الرئيسية | عين البصائر | غاب الأميرعن صلاة الاستسقاء فغابت العامة واستغنى الحكام بدنياهم عن الدين فاستغنى عامة الناس عن الاستسقاء:

غاب الأميرعن صلاة الاستسقاء فغابت العامة واستغنى الحكام بدنياهم عن الدين فاستغنى عامة الناس عن الاستسقاء:

أ. لخضر لقدي /


الشعوب تسير إثر ملوكها وتتبع من يحكمها، والناس أتباع من غلب، وهم على دين ملوكهم، فإذا صلح حكامهم صلحوا وحمد مآلهم، وإذا فسد الحكام فمن الصعب صلاح الرعية وإن صلح بعض آحادها.
وذلك أن الحاكم قدوة وبيده أدوات المكافأة وبيمينه عصى التأديب، وكما يكون قدوة في الخير فهو أسوة في الشر.
عن ابن أبي نجيح قال: (لما أُتِي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يُقلبه بعود في يده ويقول: والله إنَّ الذي أدَّى إلينا هذا لَأمين. فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنتَ أمينُ الله يؤدُّون إليك ما أدَّيتَ إلى الله فإذا رَتَعْتَ رَتَعُوا. قالَ: صَدَقْتَ.(رواه البيهقي في السنن الكبرى.وفي رواية: فقال له علي بن أبي طالب: (يا أمير المؤمنين عَفَفْتَ فَعَفُّوا ولو رَتَعْتَ لَرَتَعُوا.
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ : الرَّعِيَّةُ مُؤَدِّيَةٌ إِلَى الْإِمَامِ مَا أَدَّى الْإِمَامُ إِلَى اللَّهِ، فَإِذَا رَتَعَ رَتَعُوا.
وقد راعني وأفزعني ما رأيت من قلة إقبال الناس على صلاة الاستسقاء، ولست كاذبا إن قلت أنني لم أر مسؤولا حضر وأن بعض الأئمة لم يقيموها ولا دعوا إليها، وما بينوا أحكامها ولا هم شرحوا آدابها.
وصلاة الاستسقاء يستحب أن يسبقها صيام وصدقة واستغفار وإخلاص وتوبة جماعية من المعاصي والذنوب، ورد للمظالِم، وأداء للحقوق، ليكونوا أقرب إلى الإجابة، فالمعاصي سبب الجدب، والطّاعات سبب البركة‏، وأن يخرج الناس إلى المصلى بخشوع وتذلل وتبذل وتواضع في اللباس (التّبذّل: ترك التّزيّن والتّهيّؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التّواضع) وحبذا لو خرج الفلاحون والعمال وأصحاب المهن بلباس عملهم، ويتواضع الناس في طريقهم إليها ويكثرون من الذكر ويتحلون بالسكينة، ويحول المصلي رِداءه مع المبالغة في الدعاء.
إذا خضع جبار الأرض رحمنا رب السماء:
حدث ذات مرَّة قحط شديد في الأندلس، فأرسل عبد الرحمن الناصر( حكم الأندلس من سنة (300هـ إلى سنة (350هـ= 961م) نصف قرن كامل، وكان رحمه الله مع كل هذا السلطان وهذا الصولجان دائمَ الذِّكْر لربه سريع الرجوع إليه.
أرسل رسولاً من عنده يدعو القاضي منذر بن سعيد رحمه الله بإمامة الناس في صلاة الاستسقاء، فقال منذر للرسول: ليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة سيدنا؟ (الأصل أن يصلي الأمير بالناس)
فقال له: ما رأينا قط أخشع منه في يومنا هذا؛ إنه منتبذ حائر منفرد بنفسه، لابس أَخَسَّ الثياب، مفترش التراب، وقد رمد به على رأسه وعلى لحيته، وبكى واعترف بذنوبه، وهو يقول: اللهم إن كنت أنا المذنب فلم تعذب الآخرين بذنوبي.. هذه ناصيتي بيدك، أتراك تُعَذِّب بي الرعية وأنت أحكم الحاكمين؟! لن يفوتك شيء مني.
قال الحاكي: فتهلَّل وجه القاضي منذر عندما سمع قوله، وقال: يا غلام؛ أحمل الممطرة معك( التي تقي من المطر) فقد أذن الله تعالى بالسقيا، إذا خشع جبار الأرض، فقد رحم جبار السماء. وخرج إلى المصلى ليصلي بالناس صلاة الاستسقاء فصلى وخطب للناس ولم يغادروا المصلى إلا وقد نزل المطر لأن الوالي كان قد تاب توبة صادقة فتفاءل القاضي المنذر بن سعيد بالاستجابة لتوبة الوالي…. وكان كما قال، فلم ينصرف الناس إلاَّ عن السقيا.
انظر: ابن خاقان: مطمح الأنفس، ص103، والذهبي: تاريخ الإسلام، 25/444، والمقري: نفح الطيب، 1/573.
وأنا على يقين أن الفجر سيطلع حتما، ولأن يطوينا الزمان مكافحين أشرف من أن يطوينا راقدين، ولن يكون ذلك إلا إذا اتخذنا نبينا قدوتنا،وتمسكنا بالدين والدنيا معا،فــ «إن هذا الاتحاد الفريد الذي لا نظير له للتأثير الديني والدنيوي معًا يُخول محمدًا أن يُعتبر أعظم شخصية منفردة ذات تأثير في تاريخ البشرية». مايكل هارت في كتابه العظماء مائة.
فـــ:
لا تَخضعنَّ لمخلوق على طمع
فإن ذلك نقصٌ منك في الدين
واستغن بالله عن دنيا الملوك
ما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
ما أَحسَنَ الدين وَالدُنيا إِذا اِجتَمَعا
لا باركَ اللَهُ في دُنيا بِلا دينِ

عن المحرر

شاهد أيضاً

البقاء… لـمن يستحقه.

أ. لخضر لقدي/ من تأمل حياة الحيوان علم أن البقاء في الدنيا للأقوى والأفضل,وقد التفت …