أخبار عاجلة
الرئيسية | أعلام | مقالات | ضغوط الحجر الصحي وعملية الانتقال إلى الفعل الجُرمي

ضغوط الحجر الصحي وعملية الانتقال إلى الفعل الجُرمي

أ. زيتـــــوني محمد عادل 

من منّا لم يلاحظ الاستشراء الملفت للعنف والجريمة بالمجتمع الجزائري خلال الآونة الأخيرة؟ أعتقد كذلك أنه لا يوجد بيننا من لم يتساءل عن علاقة ذلك بالحجر الصحي الذي عاشه العالم برمته على إثر تفشي وباء كورونا، على غرار الجزائر التي امتدت فترات الحجر بمعظم ولاياتها لأكثر من خمسة أشهر، شملت شطرا كبيرا من موسم الاصطياف، وما صاحب ذلك من غلق لمختلف المؤسسات والنوادي الترفيهية، السياحية، الثقافية، الرياضية والشبانية بشكل عام، ناهيك عن تجميد جميع الفعاليات والنشاطات الترويحية والاصطيافية في إطار التدابير الاحترازية الرامية إلى الوقاية من انتشار وباء كورونا.
في الحقيقة، يعتبر العنف كما ذهب إليه عالم الاجتماع الفرنسي Emile Durkheim “ظاهرة طبيعية” وملازمة للإنسان ولكل المجتمعات مهما بلغت نجاعة مخطّطات واستراتيجيات مواجهتها للمخاطر الأمنية المختلفة، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر الجريمة “ظاهرة صحية”، كونها تعزّز التماسك الاجتماعي داخل المجتمع الذي يتّحد ويتضامن أفراده ومؤسساته من أجل مواجهة المجرمين. ولو أن انتشار الإجرام بأي مجتمع مرتبط في الأساس بجملة من العوامل والمسببّات التي قد تُسهم بشكل أو بآخر في اكتساب، تغذية وتعزيز السلوك العُنفي والإجرامي لدى الفرد، غير أنه توجد بعض الملابسات، الحيثيات، المجريات والظروف التي يمكن اعتبارها بمثابة تلك الشرارة التي من شأنها إشعال فتيل ما تسمى بـــ “عملية الانتقال إلى الفعل” Passage à l’acte، بحيث تدفع بالفرد الى الارتكاب المباشر للفعل الجُرمي حتى ولو لم يكن مجرما بطبعه.
ولا شك أن الحجر الصحي قد أنتج جملة من السياقات والظروف الخاصة والاستثنائية التي قلبت أنماط حياة الناس رأسا على عقب على مختلف الأصعدة، سواء الاقتصادية، الاجتماعية والنفسية. فعلى المستوى الاقتصادي، أدّى الحجر إلى ارتفاع كبير في نسب البطالة نتيجة فقدان أعداد كبيرة من الشباب وأرباب الأسر لوظائفهم سواء ببعض القطاعات العمومية أو في القطاع الخاص، تلك الوظائف التي كانت ربما مصدر قوتهم الوحيد لإعالة أنفسهم وأسرهم في ظلّ ازدياد متطلبات الحياة وغلاء المعيشة الذي تشهده البلاد، الأمر الذي قد يكون سببا في العديد من الضغوط الأسرية، مما قد يفضي في بعض الحالات إلى نشوب مختلف أشكال العنف الزوجي، وما قد ينجم عنه من مشكلات التفكّك الأسري المعنوي منه والمادي، وقد يُردف الوضع أحيانا الى حدوث بعض الجرائم الأسرية. كما قد يمتد هذا العنف خارج نطاق الأسرة عندما يضطر بعض الأفراد إلى محاولة كسب المال عن طريق اللجوء إلى بعض الممارسات غير القانونية كالتزوير، التهريب، الاتجار في الممنوعات، السرقة، السطو Cambriolage والحِرابةBraquage وما قد ينجرّ عن ذلك من وضعيات قد تدفع في الكثير من الأحيان إلى حدوث جرائم قتل سواء كانت عمدية أو عرَضية.
أمّا على الصعيد السيكو-اجتماعي فيعتبر غلق النوادي الشبانية وتعليق البرامج والأنشطة الاستجمامية، السياحة والرياضية ومنع ارتياد الشواطئ والمساحات الترفيهية من أهم العوامل التي قد تؤدي بشكل أو بآخر إلى العديد من الاضطرابات والضغوط النفسية، نتيجة حرمان الأفراد والأسر من التسلية والترويح عن النفس، لاسيما الفئات الشابة التي تمتلئ طاقة وحيوية وتحتاج الى قنوات تصرف عبرها هذه الطاقة، خاصة تلك الأنشطة الترفيهية ذات الطابع البدني والرياضي، لما لها من أهمية بالغة في امتصاص الشحنات السلبية واستغلال أوقات الفراغ، هذا الأخير الذي يعتبر خطرا محدقا ومفسدة للمرءِ أيّما مفسدة، لذلك يُعد هذا النوع من الأنشطة على قدر عالٍ من الأهمية بالنظر إلى الدور الكبير الذي يلعبه في الحدّ من الانفعالات النفسية وحالات القلق والتوتر، ناهيك عن المساعدة في تحقيق التحكّم الذاتي في الدوافع العدوانية والعُنفية، والتصدّي بالتالي لمختلف المشكلات الاجتماعية والوقاية من بعض السلوكات المضادة للمجتمع كالعنف، الانحراف والجريمة بمختلف أنواعها.
من جهة أخرى، لقد أدّت الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش والمراقبة العديدة والمنتشرة عبر مختلف الطرقات الوطنية من أجل تطبيق التعليمات المتعلقة بالحجر وقرارات حظر التِّجوال ومنع الدخول إلى والخروج من بعض الولايات الخاضعة للحجر الكلي أو الجزئي، إلى صعوبة تحرّك وتنقّل تجار ومروّجي المخدرات والأقراص النفسية والمشروبات الكحولية، مما أدّى إلى حدوث نُدرة كبيرة في توفّر هذه المواد، الأمر الذي جعل المدمنين في حاجة ماسّة وملحّة لتعاطي مثل هذه المؤثرات العقلية للحصول على بعض التوازن السيكولوجي المؤقت، في حين قد يؤدي الإقلاع المفاجئ عنها بسبب عدم توفّرها إلى تعرضهم لما تسمى بـــــ “متلازمة الإنسحاب” Syndrome de sevrage، التي تتجلّى في شكل جملة من الاضطرابات النفسية والفيزيولوجية، يصحبها تدهور في المزاج وتشوش في الادراك والعمليات الذهنية المختلفة، مما قد يؤول في الكثير من الأحيان إلى فقدان السيطرة على الانفعالات وردود الفعل، وقد ينتهي المطاف في بعض الحالات باقتراف سلوكات عُنفية وارتكاب جرائم قتل.
إنّ تفاقم العنف والإجرام في الفترات الأخيرة بالمجتمع الجزائري ما هو في الحقيقة سوى ذلك الانفجار الذي تولّد عن تلك الضغوط المختلفة التي خلقها الحجر الصحي وما صاحبه من قيود عديدة على التِّجوال والحركة وتعليق مختلف أشكال الحياة، إضافة الى زيادة أعداد العاطلين عن العمل وارتفاع نسبة البطالة في المجتمع، كل ذلك شكّل تلك “الأكسدة” التي كانت كفيلة بتأجيج قابلية الانتقال إلى الفعل الجُرمي واستفحال العنف والجريمة بمختلف أنواعهما.
في مقابل ذلك، كشفت هذه الوقائع عن بزوغ نوع من الحسّ الأمني الذي لم يكن من قبل منتشرا بهذه الصورة في المجتمع الجزائري، بحيث تجلّى ذلك في مشاركة ومساعدة المواطنين للأجهزة الأمنية المختلفة من أجل القبض على المجرمين والترصّد لهم، واستخدام عدسات الهواتف الذكية لضبطهم في حالات تلبس، كما أُطلقت حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تدعوا إلى ردع المنحرفين وعصابات الأحياء والتشهير باللّصوص والمجرمين عموما والتبليغ عن تجار المخدرات، على غرار حملة “مكاش بائع مخدرات في حومتي”، والتي لقت استحسانا وإقبالا كبيرين من طرف الجزائريين، كلّ ذلك وإن نمّ عن شيء فإنه ينمّ عن الوعي الأمني الذي يتمتع به الشباب الجزائري من خلال إدراكهم لمختلف المهدّدات والمخاطر الأمنية المحيطة التي من شأنها الإخلال بالأمن العام في الأحياء السكنية والمجتمع عموما، واستشعارهم لضرورة التكاتف جنبا إلى جنب مع الجهات الأمنية في سبيل الحفاظ على السِّلم والأمن المجتمعيــين بما يعود بالنفع على الفرد، الأسرة، المجتمع والبلاد برمتها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

علاقة التأثير النسقي بين المدرسة والمؤسسات والمجتمع

خير الدين هني/ في العقود الأخيرة اشتد احتدام المحاجة واللجج بين فئات النخبة، بأطيافها السياسية …