الرئيسية | شعاع | ماذا يُراد بالمجتمع الجزائري وما هو دورالنُّخب الراشدة مع جمعية العلــماء؟

ماذا يُراد بالمجتمع الجزائري وما هو دورالنُّخب الراشدة مع جمعية العلــماء؟

يكتبه: حسن خليفة /

في شهر سبتمبر 2014 بمناسبة انعقاد الجامعة الصيفية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين قال رئيس الجمعية الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم بالحرف وهو يقدم عرض حال سنوي، كما هي العادة، في لقاءات الجمعية مع كوادرها وأعضائها في اللقاءات الكبرى (المؤتمر، المجلس الوطني السنوي، الجامعة الصيفية…) قال بالحرف: «وجدت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نفسها، بعد عودتها، في مواجهة فشل ألمّ بمجتمع يريد أن يعود إلى ذاته، التي زرعت بذورَها جمعية العلماء، منذ أكثر من ثمانية عقود، فلا العربية تربّعت على عرشها، ولا الإسلام أخذ مكانته اللائقة به في منظومة البلاد السياسية والثقافية والتشريعية، ولا الجزائر تميزت ـفي خارطة العالم الحضارية ـ
كما تميزت حركتُها الثورية الاستقلالية، (وكما) تميّز جهادها وجهدها عن غيرها من حركات التحرير في القرن العشرين.» ثم أضاف: «وبدلا من أن يرى الجزائري استقلاله التام تجسّدَ في الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ارتد الجزائريون،على خلاف طبائع الأشياء، إلى بعث مناقشة الهُوية من جديد، و(مناقشة) لغة الشعب ومنظوماته الثقافية والتربوية، وكأنَّ جهاد الشعب الجزائري خلال ما يقاربُ القرنين من الزمان قد ذهب أدراج الرياح»(انتهى المقتبس من كلمة رئيس الجمعية).
لا شك أنها معاينة صادمة قاسية ومؤلمة… مجتمع وشعب بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال واسترداد الحرية، كانت أثمانها باهضة وغالية جدا، لم يستطع استعادة ما تجب استعادته وبالأخص «هُويته» وقيّمه، ولم يتمكّن من تدبير شؤونه على النحو المرتضَى الذي هدف إليه الشهداء والمجاهدون وتطلعت إليه فئات الشعب الجزائري بكل قوّة وحماسة.
تُرى لماذا؟ الجواب: لأن لفيفا من التغريبيين اللائكيين والشيوعيين التُّبّع، من وكلاء الاستدمار الغربي بشقيه الاشتراكــي الشيوعي ـ والرأسمالي التجاري الجشع.. وحُراس ميراثه اندسّوا ـمبكرين ـ في صفوف النخب الحاكمة، وصنعوا شبكات نفوذ قوية ومتشابكة ومعقدة، ومنعوا الشعب الجزائري، بكل الوسائل،من تحقيق آماله وتجسيد طموحاته .. أو على الأقل عملوا بخبث ومكر وغدر وخداع وتزوير، على تأجيل أحلام المجتمع الجزائري إلى حين.. أوإلى مالانهاية.
لذلك وجد هذا الشعب وهذا المجتمع نفسه أمام ما يُشبه «الانهيار» التام، والتمزّق الكبير في النسيج الاجتماعي والنفسي والعاطفي والديني، وجدَ نفسَه بعيدا عن أهدافه وغاياته ومطامحه، فلا النظام التربوي نظام جزائري ذو نفَس أصالي إسلامي، ولا المنظومة الاجتماعية الأخلاقية منظومة قيْمية ذات ركائز إيمانية ودينية، ولا النظام الاقتصادي نظام عادل منصف يحقق الرفاهية والازدهار، ولا النظام السياسي نظام يسير وفق التدبيرالشوري الحكيم الراشد المنسجم مع طبيعة الإنسان المسلم، وينضبط بضوابط الدين والإيمان والعدل والأخلاق..
بالجملة كانت الخسائر كبيرة وجسيمة.. وقد اتضح ذلك في السنوات الأخيرة، عندما زُج بالمئات من عناصر النخبة الحاكمة في السجون، وقد تكشّفت كثير من أسرار التسيير «الكوارثي» الزبائني العائلي الإجرامي الذي شجّع الرذيلة والفسوق والفساد والإفساد وحارب الفضيلة والرشاد والعفّة والأخلاق والنقاء والاستقامة والدين، بالوسائل المباشرة وغير المباشرة.
نعم يمكن القول.. ونحن ننظر إلى هذا الواقع الكئيب الذي يطبعه الانهيار.. أنه لا شيء َ تحقّق تقريبا مما يجب ُ أن يتحقق، بل على العكس من ذلك شهدنا على مدار عقود رحلة تيه وتخبّط وتجريبا لمناهج من الشيوعية الحمراء شبه الملحدة، إلى الاشتراكية المصبوغة بصبغة التغريب والفرنسة، إلى مناهج حكم وإدارة تتغير وتتأرجح وتتبدّل حسب «عقارب» الأهواء «والولاء» لدى فئات متحكّمة متغلّبة تعمل كوكيل معتمد لتيارات ونُخب حاكمة هنا وهناك، ترعى مصالحها وتقود البلاد في اتجاهات شتى، لكنها تتفق جميعها على «إبعاد»الإسلام بكل الوسائل من الحكم والانبساط.
تُرى هل يمكن الحكمُ بموضوعية على ما قدّمته الجمعية خلال السنوات العشرين الماضيات؟
وهل يمكن أن يجد الإنصاف سبيله إلى القلوب والنفوس لتدرك ـبحق ـ مقدار البذل والجَهد والجهاد والتضحية ممّا بذله الرجال والنساء الذين واللائي كانوا وبقوا أوفياء.
والأهم من ذلك هل يمكن أن ندرك أنه حان الوقت للانخراط الجدي الكلّي الحقيقي في تعزيز مكانة الجمعية وتعظيم جهودها وترسيخ ما تدعو إليه؛ لأن ذلك هو أوجب الواجبات لصيانة قيّم المجتمع الجزائري، والمحافظة على أصالته وهويته ومشروعه الحضاري الإسلامي الذي تتهدّدُه أخطار شتى من الداخل والخارج.
وأخيرا هل يمكن أن ندرك أنه بدلا من النقد الجارح القاسي، والبقاء في مقاعد المتفرجين، والاكتفاء بالملاحظة والتنظير، والكلام الذي لا يسمن ولا يغني ولا يفيد …
بدلا من كل ذلك ينبغي أن يشعر كل غيور وغيورة أن الأصل والواجب هو العمل.. العمل.. البذل.. الجهد في الاتجاه الصحيح، محافظة على أمانة الشهداء والمجاهدين ودفاعا عن الدين الذي يريد البعض ليس إبعاده فحسبُ، بل استئصال شأفته.
هذه هي الظروف التي عملت فيها الجمعية على مدار السنوات الماضيات.. وقد حققت ما حققت، مما يجب أن يُعرف ويُدعم ويُقوّى.. فهي الخيمة الوارفة الظلال والشجرة الظليلة الندية لكل الجزائريين والجزائريات، وستنتصر روح ابن باديس الطاهرة وإن طال الزمن .والله خير حافظا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نقص العافية النفسية… أو الخطر الجسيم الذي يهدد كياننا الاجتماعي

يكتبه: حسن خليفة / قد تلوح في الجملة السابقة، التي حملت عنوان هذا المقال، بعض …