أخبار عاجلة
الرئيسية | تراث | من المساجد الأثرية بمنطقة طولقة

من المساجد الأثرية بمنطقة طولقة

د. عبد الحق مواقي /

تعتبر المساجد بيوت الله سبحانه وتعالى على الأرض، لذلك اولتها الشّريعة الإسلاميّة اهتماما خاصا حيث يقول الله تعالى في محكم تنزيله «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ» (سورة النور الآية 36)، وفي الصحيحين أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ»، وقد كان أوّل عمل يفعله النّبي الكريم بعد الهجرة النّبويّة المشرّفة أنه بنى المسجد. وكانت للمسجد وما تزال مهمة سامية، فهو المكان الذي يتفرغ فيه المسلم للعبادة، وهو أيضا المدرسة الأولى التي يلقن فيها المسلمون تعاليم دينهم، وهو الجامعة الكبرى التي تخرج منها كبار الصحابة ومن بعدهم العلماء والصلحاء، وهو المحكمة التي يفصل فيها بين الخصوم وغيرها من أمور الدين والدنيا.

المساجد الأثرية بمنطقة طولقة
تمتاز منطقة طولقة التي هي جزء مهم من منطقة الزيبان ورافد من الروافد الحضرية، بالعديد من المساجد المنتشرة على كامل ترابها، وهي بحق تحف أثرية، تفوح بعبق التاريخ، ومنارات كانت وما تزال تشع بالعلم والمعارف، محتفظة بجاذبيتها وبأسماء أعلام تكونوا فيها وأناروا العالم بإسهاماتهم في جميع مناحي الحياة.
وتكشفت الصورة المعمارية لمساجد منطقة طولقة عن ثراء حقيقي في المادة المعمارية الدينية الإسلامية، ويقول حسن مؤنس في كتابه الموسوم «المساجد» حين تطرق إلى عمارة المساجد بمنطقة الزيبان: «فهنا وعلى مقربة من مسجد عقبة، تقوم منطقة الزيبان التي تمتاز بمساجدها الجزائرية الجميلة، وهذه المساجد كلها مبنية باللبن وهي تعود بنا إلى هندسة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فلكل منها بيت للصلاة قليل العمق يقوم على أعمد من الخشب أو جذوع النخل، وفي أحيان قليلة من الحجر وبيوت الصلاة هذه مسقوفة تزينها حنايا، تبدو لك وكأنها أنصاف أسطوانات وضع بعضها على جانب بعض، ويزدان كل مسجد بمئذنة مربعة شبيهة بالبرج تضيق كلما صعدت إلى أعلى، وتزينها من الخارج نوافذ ينفذ منها الضوء.
وما تزال هذه المساجد المنتشرة بمنطقة طولقة تقاوم عوامل الطبيعة كما كانت منذ بنائها لقرون عديدة، وتؤدي وظيفتها الروحية والاجتماعية وفي ازدهار الحركة الدينية والعلمية والثقافية، ومن هذه المساجد نذكر:
1- المسجد العتيق بطولقة
اعتبر بعض الباحثين مسجد طولقة العتيق أقدم مكان للعبادة في شمال إفريقيا فهو يتوسط النواة القديمة لمدينة طولقة، ومازال قائما إلى اليوم وتقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، وقد سمي بالمسجد الكبير لأنه المسجد الذي كان يجمع سكان طولقة، كما سمي بجامع الجمعة لأنه الجامع الوحيد الذي كانت تقوم فيه صلاة الجمعة وقتها.
ويعود تاريخ ميلاد هذا المسجد إلى بدايات عهد الفتح الإسلامي في بلاد المغرب، وذلك حسب ما ذكره محمد الواقدي الذي أشار «إلى أن الفاتحين الأوائل لما وصلوا إلى منطقة طولقة ما بين سنتي 20 / 27ه بعد معركة سبيطلة بين جردير ملك الروم البيزنطيين، حولوا الكنيسة إلى مسجد».
هذا المسجد الذي كان كنيسة رومانية وقبل ذلك كان معبدا وثنيا حين كان المغرب العربي كله وثنيا ولما دخلت الديانة المسيحية إلى المنطقة في فترة الاحتلال الروماني، حافظ الرومان على «قدسية المكان» وبنى كنيسة مكانه ليبقى المكان قبلة العبّاد والمؤمنين بالدين المسيحي.
ومازال المسجد يحتوي على العديد من الآثار الرومانية كالأعمدة والتيجان، وتقول بعض المراجع أن الفاتح عقبة بن نافع الفهري قد صلى أربع جمعات بهذا المسجد، ويرى عبد الرحمان بن خلدون: «ان الفاتح عقبة بن نافع هو من فتح منطقة طولقة وحول الكنيسة الكاثوليكية إلى مسجد».
لقد تعرض المسجد العتيق بطولقة عبر تاريخه الطويل للاهتراء بفعل عوامل الطبيعة، وأعيد ترميه مرات عدة ربما كان آخرها كان سنة 1910م، خاصة الأبواب والنوافذ والمنبر لكنه حافظ على هيكله الذي كان عليه من الحقبة الرومانية، وتعاقب على إمامة المصلين عدد من الأئمة الذين انجبتهم طولقة منهم الشيخ العالم والفقيه والفلكي الشيخ ابراهيم بن الحسين ضيف الله وولده محمد بن ابراهيم بن الحسين.
2- مسجد يحي بن أحمد بفرفار
يقع مسجد يحي بن أحمد ببلدة فرفار القريبة من طولقة، ويعود بناءه كما تذكر بعض المراجع إلى بدايات القرن الثامن الهجري الموافق للقرن الرابع عشر الميلادي من طرف أمير الذواودة الهلاليين يحي بن أحمد بن عمر الذي تولى الإمارة سنة 706ه / 1320م، وقد ظهرت في عهده حركة الإصلاح الديني والدعوة إلى السنية المحمدية ومحاربة الظلم والطغيان، وفي بعض الروايات ان المسجد كان موجودا قبل هذه الفترة بزمن ولكنه تعرض للهدم وأعيد بناءه من جديد في عهد يحي بن احمد بن عمر.
وكان أول من تولى الامامة في هذا المسجد بعد بنائه هو الفقيه ابو عبد الله محمد بن الأزرق وهو من فقهاء بلدة مقرة وكان من اتباع الشيخ سعادة الرياحي، وقد جاء ابن الأزرق إلى فرفار بعد أن كان ببلدة برج بن عزوز، وسكن منزلا ملاصقا للمسجد.
كان مسجد يحي بن أحمد ببلدة فرفار مسقوفا بخشب النخيل الى ان تم اعادة بناءه سنة 1910م على اسس المسجد القديم وقد شارك في اعادة بناءه كل سكان فرفار، واسند بناء المسجد الى البناء سي عمار السوفي الذي قدم من مدينة وادي سوف فبناه متأثرا بالعمارة السوفية المحلية فجعل القباب والأعمدة والأقواس وهو نفس البنّاء الذي أعاد ترميم مسجد جامع العتيق بطولقة، واستمر البناء ثلاث سنوات وتم اعادة افتتاح المسجد سنة 1913م.
3- المسجد العتيق ببرج بن عزوز
يذهب البعض الى أن تأسيس المسجد العتيق ببلدة برج بن عزوز كان خلال القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر الميلادي، وهي الفترة التي كانت منطقة الزيبان تحت الحكم العثماني، ويذكر المؤرخون أن في هذه الفترة ظهر ببلدة البرج الشيخ المصلح سيدي ابن عزوز الذي سميت البلدة باسمه لاحقا وأسس مسجدها العتيق، واعتمادا على الطراز المعماري ومواد البناء، ووسائل الدعم والسقف المحلية. ولقد تم ترميم هذا الجامع سنة 1339هـ/1921م وبين ذلك في كتابة نقشت على لوحة جصية فوق مدخل الجامع ومما جاء فيه: «…لقد تم بناء المسجد على يد السيد محمد العيد بن محمد السوفي القماري 24 في شهر رجب الفرد عام 1339 من الهجرة النبوية…»، ولقد سقطت مئذنة الجامع اثر الفيضانات التي اجتاحت المنطقة عام 1389هـ /1969م واهمل هذا الجامع حاليا فهو عبارة عن أطلال مهجورة.
4- مسجد سيدي سعادة الرياحي ليشانة
يعتبر مسجد سيدي سعادة الرياحي من بين أهم المساجد العتيقة في المنطقة، وهو يتوسط القصر بجانب السوق بالبلدة القديمة، وهو في الأصل معبد وثني في العصور التاريخية الأولى من الحقبة النوميدية ثم حول إلى كنيسة اثناء خضوع بلدة ليشانة للاحتلال الروماني عندما شملها خط الليمس الروماني، ثم وأثناء الفتح الإسلامي حول إلى مسجد، والشواهد موجودة إلى يومنا هذا، حيث تظهر الحجارة المنحوتة الضخمة في أساساته وجدرانه، وأضيف إليه مواد محلية من طوب وجير تقليدي وجذوع النخل، ثم أعيد بناؤه على يد مهندس إيطالي في بداية القرن العشرين باستخدام الحجارة والجبس الصناعي.
بقي مسجد سيدي سعادة شامخا لعدة قرون الى ان جاء المستعمر الفرنسي لاقتحام الزعاطشة يوم 07 اكتوبر 1849 ونظرا لموقع المسجد المتقدم والواقع في خط الدفاع الأول فقد استهدف في بداية الهجوم مع الزاوية بالمدافع وبعد مقاومة ودفاع مستميت انسحب المقاومون الى الخلف متحصنين وراء الجدران والنخيل فاستغل الجيش الفرنسي هذا التموقع واحتل الزاوية والمسجد ورفع علما على مئذنته، وبعد 52 يوما من المقاومة سقطت الزعاطشة فقام الجيش الفرنسي بتلغيم المسجد وتفجيره.
لقد تعرض المسجد مثل غيره من المساجد العتيقة والأثرية للإهتراء بفعل عوامل الطبيعة، وآخر ترميم له كان على يد مهندس ايطالي بين سنتي 1890 و 1900م .
5- مسجد سيدي لعروسي
ويعرف ايضا بجامع سيدي محمد بن امحمد ويتواجد بحارة المتعب وقد بني بمواد محلية تتمثل في الطوب والجير والحجارة وجذوع النخل وبه قاعة للصلاة وزاوية لتحفيظ القرآن وعلى مدخله حوش به قسم مغطى (دكانة)، ويعلو المسجد جهة القبلة قبة ثمانية الشكل بنيت بالجير والحجارة، وقد اعيد ترميمه في الفترة الاستعمارية بعد تعرض سقفه للسقوط.
6- جامع سيدي يوسف
يقع جامع سيدي يوسف على الجهة الجنوبية لقصر ليشانة القديم، وبه قاعة للصلاة بنيت بالطوب وسقفها من جذوع وسعف النخيل، وبها محراب بسيط لتحديد جهة القبلة وبه ضريح سيدي يوسف تعلوه قبة ذات شكل ثماني الأضلاع انشئت من الجير والحجارة، اضافة الى زاوية لتحفيظ القرآن الكريم تتواجد قاعة الصلاة وبين الضريح.
7- جامع الباب القبلي
يقع جامع الباب القبلي من الجهة الجنوبية وخارج قصر ليشانة القديم، وكان يستعمل عادة من طرف الغرباء دون الحاجة لدخول القصر وبه قاعة للصلاة بنيت بمواد محلية.
الخاتمة
نصل إلى القول أن أهمية تصنيف هذه المساجد وترميمها وإعادة الإعتبار لها كأحد أهم المعالم التاريخية، لأنها جزء من الذاكرة والموروث المادي واللامادي للجهة؛ فهي معالم روحية دينية في رسالتها، وثقافية تراثية وتاريخية من حيث قيمتها المعمارية، وذلك ما يؤهلها لتكون عنصر ترويج هام للوجهة السياحية للمنطقة وما تزخر به من كنوز.
*للموضوع عدة مراجع.

عن المحرر