الرئيسية | في رحاب الشريعة | السياسة النبوية في الدعوة الإسلامية والغزوات الجهادية

السياسة النبوية في الدعوة الإسلامية والغزوات الجهادية

الشيخ محمد مكركب أبران/

إن مفهوم السياسة النبوية تخص طريقة وآليات الدعوة إلى الله تعالى، ومنهجية تبليغ القرآن إلى الناس، وتفقيههم في الدين، ثم النظام والإعداد للغزوات والسرايا التي قام بها النبي عليه الصلاة والسلام. وقد يتبادر إلى ذهن القارئين، وهم يقفون عند عنوانه:{السياسة النبوية} وربما يقول أحدُهم: وهل النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم بالأعمال السياسية؟ إذ العامة يظنون أن السياسة ليست من الدين، وأن الأنبياء والعلماء مَهَمَّتُهم الدين، ولا شأن لهم بالسياسة وهذا فهم خاطئ، فإنهم لا يعلمون أن مفهوم الدين الإسلامي هو النظام الشامل للحياة البشرية، فالشريعة من الدين، والسياسة في الإسلام تحكمها الشريعة، شريعة القرآن والسنة، والأنبياء في وقتهم هم الساسة الذين يبنون المجتمع، ويقيمون الدولة، ويُسيرون أمور الأمة، في حياتها التعبدية والاقتصادية والدفاعية. ولذلك جاء في الحديث:[كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي](البخاري: 3455) ومعنى كلمة:(تسوسهم) أي: تتولى أمورهم السياسة، ومعناه: القيام على كل عمليات الإصلاح والبناء، لكل شؤون المجتمع. يقال ساس القوم: تولى قيادتهم وعني بأمورهم، وساس الأمر قام به. وساس الشيء قام عليه بما يصلحه.
وما أروع قول الشاعر:
[تُبنى الأمورُ بأهلِ الدِّينِ مَاصَلُحُوا
وإِنْ توَلَّوْا فَبِالأَشْرَار تنْقَادُ
لا يَصْلُحُ الناسُ فوضى لاسُرَاةَ لَهُمْ
ولاسَرَاةَ إذَا جُهَّالهم سَادُوا
وَالبَيْتُ لايُبْتَنَى إلا لَهُ عَمَدٌ
ولا عِمَاد إذا لم تُرْس أوتاد].
ومن سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والجهاد وبناء الدولة:
أولا: أن يعمل بما شرع الله في الشريعة ولا يجتهد فأحكامها، بل ينفذ ويبلغ ما أمر الله تعالى به كما أنزله الله عز وجل، عملا بقول الله سبحانه ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الجاثية:18) وفي الجامع لأحكام القرطبي:{فالشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين، والجمع الشرائع. والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها الله لخلقه. فمعنى ﴿جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق. وقال ابن عباس:﴿عَلى شَرِيعَةٍ﴾ أي على هدى من الأمر. وقال قتادة:{الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض} (القرطبي:16/163) وسياسة النبي صلى الله عليه وسلم، في أمر الدنيا، كان يجتهد، ويستشير المتخصصين من الصحابة، وكان يقبل الإشارة ممن يشير عليه في الدفاع والجهاد والاقتصاد، عملا بقول الله تعالى:﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. فعلى كل رئيس أن لا يتخذ قرارا يخص مصير الأمة حتى يستشير العلماء المتخصصين المجتهدين.
ثانيا: كان يُعيِّن في المناصب الحساسة في الدولة المتخصصين، من الأمناء الصادقين. ثالثا: كان عليه الصلاة والسلام يحاسب عماله وأمراءه ووزراءه حسابا صريحا وصحيحا ودقيقا، بغير محاباة ولا تسويف ولا إهمال، يحاسبهم على الدرهم والدينار. ففي شأن مال الأمة خطب مرة في الصحابة فقال:عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي، قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم وهذا هدية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا» ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: « أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ « ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ] (البخاري. كتاب الحيل. رقم:6979) وهكذا يجب أن يحاسب الرئيسُ والملك والخليفة الوزراءَ والولاة، لأنه يُحَاسَبُ عن كل دينار من أموال الأمة. وهكذا يجب أن يحاسبَ الوزيرُ كلَّ من هم تحت مسؤوليته، لأنه يحاسب على كل دينار في مجال اختصاصه أي في مجال إشراف وزارته، وكذا الوالي، والمحافظ، ورئيس البلدية، ورئيس المصلحة، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
لقد قام النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقوم ببناء الدولة في المدينة المنورة، قام بسبع وعشرين غزوة جهادا في سبيل الله عز وجل، ما هي الغزوات التي غزاها النبي عليه الصلاة والسلام، دفاعا عن الإسلام والمسلمين، ومن أجل تبليغ للوحي للعالمين؟.
1 ـ وَدَّانَ، وتسمى الْأَبْوَاء. 2 ـ بُوَاط. 3 ـ بدر الأولى، وتسمى غزوة صفوان.4 ـ العشيرة، عند بطن ينبع. 5 ـ بدر الكبرى، وتسمى بدر الثانية، وهي غزوة يوم الفرقان. 6 ـ غزوة بني سُلَيْم، وهي غزوة الكُدْر. 7 ـ غزوة بني قينقاع. 8 ـ غزوة بُحْرَانَ، وتسمى غزوة الْفُرُعِ. 9 ـ السَّوِيق. (والسويق طحين القمح والحنطة والشعير الناعم.) 10 ـ غطفان، وتسمى غزوة ذي أَمَر. 11 ـ أحد. 12 ـ حمراء الأسد. 13 ـ غزوة بني النظير. 14 ـ ذات الرقاع. 15 ـ بدر الثالثة، وتسمى بدر الأخيرة، وتسمى بدر الموعد. 16 ـ دومة الجندل. 17 ـ الخندق، وتسمى الأحزاب. 18 ـ غزوة بني قريظة. 19 ـ غزوة بني لحيان. 20 ـ غزوة بني المصطلق. 21 ـ غزوة ذي قرد. 22 ـ غزوة خيبر. 23 ـ وادي القرى. 24 ـ الفتح. 25 ـ حنين. 26 ـ الطائف. 27 ـ تبوك. وقاتل في تسع منها: في بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وجَهَّزَ وبعث كثيرا من السرايا. منها: سرية عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين إلى ثنية المرة بالحجاز. وسرية حمزة إلى سيف البحر في ثلاثين من المهاجرين. وسرية سعد بن أبي وقاص. وسرية عبد الله بن جحش، وهي التي نزل بشأنها قول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ﴾ (سورة البقرة: 217) واستمر النبي عليه الصلاة والسلام في إرسال السرايا، والكتائب، حتى بلغ عدد السرايا أكثر من أربعين سرية. منها أيضا سرية مؤتة المشهورة. قد يتساءل بعضهم ممن يقرأون السيرة النبوية: كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم، بقي عشر سنين في المدينة وقام بكل هذه الغزوات، وتجهيز هذه السرايا، بالإضافة إلى أعمال أخرى خاصة بحياته صلى الله عليه وسلم، وببناء المجتمع، والتربية والتفقيه، واعتمر أربع عمر، وحج حجة؟ أولا: أن الرسل ترسل للقيام بمهام خاصة ومحددة، كمعركة متواصلة، محددة الأهداف، والزمان والمكان، فيقوم كل رسول عليهم الصلاة والسلام بمهمة الدعوة والتبليغ والجهاد طول حياته، إلى أن يُكْمِل مَهَمَّتَه فيتوفاه الله تعالى.
ثانيا: أن الزمن في عهد الرسل يبارك الله تعالى فيه، فالشهر عندهم كالشهور، والسنة عندهم كالسنين.
ثالثا: أن كل الأعمال التي قام بها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، هي بمثابة تطبيقات تدريبية ليبين الرسول عليه الصلاة والسلام للصحابة ومن ورائهم كل الأمة كيف يصلحون ويبنون الدولة، وكيف يمكن للمسلمين أن يُوَفَّقُوا بين العمل السياسي الاجتماعي العادي لبناء الدولة، وفي نفس الوقت يواصلون الجهاد طول حياتهم ولا يتوقفون عنه، وهذا هو المطلوب الذي تخلى عنه المسلمون أي أن يواصلوا الجهاد إلى أن يسلم الناس جميعا، ويخضعوا لِمَا أمر الله تعالى به، أو أن يستمروا في الجهاد، فلما توقفوا عن الجهاد في العصر الحديث، وتخلوا عن هذه الفريضة المقدسة، عاقبهم الله عز وجل، بما هم فيه من الضعف والْمَهَانة والتخلف.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفةالقضية والمنهج 1

أ: نورالدين غزغوز /   الحمد لله رب العالمين، حمدا يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، …