الرئيسية | مساهمات | نـقـــل أحــــداث الثـــورة التحـــرريـــــــة/ تأمــــلات فــي شعــر الثـــورة الجــزائــريــة

نـقـــل أحــــداث الثـــورة التحـــرريـــــــة/ تأمــــلات فــي شعــر الثـــورة الجــزائــريــة

د- وليد بوعديلة /


لقد عبر المبدعون الجزائريون عن قداسة ثورة التحرير المجيدة، وجسدوا تأملاتهم ومواقفهم منها، وحضر المشهد التعبيري في كل الفنون/ من المسح للرسم، ومن الموسيقى للسرد….وكان للشعر نصيبه من وجه أبطال نوفمبر وشهدائه. كيف؟
البعد الديني للثورة:
ارتبطت الثورة التحريرية بقيم الإسلام وعقيدة الجهاد وقد وظف الشعر هذا المعنى كثيرا، وكان من الطبيعي ان يجد القراء حضورا مكثفا للمرجعية الدينية في نصوص الشعراء، يقول مفدي زكرياء:
وأشربته حب الشهادة فارتقى
على غمرات الموت تلهبه الذكرى
وطالبته بالمهر إن رام عزة
فأسرع من أرواحه يدفع المهرا
ولقنته أن الجهاد عقيدة
طوى الأزل العلوي في صدرها سرا
يقول يحي الشيخ صالح: “والثورة الجزائرية من زاوية تاريخية إنما هي فتح اسلامي جديد، فشعبها لم يقم بالثورة إلا تلبية لنداء عقبة وحيدر الذين دعيا إلى الجهاد لتحرير الجزائر من ربقة الظلم والاستعباد والشرك”.
يقول الشاعر أحمد سحنون:
لا تقل نحن قليلون فما
تضعف القلة من جند الاله
ويقول:
وطني يا مهبط الوحي ويا
فلك الحسن ويا مهد صبايا
وإذا مت شهيدا بالذي
لك في قلبي فقد نلت منايا
وقد وظف الشعراء كثيرا دلالات الشهيد والشهادة، وكتبوا القصائد الطوال التي توظف الرمز الديني، يقول مفدي:
وتسامى كالروح في ليلة القد
ر سلاما يشيع في الكون عيدا
وامتطى مذبح البطولة معراجا
 ووافى السماء يرجو المزيدا
وقد توقف الناقد محمد زغينة عند رمزية الشهيد في الشعر الجزائري، وقال “نلاحظ أن شعراءنا لا يرون الشهيد إلا وهو يبتسم حين استقباله للموت راضيا، وتلك طبيعة المؤمنين الذين لا يخافون الموت…ما أدى بالشاعر مفدي زكرياء إلى تشبيه الشهيد بمؤذن صلاة الصبح”.
وتفاعل الشعراء الجزائريون مع المعنى الديني للثورة فوظفوا الشخصيات الاسلامية، وعادوا للبطولات والمعارك، مثل توظيف غزوة بدر وغيرها
يقول مفدي زكرياء:
وحدثنا عن يوم بدر محمد
فقمنا نضاهي في جزائرنا بدرا
واجتمعت مجموعة من العوامل أدت لاندلاع الثورة، وقد وظفها الشعراء، فبعد فشل كل المحاولات السياسية لاسترجاع الحقوق كان النضال والجهاد، يقول مفدي زكريا:
يا فرنسا كفى خداعا فإنا
يا فرنسا لقد مللنا الوعود
صرخ الشعب منذرا فتصا
ممت وأبديت جفوة وصدودا
سكت الناطقون وانطلق
الرشاش يلقي عليك قولا مفيدا
وتعلق الجزائريون بالحرية فحضرت نصوص الشوق الى التحرر في الشعر، يقول يحي الشيخ صالح: “لكن الذي عمق تعلق الجزائريين بالحرية هو ما كان يمارسه المستعمر في سياسته بالجزائر من كبت واستعباد ومصادرة لجميع الحريات.” بالاضافة للحرق والنهب والمجازرن ومشاهد الظلم والاعتداء وتخريب القرى.
يقول محمد الاخضر عبد القادر السائحي:
ويلي على أُسَر في لحظة هدمت
فضمها الترب أشلاء تنادينا
ويلي على حرمات ديس طاهرها
في حضرة الأب، والأوغاد زاهونا
ويلي على بلد هُدت قواعده
فتاه في القفر أهلوه معالينا
يقول مفدي:
وفي استقلالنا متنا كراما
وبلغنا الرسالة من تغابى
الثورة…لـماذا؟
لم يستسلم الشعب الجزائري للإرادة والإدارة الاستعمارية، فكانت المقاومة الشعبية، ثم نشاط الحركة الوطنية، لتأتي ثورة نوفمبر وتواصل النضال الوطني، معلنة عدم التراجع طلبا للحرية، وعبر الشعراء عن هذا المعنى الجليل، وكشفت النصوص الهمجية الاستعمارية ونقلت أهمية السلاح في التحرير
يقول مفدي:
وإذا الجزائر بالسلاح استعبدت
فمصيرها بسلاحها يتقرر
وكانت الوحدة و التضامن هي قوة الشعب في صراعه الطويل،يقول مفدي:
نحن في هذه الجزائر إخوا
ن جراحاتنا الثخينة حمرا
لحمة الضاد والعروبة والتا
ريخ والدين، آي ربك كبرى
وهواها، دماؤها وسماها
وثراها الزكي شبرا فشبرا
ولا ننسى دور التمسك بالعقيدة الاسلامية والشخصية العربية في جمع أبناء الوطن على الاتحاد و الوحدة، في جبهة ثورية نوفمبرية قوية، رغم الصعاب وقلة العدة والعتاد. لكن الهدف الكبير كان جليلا عظيما، انه تحقيق الاستقلال، يقول ابو القاسم خمار:
سر بالجزائر فالطريق ضياء
وترابها حرية حمراء
وانشد مع الأبطال في آفاقها
أرواحنا تفديك يا بيضاء
سنظل نرعد باسمك كما
قصفت به من قبلنا الآباء
ولقد تجلى شهر نوفمبر بكل الوهج في الشعر الثوري الجزائري، وكتب عنه أغلب الشعراء، ليكون رمزا شعريا جزائريا خالصا، يميز التجربة الشعرية الجزائرية عربيا، لجانب رمز جميلة بوحيرد ورمز الأوراس، لتضاف هذه الرموز لرموز معروفة في الشعر العربي والعالمي، مثل الرموز الشعبية و الأسطورية والدينية….
كيف حضرت الثورة:؟
من يقرأ الشعر الثوري في النماذج السابقة وغيرها سيجد اللغة القوية والمعجم الثائر الرافض، كما سيجد الموسيقى الحماسية المجلجلة، ويمكن قراءة الكثير من الصور والمجاز عبر نصوص تمزج بين التقرير والمباشرة أحيانا، وتعتمد استدعاء الرموز الأسطورية والدينية أحيانا أخرى.
ولم تكن القصائد بمستوى واحد، فوجدنا الاختلاف في المستوى الفني وتباين الأدوات الشعرية، مع طغيان النبرة المباشرة، نتيجة البحث عن توصيل الأفكار والتعبير عن المشاعر النوفمبرية الوطنية.
وعرف الشعراء جماليات التعامل مع الموسيقى الخارجية والداخلية، فنجد الهمس والرقة في معان مرتبطة بالحزن والأسى، وفي موضوعات التعذيب والبطش الفرنسي، ونجد أصوات الحماسة والقوة عند معاني المقاومة والتحدي والجهاد.
يقول م أ السائحي:
وثبنا فلا تطمعي في النجاة
وثرنا فلا تحلمي بالبقا
حلفنا سنمحق كل الطغاة
ولا بد للشر أن يُمحقا
وحق الجزائر أرض الجدود
وأبنائها الأقوياء الأسود
وحق الدماء وحق العهود
لسوف ترفرف هذي البنود
ونذكر في هذا المقام الدراسة الثرية الجيدة التي أنجزها الدكتور يوسف وغليسي، ووسمها ب: “الثورة التحريرية-تحولاتها وأبعادها في الواجهة الشعرية الجزائرية-“،نشرها بمجلة الثقافة الصادرة عن وزارة الثقافة الجزائرية، عدد108،ماي وجوان-1995، ونشرها في مبحث بكتابه” في ظلال النصوص”-جسور للنشر والتوزيع، ط1،2009، صفحة 102 وما بعدها. وفي الدراسة يتتبع الباحث وغليسي توظيف الثورة وتجلياتها عند بعض الشعراء الجزائرين) ابو القاسم خمار، عبد القادر السائحي، عبد العالي رزاق، عز الدين ميهوبي)
شعراء.. رجال الكامة والميدان
سنحاول تقديم تعريفات لبعض شعراء الثورة الجزائرية، رغم صعوبة الأمر، لأن الأسماء كثيرة، ولم يترك أي جيل شعري فضاء التعبير في دواوينه من دون قصيدة تتغنى بنوفمر ورجاله الأبطال، لكن سنقدم بعض الشعراء الذين عاشوا النضال الثوري وذاقوا العذاب الفرنسي الاستعماري الظالم.
فمن الشعراء نذكر:
1-مفدي زكرياء: ولد ببني يزقن،غرداية، عا م1908، وفي عام 1924 ذهب لتونس في بعثة طلابية وفيها تعرف على شخصيات فكرية وسياسية، عند العودة للوطن، انضم لنجم شمال افريقيا ثم حزب الشعب، ودخل سجن بربروس(1937-1939)، بعد اندلاع الثورة 1954 واكبها وأرخ لها وكتب شعرا ثوريا عنها، فادخل السجن عام 1956، وخرج عام 1959، خرج منهكا ومريضا، نتيجة التعذيب الهمجي الاستعماري، بعد الاستقلال عاش في تونس والمغرب.
آثاره: ديوان اللهب المقدس-1961/ ديوان تحت ظلال الزيتون-بتونس1965/ ديوان من وحي الأطلس-1972 بالغرب/ديوان أمجادنا تتكلم (جمع بعد وفاته، جمعه وحققه مصطفى بن الحاج بكير حمودة، ونشرته مؤسسة مفدي زكرياء 2003)/ كما ألف “إلياذة الجزائر”، وفيها تاريخ الجزائر وأمجادها.
كتب عن الثورة وتعنى بها، كما كتب عن الوحدة المغاربية والعربية، يقول:
سلام على المغرب الأكبر
على طبعه الناصع الأطهر
أُحيي الألى آزروا حربنا
إلى النصر في ريحها الصرصر
وما بخلوا بالدم المغربي
على دمنا الفاتر الأحمر
وكانوا ملاذا لأحرارنا
وعونا على الهدف الأكبر
أليس امتزاج دمانا الغوالي
شهيدا على وحدة العنصر
وسنجد صعوبة كبيرة في تقديم نماذجه الشعرية الثورية، فهي كثيرة من جهة، وتتضمن المعاني الكبيرة الحماسية من جهة اخرى، وفيها القصائد الطويلة التي تجمع مشاهد البطولة وصور التعذيب الاستعماري، وقد أنجز الباحث الأكاديمي يحي الشيخ صالح كتابا هاما هو” شعر الثورة عند مفدي زكريا-دراسة فنية تحليلية-” طبعته الأولى عن دار البعث، بقسنطنة سنة 1987، والكتاب هو رسالة ماجستير نوقشت بجامعة قسنطنة، وكتب حواس بري كتاب”شعر مفدي زكريا-دراسة وتقويم”، عن ديوان المطبوعات الجامعية، 1994.
وكل قصيدة للشاعر تنسي الأخرى، وتشعل لهب الوطنية في القلب والذهن، لكن نقدم المقطع التالي كنموذج فقط:
كم أتينا من الخوارق فيها
وبهرنا بالمعجزات الوجودا
واندفعنا مثل الكواسر نرتا
د المنايا ونلتقي البارودا
من جبال رهيبة شامخات
قد رفعنا على ذراها البارودا
وشعاب ممنعات براها
مبدع الكون للوغى أخدودا
وجيوش مضت يد الله تز
 جيها وتحمي لواءها المعقودا
ومن كهول يقودها الموت للنـ
صر فتفتك نصرها الموعودا
وشباب مثل النسور ترامى
لا يبالي بروحه أن يجودا
2- محمد الشبوكي: 1915-2005، ولد بالشريعة –تبسة، نشا على حفظ القرآن ثم درس بتونس، نشط في مدارس جمعية العلماء، ساهم في الثورة التحررية وادخله الاستعمار السجن، اشتهر بقصيدته “جزائرنا يا بلاد الجدود”.
3- عبد الرحمان العقون1908-1995، كان مناضلا في حزب الشعب سجن عدة مرات منها سنة1956، واستطاع الفرار متوجها لدمشق ثم عمان، عاد مع الاستقلال ودرس في الثانوي لغاية 1973، ألف كتاب تاريخ الكفاح القومي والسياسي من خلال مذكرات معاصر-1984، ومسرحية زينب الفتاة، ومن وراء القضبان-1969.
4- عبد الكريم العقون: 1918-1959، من مواليد برج الغدير ومات شهيدا على اليد الاستعمارية في الدويرة، درس عن ابن باديس بقسنطينة، ثم تلقى المعارف بجامع الزيتونة، ودخل السجن سنة 1959 وتعرض للتعذيب غلى ان نال الشهادة، كتب شعر في موضوعات مختلفن ومنه شعره عن مجازر الثامن ماي1945.
5- الربيع بوشامة 1919-1959، من الأدباء الشهداء، ولد في قنزات ببني يعلى في القبائل الصغرى وقتله الاستعمار بالحراش تعذيبا، درس على يد بن باديس ثم أصبح مدرسا بمدارس جمعية العلماء م ج،…
في الختام
هذا هو الشعر الجزائري، وهؤلاء فرسان الكلمة، وقد انتبه النقاد للشعراء والأدباء الشهداء، ومنهم العربي التبسي، رضا حوحو، الربيع بوشامة….وأنجز الدكتور المرحوم أحمد شريبط دراسة مطولة عنهم، والثورة حاضرة في فؤاد ونص كل شاعر جزائري، وهناك الشعراء الذين لم نذكر، ومنهم محمد بن رقطان واحمد عاشوري بقالمة، عاشور بوكلوة واحسن دواس بسكيكدة، ونذكر: عمر البرناوي، احمد سحنون، نور الدين درويش، ناصر لوحيشي، محمد شايطة،سليمان جوادي…. فلهم القصائد الوطنية القوية في مبانيها ومعانيها.
وقد أنجزت دراسات كثيرة عن الشعر الثوري الجزائري وعرفت بأهله، وأبرزها كتاب الدكتورعبد الملك مرتاض”معجم الشعراء الجزائريين في ا لقرن العشرين”، وكتاب الدكتور يحي الشيخ صالح شعر الثورة عند مفدي زكريا”، وأنجزر الشريف مريبعي كتاب ” الشاعر الشهيد الربيع بوشامة حياته وآثاره”و قدم د- مصطفى بيطام”الثورة الجزائرية في شعر المغرب العربي”…..
اللهم احفظ الجزائر ووفق أهلها للوفاء بعهود شهدائها.
* -كلية الآداب جامعة 20أت 1955-سكيكدة

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلطــــة الإبـــداع وسجـــن الـمراقــبــــة…

د/ عاشور توامة سلطة الإبداع وسجن الرقابة، إن قلبنا طرفي المعادلة صارت سلطة الرقابة وسجن …