الرئيسية | في رحاب الشريعة | مستقبل المسلمين في خطر من الدسائس الأجنبية والفوضى الداخلية

مستقبل المسلمين في خطر من الدسائس الأجنبية والفوضى الداخلية

الشيخ محمد مكركب أبران/

 

من تأمَّل واقع الأمة العربية الإسلامية في مشرقها ومغربها، وما تعانيه من شدة الأزمة المظلمة في سياستها واقتصادها وأخلاقها، خشي على مستقبلها، وعلم أنها في خطر خطير، لما أصابها من خلل كبير، فإذا حدث تماس بين قرون العناد، أو انزلاق في متاهات فوضى الفساد، فستحل فتنة القرن على العالم الإسلامي، وحينها لاينجو مُطَبِّعٌ ولا مُداهِنٌ مع الغادر، ولاتابعٌ بالولاء لأي كافر، فالوضع في هذه البلدان من مشرق ومغرب ليس على ما يرام، وليس على ما ينبغي أن يكون عليه السير إلى الأمام، إن أردنا التقدم في أمن وسلام.
وهذه الكلمة لنا جميعا، وهي لأولي الأمر بالخصوص، فبيدهم القرار، وهم أول من يسأل عن هذه الأخطار، إذ أن كل ذي فكر رشيد ورأي سديد، يقف الآن حائرا متأملا متدبرا، ويتساءل عن مسيرة الأمة إلى أين؟؟ وهي تسير في غير الاتجاه الصحيح، أعني الأمة الإسلامية، والجزائر جزء منها. وسيشعر هذا المتأمل ويحس بالمسئولية الثقيلة إن كان له إحساس، ويتساءل عن مصير الدول المسلمة في الوطن الإسلامي، التي كان من المفروض أن تكون دولة واحدة مركبة ومتحدة، وعلى الأقل فلينهض ولاة الأمور على مستوى الوطن الخاص، كالجزائريين على مستوى الجزائر، على مستوى: إقليمها، وشعبها، وثرواتها، وتربيتها، وأخلاقها، وإن أولي الأمر في الجزائر وفي غير الجزائر سَيُسألون عن الاستمرار في الغلطات والخطيئات، وسيُوقَفون يوم القيامة ويُسألون عن الأمانات. قال الله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
إنهاالكلمة الواجبة علينا تذكيرا بما يجب أن تكون عليه الأمة في سيرها نحو المستقبل، من أجل حفظ مستقبلها، وضمان دوام سيادتها. وكما هو الواقع متشابه بين حالات كل الشعوب العربية، فإن الكلمة تذكير عام، في همسات رجائية، وتنبيهات تحذيرية، فنقول: إن أسباب الأزمة الضاربة أطنابها في أعماق وجوانب ومداخل هذه المجتمعات العربية المسلمة هي أسبابٌ واحدة متشابهة، من عادات سلبية نبتت في جاهلية الفكر، وتغلغلت في مستنقعات الفساد، هنا وهناك وهنالك. لهذا قلنا: إن مستقبل الأمة في خطر، بل في مواجهة أخطار.
الخطر الأول: الانقسام والنزاع الداخلي الذي مانجا منه شعبٌ من هذه الشعوب، إما نزاع سياسي، أودعوي فكري، أونزاع حزبي طائفي. وهذا الانقسام والنزاع الداخلي قديم موروث من عصبيات عرقية قبلية ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن هذا النزاع الموروث استفحل في هذه العقود الأخيرة، وصار يهدد الأمة ليس بالتخلف فقط، ولكن بالهلاك الذي لايبقي سيادة ولا كرامة. ودلت نتائج دراسات العلم السياسي وأظهرت بوضوح أن السكوت عن هذا الانقسام والنزاع، ليس أمرا عاديا، ولايُعقل دوامُه، وهو خلل خطير في جسم الأمة، وبسببه لاتزال تتآكل من الداخل، كما يفعل المرض المزمن بالجسد. وأثبتت تلك الدراسات أن القوة المناعية في الأمة هي في التآلف الحقيقي بين كل أبنائها، ولنكون على علم أن التآلف الحقيقي والأخوة الصحيحة والاتحاد التعاوني الذي أمر الله تعالى به هو ما قام على الإيمان، والاحتكام إلى شريعة القرآن.أما قرأتم قول الله تعالى؟:﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أما قرأتم قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
الخطر الثاني: هو المتمثل في الدسائس والمكائد التي يُحِيكها الكافرون بواسطة أتباع لهم، أولئك الأتباع الذين اتخذوا بعض الكافرين أولياء، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ فالرُّكُون إلى الكافرين كفر، كما هو الركون إلى الظالمين ظلم. والخطر الذي ننبه إليه ونحذر منه هو ما حذر الله تعالى منه في قوله عز وجل: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً﴾ فماذا يريد الكافرون من المسلمين؟ يريدون منهم أن يعودوا إلى الكفر والإباحية، وأن يظل المسلمون مستهلكين لما يصنعه الكافرون، يتحكمون في رقابهم بالتهديد بالقنابل الذرية والهيدروجينية والبوارج الحربية، والصواريخ، كما يهددون المسلمين بالحصار الاقتصادي، وابتدعوا تهديدا جديدا في هذا العصر، هو التهديد بالتنظيمات الإرهابية، تنظيمات يقيمون مراكزها حيث شاءوا ويلوحون تهديدا بها.
الخطر الثالث: دوام سياسة الاستبداد، إما عن غفلة أو عناد، وما يقابلها من المعارضة بين الخلاف والانسداد، واختلاف النظر بين أصحاب القرار، في الطريقة والوسائل والمناهج التي يجب العمل بها، وظل المجتمع يراوح مكانه، بل إن تأخره إلى الوراء أكثر من تقدمه إلى الأمام، وظل مصير الأمة لعبة بين نزوات سياسية وهرطقاتحزبية.الخطر الرابع: فساد المنظومة التربوية، والإصرار على تجهيل وتغريب الجيل، وإبعاده عن الثوابت والأصول الدينية المسلمة، وتجريده من الشخصية الوطنية الإيمانية، وذلك بأيد تعمل على انتشار وترسيخ القيم الأجنبية، واللغة الأجنبية والثقافة الأجنبية، ثم إبعاد المدرسة عن التعليم الحقيقي، لتظل بلا مستوى ولا مقاصد..فما هو الحل؟ وإن شئتم ما هي المحاور التي نرى أن يدور حولها النقاش والتدير والتفكير، لضمان حسن السير والمصير.؟ الأمر الأول: اللقاء التحاوري بفتح الصفحات البيضاء وغلق السوداء: أن يجتمع أعيان الأمة تحت إشراف علمائها، بنية التخلي عن كل الخلفيات المثبطة المتعلقة بالعادات والعصبيات، والانطلاق من الأصول الجامعة للأمة: أصل النسب الآدمي الذي يجمع النسب البشري، وأصل الدين الإسلامي الوحيد الذي شرعه الله تعالى، ليتعاون المؤمنون وهم معتصمون بالكتاب، وأصل وحدة الأرض التي تمثل السفينة التي نركبها ونحافظ عليها، لِنَعْبُرَ محيط الدنيا إلى الجنة بسلام. وإن لم يتفق المسلمون جميعا، في كل البلدان العربية الإسلامية، على الاجتماع والتلاقي والتعاون، فليكن الكلام عن شعبنا، وبلدنا والله المستعان. الأمر الثاني: يجب التخلص من التبعية لغير المسلمين: الدعوة إلى الاستقلال السياسي عن التبعية لغير المسلمين، وليتخلص الْمُعَقَّدُون من عقدة الخوف من الكافرين، الذين قال الله تعالى عنهم:﴿فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ليعلم السياسيون وكل الحكام في البلدان الإسلامية أن الكافرين لاينفعون المؤمنين في شيء أبدا، مهما تنازل المؤمنون لهم، كما أنهم لا يستطيعون ضرهم أبدا مهما بلغت شوكة الكافرين، وهذا إن كان المؤمنون مؤمنين حقا، وكانوا متحدين في صدق وإخلاص، غير متنازعين، وغير منقسمين. قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أما تصدقون الله تعالى؟ وعلى المؤمنين أن يتخلصوا من عقدة: الخوف من الحصار الاقتصادي، والخوف من عدم القدرة على الاكتفاء الذاتي، فالله يرزق كل كائن حي يتحرك باتباع الأسباب، متوكلا على العزيز الوهاب، فيفتح له الأبواب. ونحن نؤمن بالله العزيز الحكيم، ونؤمن بالقرآن العظيم، والله تعالى قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾. الأمر الثالث: الانطلاق من القوة الذاتية بالتوكل على الله: وذلك لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ويمكن أن يكون الانطلاق ذاتيا في كل الميادين، أي يمكن أن يكفي الشعب نفسه بفضل الله تعالى، ولسنا في حاجة ماسة إلى الكافرين، إذا علمنا كيف ننطلق وكيف نخطو الخطوات بالسر، والحكمة، والأمانة. فبالإرادة الخالصة اليقينية بالاعتصام بالله، والصدق والأمانة والعزم بالتوكل على الله، سنقيم دولة قوية يتحقق فيها الاكتفاء الذاتي في كل الضروريات. فأين الإرادة السياسية؟، وأين الأخوة الدينية؟، وأين الشهامة والرجولة والبطولة الإيمانية؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفةالقضية والمنهج 1

أ: نورالدين غزغوز /   الحمد لله رب العالمين، حمدا يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، …