أخبار عاجلة
الرئيسية | الحـــق الـمر | الوسم… صورتنا في مرآتهم!

الوسم… صورتنا في مرآتهم!

يكتبه د. محمّد قماري/

خلال السنوات الأخيرة، وكلما تيّسر لي زيارة بلد من البلدان أحاول جهدي أن ابتعد عن الواجهات البرّاقة، وأغوص ما أمكنني في تلمس حياة الناس في الأحياء العتيقة، وأجتهد في استحضار تاريخ تلك الحواضر من خلال تفاصيل حياة الناس، وإذا أمكن من خلال كتب قديمة أقتنيها مغتبطًا بما تحويه من معلومات، وهكذا وجدتني أبتعد عن عمائر الحرم المكي، وأغوص في شوارع جرول، وابتعد عن وسط القاهرة وأتجوّل في حارات الدقي والجيزة، ولا أحفل كثيرا بمباني الدار البيضاء في المغرب وأزور الدواوير المحيطة بها…
وفي شارع (سان ميشال) بباريس حيث تمتد المكتبات التي تعرض الكتب القديمة، وقع بصري على كتاب قديم زهيد الثمن، تحت عنوان جذّاب: (Le savoir vivre) أو (فنيات الحياة)، والكتاب يعرض جملة من أبجديات (عمل اليوم والليل) أو كيف تلبس وكيف تحسن الحديث والمراسلات، وكيف تقدم المأكولات وكيف تهب الهدايا سواء في العائلة أو في المجتمع أو للأجانب…
وذكرني الكتاب بكتب الآداب في ثقافتنا الإسلاميّة، غير أن المتأخرين من المؤلفين في شؤون الثقافة الإسلاميّة قد انصرف أغلبهم إلى الخوض في قضايا فرعية من (فقه العبادات) وضربوا صفحا عن قضايا (فقه الحياة)، فتجد المسلم الذي يحرص على الإتيان بتلك التفاصيل، فإذا خالط المجتمع جاء بكل شاذ ومقزز، فلا يبتسم ولا يهتم بمواعيده، وقد لا يفي بديونه، ولا يلتفت لجمال مظهره…
والحقيقة أن ذلك الكتاب شدني إذ قرأت مجمل صفحاته وأنا في الطائرة في رحلة العودة، ومما فيه حفظ مقامات الناس، فـ(توقير) الكبير و(رحمة) الصغير، ومعرفة مقامات الأفاضل من أهل العلم أو المناصب من تمام اللباقة والكيّاسة، ودار في خلدي ما يدور في مجتمعنا المعاصر من اصرار بعضهم على هدم كل تلك المعاني؛ ولكن راعني أن أقف في الصفحة 12 من الكتاب على عبارة جعلتني أستحضر الكثير من أشباهها في كتب الغربيين، جاء في الكتاب وهو يتحدث عن سيدة لا تعتني بتفاصيل مظهرها: «…وأظافرها الحادة قد بدا من تحت طلائها الاصطناعي مقدار واحد ملمتر من السواد، وهو ما يبعث عن التساؤل إذا ما كانت تعتقد أن ذلك السواد علامة جمال، كما تعتقد النساء السود في أظافرهن، أو أنه من وسائل الوقاية، كما في حالة الأطفال العرب، حيث تحافظ أمهاتهم بسبب الاعتقاد الديني بأن وسخ الأظافر يضمن الصحة الجيدة…»؟
هذا الوسم للمسلم بكل مقزز ومنفر، فهو همجي ومتخلف ووسخ، هو الغالب في مؤلفات امتدت لتاريخ طويل، كتبت برعاية الكهنوت في القرون الوسطى وانتقلت إلى أقلام (المتنورين) من كتّابهم، فكل من يطالع الدراسات التي أنجزها مؤرخون ومهتمون بعلم الاجتماع وأطباء غربيون، لا يجد في الغالب الأعم إلا تلك الصورة البائسة، وذلك الخط الذي يتصل بالكتابات الأولى عن أوضاع المسلمين، وهي أوضاع تجد للأسف في بعض واقعنا المعاصر ما يؤيدها…
يهمل الغربيون الوقوف عند نفور (ماريا ميدسيس) من ملك فرنسا هنري الرابع بسبب قذارته، ورائحته العطنة، ويهملون الوقوف عند سيرة (لويس الرابع عشر) الذي تقول بعض مصادر التاريخ أنه لم يأخذ إلا حماما واحدا طيلة حياته، ومع ذلك يسترسل أطباء لا علاقة لهم بعلم الاجتماع في الحديث عن طبيعة المجتمعات (الهمجية) في ديار المسلمين، ويرسلون أحكاما مطلقة ومعممة على المجتمع كله من خلال رصد لحالات خاصة…
إنّ مراجعة العديد من تلك الأعمال التي كتبت خلال القرن التاسع عشر وما تلاه، بأقلام الأطباء تجعلنا أمام مشهد نفهم على ضوئه سياسة (الوسم) المنهجي، فصورة (العربي) أو (المسلم) هي تلك الصورة التي تحمل كل العورات الأخلاقية والخلقية، والتعامل معه على أساسها هو المرتجى والمطلوب، ومن ثمَّ حاجته على الدوام لمن يسوس أموره ويدبر شؤونه، إذ يبدو قاصرا على الدوام في النهوض بشأن نفسه وتدبير أمور حياته الاقتصادية والاجتماعية…
ولعل أخطر ما في قضية (الوسم) هذه، أن وجدنا طائفة عريضة من نخبتنا تشربت هذه الفرية، ولبست (عقدة النقص) وسارت تهرف بما لا تعرف، فعند هذه الطائفة كل ثوابت الأمة مهزوزة ومشكوك فيها، وكل ما ينسب إليها من فضائل هو من قبيل الانتحال والادعاء، وأن التخلف والحرمان والفوضى أصيلة فينا بـ(الوراثة)…
وهذا المنحى الأخير هو الذي تفطن له نابليون بونابرت يوم غادر مصر، وترك (كليبر) خليفة له عليها، وأوصاه بأن يرسل في كل سنة ما بين 500 إلى 600 من المصريين حتى يشاهدوا حضارة فرنسا وتفوقها، وإذا ما عادوا لمصر كانوا فيها (حزبا لفرنسا)، وإنها لرؤية استشرافية من نابليون، فليس هناك أخطر من تضعضع البنيان الداخلي والهزيمة النفسية، وليس هناك أخطر من تشرّب (عقد النقص) واستحباب جلد الذات، فما تزال الأمم بخير ما بقيت ثقتها في مقوماتها الذاتية، وأصلحت تصدعات جدرانها من داخلها…

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحــــــــــبُ والزينة…

يكتبه د. محمّد قماري / أتابع هذه الأيام ما يدور في وسائل الإعلام الفرنسيّة من …