماعة وروح الفريق، ويضعها موضع التطبيق العملي، وهذا تعليم وتربية للأمة الإسلامية على ضرورة التعاون والتآلف فيما بينهم.
فَحَرِيّ بأبناء أمتنا العربية والإسلامية أن يتعاونوا على مساعدة الفقراء والمعوزين، وإدخال السرور على القلوب الحزينة بما أفاء الله عليهم من النّعم، ومساعدة المرضى خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة وتوفير العلاج لهم، وكذلك مساعدة الطلاب الفقراء خصوصاً في رسومهم الجامعية والمدرسية، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، والله لا يُضيع أجرَ من أحسن عملاً: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}.
وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

في ظلال ذكرى المولد النبوي

د. يوسف جمعة سلامة*/ تمرُّ الأيام وتمضي السّنون والأعوام، ويقدم علينا شهر ذكرى مولد رسولنا …