أخبار عاجلة
الرئيسية | مقاربات | الأجيال الذهبية والأمن الاستراتيجي للمجتمع والأمة

الأجيال الذهبية والأمن الاستراتيجي للمجتمع والأمة

أ. الطيب برغوث /


من هي الأجيال الرسالية الذهبية؟
الأجيال الرسالية الذهبية هي الأجيال المتوازنة الشخصية، التي ينسجم فكرها وثقافتها وسلوكها وأداؤها وإنجازها الاجتماعي، مع ثوابت المعادلة النفسية والروحية والثقافية والاجتماعية والحضارية لمجتمعها وأمتها، ويصب في مجرى المحافظة على المصالح الحيوية لهما، وتحقيق الطموحات الحضارية لهما، ودفع الأخطار عنهما، ولا يتناقض مع حقائق سنن الوجود الإلهي، أو الوجود الكوني، أو الوجود الإنساني، لأن كل ما يتناقض مع سنن هذه الوجودات الثلاثة ليس فيه مصلحة ولا فائدة معتبرة للإنسان، فالعبرة في المصالح هي بقدر ما تتطابق أو تنسجم مع سنن الله تعالى في الآفاق والأنفس والهداية والتأييد، وترتقي بإنسانية الإنسان وتحافظ على هويته الإنسانية، وتمكنه من تحقيق رسالته الوجودية في الأرض، وتهيئة حياته الأخروية المنتظرة.
تحية واعتذار للفاضلين د. عيسى بوعافية ود. نورة رجاتي:
أعتذر للأستاذين الفاضلين الدكتور عيسى بوعافية والدكتورة نورة رجاتي حفظهما الله تعالى، على ما وقع مني من سهو في الشهادة التي كتبتها عن أستاذ الأجيال البروفيسور عمار طالبي حفظه الله تعالى، حيث ذكرت بأن الأستاذ عيسى بوعافية هو المشرف على رسالة الطالبة هناء، والصواب هو أن المشرفة هي الأستاذة الفاضلة نورة رجاتي، فمعذرة لهذين الفاضلين اللذين أعتز بهما كثيرا، وأدعو الله تعالى أن يحفظهما، ويبارك في حياتهما وجهدهما، وينفع بهما أجيال الجامعة والمجتمع، حتى تعي رسالتها العظيمة، وتأخذ لها أهبتها المرجوة، وتضطلع بها على أحسن الوجوه.
وأذكر بالمناسبة أن سبب السهو هو أن أخي زحافي بن عيسى الطالب بشعبة دعوة وإعلام ماستر بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، كان قد تواصل معي لطلب مساعدته في تحضير أطروحته في موضوع «الأطروحة السننية عند الطيب برغوث» ودار بيني وبينه حوار مطول مكتوب عبر الواتساب، وعرفت منه أن مشرفه هو البروفيسور عيسى بوعافية حفظه الله، فنصحته بأن يستفيد من علم وسمت هذا الأستاذ الفاضل، وفي الأثناء كانت قد وصلتني رسالة الطالبة هناء من جامعة الأمية عبد القادر كذلك، تطلب مني المساعدة بدورها، فلما شرعت في كتابة شهادتي لها عن البروفيسور عمار طالبي حفظه الله، كان ما يزال صدى ذلك الحوار في نفسي، فذهب خاطري مباشرة إلى الأستاذ عيسى حفظه الله، خاصة وأن الطالبة لم تخبرني من هو المشرف عليها، زيادة على تزاحم الأعمال والواجبات التي ينسي بعضها بعضا، وخاصة عندما يتعلق الأمر بشخص تقدمت به السن مثلي، فمعذرة للأخوين الفاضلين.
شرف الانتماء للأجيال الذهبية الجديدة
وأدعو الله تعالى أن يوفق الأستاذة الفاضلة نورة والطالبة هناء لتقديم عمل علمي معتبر، يليق بمقام البروفيسور عمار طالبي؛ هذه الشخصية الفكرية والثقافية والاجتماعية الوطنية والإسلامية المرموقة، خاصة وأن الرجل ما يزال حيا، وبإمكان الطالبة أن تأخذ منه ما تستطيع من معلومات عن حياته وتجربته وخبرته، وعن الخلاصات التي خرج بها من كل ذلك، وتضعها أمام أجيال المجتمع والأمة للاستفادة منها في إدارة حياتها بشكل أكثر كفاءة وفعالية وخيرية وبركة ورحمة.
إنني أهيب بالأستاذين الفاضلين وبكل إخواني الأساتذة والباحثين الفضلاء، وأهل المال والوجاهة والنبلاء في مجتمعنا، أن يضاعفوا الجهود في استنقاذ تجربة وخبرة ومعرفة وحكمة الأجيال التي سبقتهم، وخاصة الأحياء منهم، قبل أن يرحلوا عنا وترحل معهم خبرة وحكمة وثروة لا تقدر بثمن.
إن عملنا على استنقاذ خبرة وحكمة وثروة الأجيال الذهبية السابقة علينا، يدرجنا إن شاء الله تعالى في قوافل الأجيال الذهبية الجديدة، التي يتمنى كل إنسان أن يكون من أهلها والفاعلين فيها، كما جاء في الحديث النبوي الشريف الذي نوه فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام بالأجيال الذهبية في المجتمع والأمة، وأكد على محورية دورهم في التاريخ، حينما قال: (يَحْمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عُدُولُهُ، ينفونَ عنه تحريفَ الغالينَ، وانتحالَ المُبْطِلينَ، وتأويلَ الجاهِلينَ).
ففي كل جيل من أجيال المجتمع تكون هناك نخب رسالية تقل أو تكثر عددا بحسب الظروف، تؤدي أدوارا حاسمة في مسيرته، وتترك بصماتها الواضحة فيه، فاتحة بذلك حسابا جاريا لها في حياتها وبعد مماتها، يدر عليها من الخير والبركة والرحمة العامة، ما يرفع مقاماتها في الدنيا والآخرة، كما جاء بيان ذلك في الحديث النبوي الشريف: (مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شيءٌ).
مخاطر التقصير
في بناء الثروة الاستراتيجية للمجتمع
فنحن مجتمع مقصر في حق خبرته وثروته الوطنية الاستراتيجية الحقيقية، وهي الثروة المعرفية والثقافية السننية العابرة للأجيال والأزمان، ونتهافت بل ونتقاتل على الثروات الجزئية التي بدون هذه الثروة الاستراتيجية الأم، تكون وبالا علينا في الدنيا والآخرة! وكما هو معلوم فإن غنى المجتمعات وقوتها ومكانتها لا تقاس بمقدار ما يتكدس فيها من أشياء وأشخاص وأفكار جزئية، بل تقاس بما يتراكم فيها من معرفة وثقافة سننية متكاملة، ويبرز فيها من شخصيات رسالية متوازنة، تحمل هذه المعرفة والثقافة وتجددها، وتنشر الوعي بها في الأجيال.
إن مجتمعنا ما يزال يعاني من مشكلة الثقافة الشفاهية، ومن مشكلة الزهد في الكتابة والتوثيق، ومن مشكلة الغفلة عن التعريف بجهود وتجارب وخبرات ومساهمات أبنائه في إثراء المعرفة والثقافة والخبرة والحكمة الوطنية والإسلامية والإنسانية، بالرغم من وجود شخصيات رجالية ونسائية كثيرة، قامت وتقوم بمساهمات معتبرة وأحيانا رائدة ورائعة في هذا المجال، وتركها تموت مع موت أصحابها، دون أن يستفيد منها أحد في حياتها أو بعد مماتها، لهو من العيوب المشينة! بل من المخاطر الاستراتيجية التي تلقي بالأجيال في دوامات الشعور بالدونية والمغلوبية المهلكة.
وهذا دون شك تقصير كبير بل وخطير، ربما يرتقي إلى مستوى الجرائم الثقافية الكبيرة، في حق الميراث والثروة الثقافية للمجتمع والأمة والإنسانية عامة! لما يتسبب فيه من فقر ثقافي للمجتمع، يؤدي به إلى الغياب عن الساحة الثقافية الإقليمية أو العالمية، ويضعف مركزه ومكانته التاريخية، ويعرِّض أجياله للإحساس بالدونية، ويلقي بهم في دوامات الاستلابات المختلفة، التي قد تدفع بهم في أتون القابلية للاستعمار أو المسكونية أو المركوبية على حد تعبير كل من مالك بن نبي وعمار طالبي ومولود قاسم، كما ذكرنا في مقالة سابقة.
وتتضاعف مخاطر هذا الفقر الثقافي بالنسبة لأجيال المجتمع عامة، عندما نأخذ بعين الاعتبار تمدد واتساع نطاق الاستلاب في أوساط بعض النخب المجتمعية، وحرص قوى مستلبة مثلها ذات أموال ونفوذ وحماية، أو قوى حضارية كبرى ذات مصلحة في ضعف المجتمع والأمة وتخلفهما، على احتضانها والترويج لها، والنفخ فيها، ووضعها في الواجهات الثقافية والاجتماعية والسياسية.. وتقديمها كنماذج وقدوات لأجيال المجتمع، على حساب غيرها من النخب الرسالية المتوازنة، التي يزداد بعضها محاصرة وتهميشا وعزلا وموتا بطيئا، وبعضها الآخر تشويها وقتلا معنويا وماديا سريعا، حتى يخلو المجال أمام نخب إمعية مسكونة ومركوبة أو مزيفة، كما كان يقول الفيلسوف الفرنسي سارتر عن النخب الوسيطة التي يصنعها المستعمر أو السيد القديم أو الجديد، ليحكم ويستغل ويدمر بها المجتمعات المستعمَرة، ويبقيها تحت الوصاية كمنجم للثروات من ناحية، وكمزبلة لنفاياته من ناحية أخرى!
إن المجتمعات التي يختل فيها التوازن لصالح الواجهات والقدوات الإمعية الغثائية المزيفة، على خطر عظيم، لأنها ستتحرك نحو الضعف والغثائية والقابلية للإستعمار والاستغلال، والمسكونية الثقافية، والمركوبية الحضارية في نهاية المطاف، لذلك كان من واجب المجتمع أن يتحرك من خلال نخبه الرسالية الأصيلة، نحو حفظ خبراته وتجاربه وثروته الفكرية والثقافية العامة، التي تعبر عن هويته وخصوصيته وعبقريته ومزاجه الثقافي ونفسيته التاريخية العامة، وأن ينقلها إلى الأجيال بكل وسائل وأساليب النقل الممكنة والفعالة، حتى لا تقع هذه الأجيال فريسة لعقد النقص، والشعور بالدونية، وتصاب بأمراض الولع بتقليد الغالب، كما يقول ابن خلدون، بل واستعذاب مهانته لها!
تفريخ النخب الرسالية المتوازنة
أساس الأمن الاستراتيجي للمجتمعات
ومن هنا فإن النخب الرسالية المتوازنة هي محور ارتكاز المجتمع، ومركز توازنه وقوته باستمرار، وشرط أمنه الاستراتيجي الحقيقي، فإذا ما نقص عددها وتضاءلت فعاليتها، برزت إلى الواجهات الثقافية والاجتماعية والسياسية بعض النخب الهامشية المهزوزة، بل والتافهة أو المرذولة أحيانا! وطفت على سطحه طفو الأوبئة المعدية، وفتكت به فتكا مريعا، وعرضت وجوده للخطر، كما نبه على ذلك القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}[الإسراء: 16]، لأنها نخب كثيرا ما تدور مع الأفكار الجزئية أو التافهة، والهموم الجزئية أو التافهة، والمصالح الجزئية أو التافهة، والأولويات الجزئية أو التافهة، والغرائز السافلة، حيثما دارت، ولا تعير اهتماما للأفكار والهموم والأولويات والمصالح الكلية الكبيرة للمجتمع والدولة والأمة والإنسانية عامة، وشعارها دائما «الطوفان بعدي»!
وما أدق وأروع ما ذكره المتنبي في وصف الاهتمامات والهموم الكبيرة والصغيرة، ومقامات أهلها، حينما قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتـأتـي على قدر الكريم الكرائم
وتكبر في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
لذلك يجب أن يظل الاهتمام ببناء وتفريخ هذه النخب الرسالية المتوازنة، ذات النفوس والطموحات الكبيرة، والإرادات والعزائم الكبيرة، والهموم العالية الكبيرة، يشكل بؤرة ومركز اهتمامات وأولويات الأسر والمدارس والجامعات والجمعيات والأحزاب والدولة والمجتمع بشكل دائم، حتى نوفر للمجتمع الثروة الاستراتيجية الحقيقية، التي بها يحقق نهضته الحضارية المتوازنة، وأمنه الحضاري المنيع.
ويا سعادة وبخت من أكرمه الله تعالى بالمساهمة في بناء هذه الثروة الاستراتيجية لمجتمعه وأمته، وإعداد هذه الأجيال الرسالية الذهبية التي تحقق هذا الأمن الاستراتيجي المنيع لمجتمعها وأمتها والإنسانية عامة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

القرآن، السنة، التراث: تقاطعات منهجية في الفهم والاستنباط 2

د/خميس بن عاشور * إنّ الحصانة الفكرية مطلوبة من جميع المسلمين ولا يشذ عن ذلك …