الرئيسية | وراء الأحداث | هل سيخرج دونالد ترامب مطرودا من البيت الأبيض؟

هل سيخرج دونالد ترامب مطرودا من البيت الأبيض؟

أ. عبد الحميد عبدوس /

صوتت غالبية الأمريكيين (أكثر من 74 مليون ناخب أمريكي) لوضع حد لوجود الرئيس المنتهية ولايته في البيت الأبيض، وإنهاء الفترة الترامبية التي استمرت أربع سنوات، ورغم ظهور النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية التي جرت في الثالث نوفمبر 2020 إلا أنه يبدو أن الولايات المتحدة لم تتخلص بعد من أضرار ذلك الفيروس السياسي الذي سمم ديمقراطيتها، وسيس قضاءها، ولوث قيمها، وقسم مجتمعها… وقد تحتاج لسنوات طويلة حتى تطوي مرحلة الجنون التي ميزت حكم دونالد ترامب، لقد كشفت أربع سنوات من تولي ترامب رسميا منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن تصريحاته المتناقضة، وتصرفاته الاستفزازية، وطلباته الابتزازية وقراراته المفاجئة، ليست مجرد زلات عابرة أو خرجات منعزلة ولكنها طريقة حكم خاصة وأسلوب متبع ومتعمد في توجيهه للسياسة الأمريكية.
لم يتخل الرئيس المنتهية ولايته عن أسلوبه حتى بعد أن خسر الانتخابات، فبمجرد أن بدأت تتضح معالم هزيمته الانتخابية، أعلن بأنه سيطعن في نتائج كل الولايات التي فاز بها منافسه الديمقراطي جو بايدن، بمعنى أن المتنافس المنهزم يريد أن يفوز قضائيا بعد أن انهزم انتخابيا وشعبيا، وكان دونالد ترامب قد رفض قبل حوالي ثلاث أشهر من إجراء الانتخابات الرئاسية والتعهد بتسليم السلطة في حالة خسارة الانتخابات، وصرح بأنه لا يحب الهزيمة، مؤكدا أنه لن يقبل النتائج مقدماً، وفي شهر جوان 2020 قال ترامب في مقابلة تلفزيونية مع قناة (فوكس نيوز): «إذا لم أفز فإنني سأمضي قدما وأفعل أمورا أخرى». كان الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الأمريكي جون بولتون قد أكد في كتابه (الغرفة حيث وقع الحدث) الصادر في شهر جوان 2020 أن دونالد ترامب يظل «مهوسا بإعادة انتخابه حتى لو كان ذلك يتضمن احتمال تعريض البلاد للخطر».
استعدادا لكل الاحتمالات وتحسبا للمعركة القضائية حول الانتخابات الرئاسية، واستباقا لفصل محتمل من المحكمة العليا (السلطة الثالثة) في الولايات المتحدة في نتائج الانتخابات الرئاسية المتنازع فيها، سارع الرئيس دونالد ترامب وبتأييد من مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون قبل أيام قليلة من تاريخ الرئاسيات إلى تعيين القاضية المحافظة إيمي كوني باريت، في المحكمة العليا، واعتبر ترامب ذلك التعيين بمثابة «يوم تاريخي لأمريكا ولدستور الولايات المتحدة ولحكم القانون العادل وغير المتحيّز»، وذلك رغم المعارضة الشديدة للديمقراطيين الذين طالبوا مجلس الشيوخ بعدم البت في هذا المنصب قبل أن يختار الأمريكيون رئيسهم المقبل والكونغرس المقبل. خطوة الرئيس دونالد ترامب بتعيين القاضية المحافظة إيمي كوني باريت جاءت تدعيما لخطوات سابقة بتعيين اثنين من القضاة المحافظين في المحكمة العليا خلال عهدته الرئاسية، وبهذا بات المحافظون يتمتعون فيها بأغلبية الضعف (6 قضاة محافظين مقابل 3 ليبراليين)، علما أن هؤلاء الأعضاء يعيّنون لمدى الحياة في هذه المؤسسة الدستورية الهامة التي تصدر الحكم النهائي في المسائل القانونية الأمريكية الأساسية، ومن اختصاصها البت النهائي في الخلافات الانتخابية. لقد سبق للديمقراطيين في عهد الرئيس السابق باراك أوباما أن أجلوا البت في تعيين قاض ليبرالي في المحكمة العليا بعد رفض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين تعيين مرشح أوباما، وحينها أكد السيناتور الجمهوري ميتش ماكونيل رئيس مجلس الشيوخ بأن مجلس الشيوخ لن يؤكد أي ترشيح للمحكمة العليا من قبل أوباما، ولن يجري التصويت في عام انتخابات رئاسية احتراما لاختيار الناخبين. كان هذا الرأي الذي تمسك به رئيس مجلس الشيوخ قد صدر قبل تسعة أشهر كاملة من موعد الانتخابات، ولكنه وافق على تعيين مرشحة الرئيس دونالد ترامب لعضوية المحكمة العليا قبل ثلاثة أسابيع فقط من موعد الانتخابات الرئاسية.
أجواء من الارتباك والقلق والتوتر خيمت على الشارع الأمريكي، بسبب التشكيك في نتائج الانتخابات وإصرار الرئيس المنتهية ولايته على إعلان نفسه فائزا فيها خلافا لكل الإحصائيات والأرقام والأعراف السياسية، إذ لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن أعلن عن فوزه قبل ظهور النتائج الرسمية.
التنديد بوقاحة ترامب وسلوكه المشين تجاوز حدود الولايات المتحدة الأمريكية ودفع منظمة الأمن والتعاون الأوروبي التي شارك مندوبون عنها في مراقبة الانتخابات الأمريكية نددت في سابقة تاريخية، بتصريحات ترامب وتصرفاته الهادفة إلى وقف فرز الأصوات الخاصة بالانتخابات الرئاسية، وقال رئيس لجنة هذه اللجنة : « إنه أمر مقلق أن يطلب الرئيس الأمريكي وضع حد لفرز أصوات الناخبين وهو في البيت الأبيض ومحاط بكل إشارات السلطة ويتحدث عن انتصار مزعوم، إنه خرق فاضح للسلطة».
عدم اعتراف دونالد ترامب الرئيس الخاسر في الانتخابات بهزيمته الانتخابية لم يمنع زعماء العالم من إرسال برقيات التهاني إلى الرئيس الفائز بالانتخابات جو بايدن، وكذلك فعل الرئيس الأمريكي الأسبق الجمهوري جورج ولكر بوش، مما يظهر حجم عزلة ترامب وعدم جدوى تشبثه بأوهام البقاء في الرئاسة، وهي أوهام لا يصدقها إلا المتطرفون من قاعدته الانتخابية اليمينية ومليشيات التفوق العنصري، وجماعات اليمين الإنجيلي الصهيوني الذين يعتقدون أن الله هو من أرسل دونالد ترامب لإنقاذ الإيمان المسيحي وحماية دولة إسرائيل.
غالبية المتابعين والمهتمين بالشأن السياسي الأمريكي يعتقدون أن الرئيس دونالد ترامب الخاسر للانتخابات سيغادر مبنى البيت الأبيض في العشرين من جانفي المقبل سواء طواعية أو أن يساق مطرودا إلى الخارج من طرف حارس الخدمة السرية إذ «ينص التعديل الـ20 لدستور الولايات المتحدة، على أن أيّ رئيس يفقد ولايته في 20 يناير ظهراً، إذا حاول البقاء بعد ذلك، فإن الحارس نفسه الذي كان مكلفا بحماية صاحب المنصب الأعلى في البلاد، عليه أن يطرده».
فالمشكل إذن ليس في أطوار المسرحية التهريجية التي يمثل فصولها دونالد ترامب لإرضاء نزعته التمثيلية أو لتحميس قاعدته الانتخابية والمحافظة على وفائها وتسخيرها في مواعيد انتخابية مقبلة، ولكن المشكلة هي في مدى الضرر الذي يمكن أن يلحقه هذا الرئيس الأناني المتعجرف بأمريكا وبالعالم وهوما زال يحتفظ بصلاحيته الرئاسية طوال مدته القانونية في البيت الأبيض في قيادة أقوى دولة في العالم التي يصاب العالم كله بالصداع بمجرد أن تتحسس أمريكا رأسها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مالك بن نبـــي وفــكـــره الــذي لا يمـــوت

أ. عبد الحميد عبدوس/ في نهاية شهر اكتوبر الجاري تحل الذكرى السابعة والأربعون(31 أكتوبر 1973م …