أخبار عاجلة
الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | بيت المقدس عاصمـــــــة التحــــــــول الحضــــــاري (10) سيدنا داود… بيت المقدس عاصمة دولة الشهود الحضاري

بيت المقدس عاصمـــــــة التحــــــــول الحضــــــاري (10) سيدنا داود… بيت المقدس عاصمة دولة الشهود الحضاري

د.كدير مراد /

من صفات المحرر القائد الرشيد تمام صلاح النفس وقوامة السلوك ودوام الارتباط بالله شرطا لاستحقاق قيادة دولة الإسلام الرشيدة فتية التأسيس، التي كان دورها استكمال مسيرة تحقيق العبودية لله، على مستويات أعلى هي الأمة والبشرية، توحيد الأمة وحماية مصالحها، وقيادة البشرية وتمكينها من السير نحو الله. بقي سيدنا داوود منبعا للهدى كنبي مرشد لبني اسرائيل نحو الله سبحانه وتعالى فنال شرف القيادة الإيمانية العقدية وأنزل الله عليه كتابا من السماء الزبور دستورا قائدا للهدى بأمره {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}، على النقيض من تلك الرؤية البائسة لليهود ونظرتهم القاصرة المحدودة التي نزعت عن سيدنا داوود صفة النبوة وتركت له صفة الملك.
حقق سيدنا داوود غاية الاستخلاف في الأرض المضلع الثاني من مثلث الاسلام للإخراج الحضاري في الدولة التي أسسها وعاصمتها بيت المقدس، وقد كان ترسيخ نظام العدل والرحمة شرطا لتحقيق الخلافة وأساسا للملك فبه يقوى ويدوم، ومن دونه يبلى ويزول، ولو كان محققا للضلع الأول العبودية لله قال تعالى : {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِّ}. امتد ملك سيدنا داوود الراشد من عاصمة الإمامة والقيادة بيت المقدس أربعين سنة لما كان قائما على العدل والرحمة إذ يذكر لنا الله عز وجل في القران الامتحانات التي مر عليها سيدنا داوود وهو على كرسي الحكم في قصص المرأتين والغنم وصاحب التسع وتسعين نعجة، وكيف أن سيدنا داود أتاه الله الحكم والعلم لتحقيق مقصد العدل الحافظ لحقوق الرعية المعين لهم على الاخلاص للدولة بما يحقق الاستقرار ودوام الدولة حماية للمشروع الحضاري الذي كانت تقوده دولة سيدنا داود. إن الدولة هي الأداة لنزع الظلم وتحقيق الحق والاستقرار المجتمعي وحماية المجتمع ومن ميزات حكم سيدنا داوود أن الله حقق له الشدة والاستقرار بفضل الحكمة وفصل الخطاب الذي أوتيه ونتاج العدل الذي سعى لإحقاقه {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّاب* وشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}.
واستكمل سيدنا داوود في دولته الراشدة المثلث الحضاري عبر التوفيق الرباني له في حسن عمارة الكون تسخيرا وتعميرا وتسبيحا، وبما أن علاقة الإنسان بالكون هي علاقة موجودات ببعضها وأن الموجودات في أصلها تشترك في غاية وجودهت عبادة لله وتسبيحها له، فإن الله سخر لسيدنا داوود الجبال والطير تسبح معه، وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على تناغم سيدنا داوود مع الطبيعة وعالم الوجود الذي يدور حوله بل ومعرفة حقيقته ابتداء كعالم مسخر للإنسان لتحقيق غايته في الأرض تحقيق العبودية لله عبر التسبيح والإنابة أو عبر ما يعينه على تحمل مهام الخلافة في الأرض وقيادة البشرية وحماية الحق ومقارعة الباطل.
وقد كان من حسن عمران الأرض الذي حققه سيدنا داوود تسخير الله الحديد وإلانته له وهو ما قد يقابل في وقتنا قدرة الدولة على الصناعة والتمكن من التكنولوجيا بما يحقق نماءها ويهدف لبلوغ مرتبة السعة وإخراج الناس من الضيق كمقصد للعمران كما أن الله عزوجل جعل من الحديد حرفة لسيدنا داوود لصناعة السابغات(الدروع) بما يحفظ شوكة الدولة ويحمي ساكنتها ومواطنيها وهو ما يعادل تحقيق الأمن والدفاع وصناعة السلاح الحامي للأمة والوطن {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} وقد كانت هذه الصنعة المعاش الذي به يعيش سيدنا داوود وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل مما تصنع يداه قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ داود عليه السلام كان لا يأكل إِلا من عمل يديه).
لقد امتدت دولة الشهود الحضاري للإسلام في عهد سيدنا داوود من بيت المقدس لتشهد على فترة ذهبية من الهدى والعدل والرحمة والبركة وعن محطة تسخير الدولة لتحقيق مثلث الاسلام الحضاري وأظهرت لنا مكانة بيت المقدس كعاصمة للإمامة والقيادة وموضع اقتران القيادة الإيمانية العقدية والقيادة السياسية المجتمعية وكيف لتحرير بيت المقدس أن يحول أمة الإسلام من الضعف والابتلاء إلى القيادة والسيادة والريادة، فتكون بذلك بيت المقدس بوصلة حقيقية لكتابة التاريخ والسير فيه لقيادة البشرية نحو تحقيق العبودية لله والاستخلاف في الأرض وعمارة الكون وتمثل الفرد والمجتمع والدولة والأمة لهذه القيم وتحقيقها لهذه الغايات الحضارية….
يتبع.

عن المحرر

شاهد أيضاً

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (8) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

د.كدير مراد / انطلق سيدنا موسى عليه السلام ببني اسرائيل على طريق تحرير بيت المقدس، …