الرئيسية | كلمة حق | هـــل الـمغــــرب العربـــي يتهـــدده الخطــــر؟

هـــل الـمغــــرب العربـــي يتهـــدده الخطــــر؟

أ د. عمار طالبي/

رأينا هذه الأيام اتجاها قويا في ليبيا الشقيقة إلى الحوار السلمي، بعدما أنهكت الحرب الشعب الليبي، وضاقت به الأرض بما رحبت، ودُمّر اقتصادها، وانشقت وحدتها، وتكالبت عليها دول الغرب، والشرق، وبعض العرب، وأصبحت مسرحا تلعب فيها هذه الدول مختلف الألعاب الماكرة، بالسلاح، والأموال، والمرتزقة الأفارقة والروس، وهم أخطر جميع المرتزقة، لأنهم مدرّبون عسكريا، ولهم خبرة في شن الحروب، واستغل هؤلاء جميعا مع الأسف الشديد هذه الأداة الغبية الوحشية وهي عصابة حفتر، الذي خرق كل دعوة للسلم، وخذلها، وأصرّ إصرارا على تدمير الشعب الليبي، استكبر استكبارا، وانقاد كل الانقياد لهذه الدول الشريرة.
يبدو الوضع الآن أنه ملّ الحرب، واستنفذت هذه الأداة قواها، وخارت عزائمها، وأصابها الفشل، فاضطرت للحوار والسلم.
ولعل هذه الاتفاقات، التي تمت في الصخيرات في المغرب كان لها أثرها، وختمت بندوة تونس، التي انتهت إلى قرارات حاسمة، وعيّنت تاريخ الانتخابات، وهذه خطوة مهمة للخروج من المأساة والأزمة الليبية.
ولكن نخشى أن لا يفي العسكريون بوعدهم في إخراج المرتزقة من البلاد، وينبغي أن يكون الاتجاه إلى تكوين جيش وطني يحرس البلاد، ويزرع السلم بين العباد، فهذه المشكلة يصعب حلها مع وجود الإصرار على استعمال السلاح، اللهم إلا إذا حرص حكماء الشعب الليبي من جميع الأطراف على وجوب إخراج المرتزقة لينعموا بالسلم الحقيقي، وبناء دولة مدنية ديمقراطية، فإن الحكم العسكري أثبت فشله من قبل، فكيف يمكن أن يعود من جديد؟ ينبغي أن يكون الجيش حارسا لأمن البلاد، وأن لا يكون ولاؤه لشخص، أو قرية أو قبيلة، وإنما يكون ولاؤه لدستور، يوافق عليه الشعب، فلا ولاء إلا إلى الوطن كله، وسيادة ليبيا الموحدة، وثقافتها وهويتها المشتركة، وذلك بعد ما رأوا بأعينهم هجوم هؤلاء الوحوش على طرابلس، وقتلهم الناس في الشارع بالجملة في بنغازي، وقتلهم امرأة شجاعة أنكرت الظلم والفساد، الذي يقوم به ابن حفتر وأنصاره، وهكذا شأن العسكر الذي يستعمل السلاح، ويقتل كل من ينهى عن المنكر، ويأمر بالمعروف والقسط بين الناس، من أجل الوصول إلى الحكم والسيطرة على مصائر الشعوب، وقد تقرر في نزعتهم أن من يملك البندقية له أن يملك السلطة، وكل شيء في البلاد، لينشر فيها الفساد والخراب.
ولكن نشاهد في هذا الأسبوع مشكلة أخرى مستعصية، وهي مشكلة الصحراء الغربية التي طال أمدها، وأصبحت عرقلة حقيقية لما نسميه الاتحاد المغاربي، ليبقى المغرب العربي مشتتا، ويبدو أن بعض الدول الغربية تعمل لإبقائها دون حل، خشية اتحاد هذا المغرب الذي يمكن أن يصبح قوة اقتصادية، وسياسية، وثقافية، تنفلت من أيدي أوروبا، التي تنفرد بكل دولة، وتفرض سياستها الاقتصادية والثقافية عليها.
ويبدو أن أوروبا وخاصة فرنسا عازمة على دوام فرض هيمنتها على دول إفريقية في الساحل وغيره، لاستغلال ثروات هذه الدول، وتركها في حالة التخلف، بالسيطرة على بعض الحكام، واستعمالهم أداة لفرض ثقافتها، واستراتيجيتها الاقتصادية على هذه الشعوب.
لذلك فإننا نتوقع أن تستعمل الحكمة في هذه المغارب، التي أعتقد أنها لا تميل إلى شن الحروب، كما شنت في المشرق، وما تزال آثارها مدمرة لم تندمل جراحها في العراق وسوريا، كما أخذت تميل إلى السلم والحوار في أفغانستان، ونرجو أن يقع ذلك في اليمن، فهذه الشرارة التي اندلعت هذه الأيام بين المغرب والبوليزاريو، نرجو أن لا تتطور، وأن يلجأ الأمر إلى الحوار، وحل هذه المشكلة المزمنة سلميا، كفانا من سفك الدماء، والاقتتال، واستنزاف الثروات، وخاصة أن حربا وحشية قد شنها الطاعون على العالم، وأخذت لا تبقي ولا تدر على الأرواح، في كل أنحاء الأرض، فمن الحكمة أن لا نلجأ إلى حرب أخرى تنضم إلى حرب هذا الجرثوم، إن هذه الحرب الجرثومية قد توصل البحث العلمي فيما يبدو إلى لقاح يعالجه، ولكن هل هناك لقاح ينهي الحروب، وينشر الأمن بين البشر في هذا العالم البيئي؟ الذي تكاثرت الحروب في أرجائه، والمظالم في أنحائه.
ندعو الله أن يعمنا السلم والأمن.

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل مجرد تعديل الدستور يكفي؟

أ د. عمار طالبي / يظن بعض الناس أن مجرد تعديل الدستور، والموافقة عليه يحدث …