الرئيسية | مساهمات | الشــــــــــــارع الأزرق

الشــــــــــــارع الأزرق

د/ عاشور توامة/

صار الفضاء الأزرق شارعا تعرض فيه ألوان الرداءة والعبثية والعشوائية، وبضائع الفسق والفساد، ولوائح البذاءة والكفر الصراح عوضا من أن يكون منبرا للتواصل الاجتماعي الهادف للثقافة والمعرفة، وحسن الاطلاع والحضور المتميز والفضول المدهش، إن هروبنا من الشارع الهمجي دفعنا إلى البحث عن البديل المحترم فوقعنا في الرديء المبتذل…
لا شك أن اختيار الأصدقاء الافتراضيين لا يمكن أن يكون في منتهى الجودة والدقة طالما ظل المرء مخدوعا بظاهر الصورة والصوت ونفاق الروح والجسد، لكننا في أغلب الأحايين نسدد ونقارب، وأحيانا ينعكس السحر على الساحر فنقع في المحظور ونلج الشارع الخطأ، وإن كان كما قال المثل السائر( فاقد الشيء لا يعطيه)، أو كما قال الشاعر قديما سعد بن محمد بن سعد التميمي الملقب شهاب الدين المعروف بـ -حيص بيص- (ت- 574هـ):
فحسبكم هذا التفاوت بينـنا … وكل إنـاء بالـذي فيـه ينــضح
فالذي يكثر من التفاهات دليل على تفاهته وحمقه، ظنا منه أن الناس تشاركه ترهاته وخزعبلاته، وهناك من يعيد القديم البائس بسبب جهله وقلة حيلته، وهناك من يزعم أنه مقدم أخبار وخبره كخبر كان، وهناك من ينصب نفسه أديبا لا يشق له غبار والأدب منه براء، وهناك من يزكي نفسه شاعر زمانه وهو لا يفقه من الشعر عنوانه ولا يوما طرق بابه، وهناك من يعرض صور النساء العارية مما يوحي بعهر فكره وخلاعة مخبره، وهناك وهناك…
هذا بالإضافة إلى طامة الفايسبوك الكبرى التي تسعى فهو عدو الوقت إن لم نضبط تنظيم دقائق تصفحه، ومعول النسيح الأسري إن لم يتلاحم أفراده، فلو تأملنا حياتنا قبل الفايس والنت لاكتشفنا أنها كانت أكثر انسجاما وتواصلا وأحلى وألذ من حياتنا الفايسبوكية المقنعة، فمن منا صار حديثه مكتملا وناضجا مع زوجته وعياله وأصدقائه وجيرانه؟ ومن منا كان له الوقت الكافي لقضاء حوائجه ومصالحه الشخصية وواجباته العائلية والمجتمعية؟ للأسف لقد حطمنا حياتنا بسبب هذا الدخيل المرغوب فيه صباح مساء، وعطلنا مصالحنا وأسباب تقدمنا، وأذكر في هذا المقام وصية الرئيس السابق- باراك أوباما- لأكبر دولة متقدمة ومسيطرة على العالم، محذرا شعبه بعدم الإفراط في استعمال الوسائط الاجتماعية دون فائدة ترتجى، أو مصلحة تبتغى وبالأخص اليوتوب والفايسبوك، لأنهما هدرٌ للوقت والواجب معا وأمريكا في حاجة ماسة إلى كل الوقت، كي تحافظ على ريادتها وسيادتها للعالم، إن سوء استعمال الفايس وعدم مراعاة الضابط الزمني والضابط الأخلاقي والاجتماعي قد جعلنا أشد خطرا من الشارع الذي تدوسه النعال والأنعام، لقد نجحنا في مساعدة الغرب في تهجير أوقاتنا وأحلامنا، وإعاقة مشاريعنا، وتأجيل حياتنا، وتفكك أسرنا، وبناء حضارتنا بسبب الادمان التدريجي على نفايات الشارع الأزرق (الفايسبوك)، لقد سلبوا منا قدرة الترك وقوة الإرادة والبحث عن الخلاص، صرنا أمة قابعة في مكانها، جاثمة على أمجادها، ماهرة في إخصاء فحولها، نستهلك كل شيء ولا ننتج غير فن الانقياد، وسهولة الانصياع وشهوة الغفلة، ولذة التخدير وانتشاء التغني ببطولة الأسلاف …

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلطــــة الإبـــداع وسجـــن الـمراقــبــــة…

د/ عاشور توامة سلطة الإبداع وسجن الرقابة، إن قلبنا طرفي المعادلة صارت سلطة الرقابة وسجن …