أخبار عاجلة
الرئيسية | أعلام | الجزائر تفقد أحد رجال العلم والعمل والصلاح تأبين الشيخ الأستاذ موسى زوزو (المدعو أحمد زوزو)

الجزائر تفقد أحد رجال العلم والعمل والصلاح تأبين الشيخ الأستاذ موسى زوزو (المدعو أحمد زوزو)

أ. د. ناصر الدين سعيدوني/

 

في صبيحة يوم الأحد الثامن عشر من شهر أكتوبر 2020 وافت المنية أحد رجالات الجزائر البررة العاملين المخلصين الذين جمعوا بين العلم والصلاح والإرشاد، الشيخ الأستاذ موسى زوزو المدعو أحمد زوزو، الذي أسلم روحه بمنزله بقسنطينة، بعد حياة حافلة بالعطاء في مجال التعليم والتربية، وبعد مرض عانى منه سنوات طوالا. وبرحيله تفقد الجزائر أحد أبنائها الأوفياء المجتهدين، وأظنه –إن لم أخطئ –آخر أساتذة معهد عبد الحميد بن باديس الذين رحلوا عنا بعزة وإباء وصمت.

لقد ربطتني بهذا الشيخ الفاضل والعالم المتواضع صلة مصاهرة، فكان زوجا لإحدى أخواتي، فأنا خال أبنائه البررة من ذوي المهن النبيلة والشهادات الجامعية، حفظهم الله وجعلهم نعم الخلف لنعم السلف.وكانت صلتي به وثيقة تتعدى العلاقة العائلية، فقد كنت حظيت بالدراسة عليه مدة سنتين بمعهد عبد الحميد بن باديس (1955 – 1956)، وأثناء ذلك خبرت فيه طيب السريرة وحسن وسمو الأخلاق؛ فجاز لي، بل توجب عليّ أن أسجل في حقه هذه الكلمة المتواضعة والشهادة الصادقة تعريفا بجهاده في مجال التربية والتعليم، وإقرارا لمكانته وجهوده خدمة للوطن وثوابته والمواطن ومصلحته.
لقد وُلد الشيخ الأستاذ موسى (أحمد) بن عمار زوزو بمسقط رأسه بناحية شيبون في إقليم بلدية سيدي معنصربالأوراس الأشم يوم 23 فبراير 1925 (حسبما هو مثبت في سجلات الحالة المدنية)، من أسرة كريمة عُرفت بالصلاح والتقوى، وكان أكبر إخوته، منهم الأستاذ الجامعي المعروف عبد الحميد، المجاهد في جيش التحرير ثم الضابط في الجيش الوطني الشعبي المرحوم أبو بكر، والسيد الهاشمي المقيم بفرنسا.
حفظ الفقيد القرآن الكريم، وتلقى مبادئ اللغة العربية وأساسيات الفقه بزاوية ابن عبد الصمد مقتديا بسيرة أبيه الشيخ عمار -رحمه الله – قبل أن يواصل مشواره العلمي بالجامع الأعظم بتونس (الزيتونة)، فنال شهادة الأهلية (جويلية 1947)، ثم حاز إجازة التحصيل في العلوم (13 نوفمبر 1950) بتفوق، وقد أسرّ لي يوما أنه كان فخورا بالجائزة التي قدمها له الأستاذ أحمد توفيق المدني والتي تمثلت في كتابه بعنوان «محمد عثمان باشا» والذي صدر في أول طبعة عام 1937.
بعد استكمال دراسته انخرط الشيخ الأستاذ في العمل التربوي الذي كانت تقوده رغم ضيم الاستعمار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فعُيّن مدرسا بمدرسة الحياة بمدينة جيجل، تلك المدرسة التي وضع حجرها الأساسي يوم 8 مارس 1933 بحضور الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، واكتمل بناؤها بتضافر جهود المصلحين والمحسنين من أعيان مدينة بجيجل وفي مقدمتهم الشيخ محمد الطاهر ساحلي (الجيجلي)، وبلقاسم بن خلّاف، والطاهر بن خلاف الذي تبرع بمنزل اتخذ مقرا للمدرسة في انتظار اكتمال بنائها (1940).
درّس الشيخ الأستاذ أحمد زوزو بمدرسة الحياة بجيجل في مستهل مشواره التعليمي مدة سنتين (1952 – 1953)، فأدى رسالته على أحسن وجه مع رفاقه من المعلمين الأحرار المنتسبين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نذكر منهم: عمار مزرق (بن زقيوة)، ومصطفى عبادة، وعبد القادر بن طبيبل، وعلاوة بوروح،وصالح بوغزال، وعبد الحق عبد المجيد، وغيرهم من الأساتذة العاملين المخلصين.
ومن صدف الحياة الجميلة وأسرار القدر أن تكون زوجتي، والتي صارت في وقت لاحق إحدى المعلمات في مدرسة الحياة، من تلميذات الأستاذ الشيخ أحمد زوزو في بداية مشواره التعليمي، وأن يخصها بعطفه واهتمامه لتفوقها، وكانت هذه الصدفة من العوامل التي مهدت لارتباطي بها كزوجة كريمة فاضلة.
بعد تجربته التعليمية الأولى بجيجل، التحق الشيخ الأستاذ أحمد زوزو بمعهد عبد الحميد بن باديس مدرسا، واستقر بمدينة قسنطينة، وارتبط بالزواج مع إحدى أخواتي كما سبقت الإشارة. وأثناء ذلك تعمّقت صلتي به، ومن الذكريات التي تحضرني أنه رافقني إلى كتابة معهد ابن باديس للتسجيل في السنة الثانية، بعد أن تحصلت على الشهادة الابتدائية من مدرسة التربية والتعليم (1955)، وأنني التقيت أثناء إجراءات التسجيل بأمين سر المعهد الكاتب والأديب الشهيد أحمد رضا حوحو (1911 – 1956) الذي لا زالت صورته، وخاصة نظاراته وطريقة كلامه، راسخة في ذهني…
درست في المعهد على أساتذته الأفاضل ومنهم الأستاذ الشيخ أحمد زوزو الذي درست عليه عدة مواد منها البلاغة والإنشاء، فكان نعم المعلم تلقينا وإرشادا، وكان حريصا على الدقة في استعمال اللغة العربية بطريقة فصيحة راقية… وفي تلك الأثناء لمست فيه مشاعر الوطنية العميقة، والإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع بالعروبة والإسلام، كما خبرت فيه تفانيه في أداء مهمة التعليم والتربية.
كانت الجزائر آنذاك ثائرة على الاستعمار الفرنسي متحفزة لاسترجاع سيادتها وهويتها، ولأن أساتذة المعهد كان يُنظر إليهم كمحرضين على الثورة، لم يطل الأمر حتى أُلقي القبض على الشيخ الأستاذ أحمد زوزو، وتعرض للتعذيب الشديد بتهمة تشجيع الشباب على الثورة. وقد أصبح معهد ابن باديس الذي ارتبط بعض أساتذته بالعمل الثوري، وفي مقدمتهم إبراهيم مزهودي (1922 – 2010)، مستهدفا خاصة بعد توتر الوضع بقسنطينة في بداية عام 1956 عقب مقتل محافظ شرطة الدائرة الثانية جان سمارسيلي(Jean Sammarcelli) (29 مارس 1956) على يد مجموعة من الفدائيين.
بعد أن أقدمت الإدارة الاستعمارية على إغلاق المعهد وملحقاته في خضم هذه الأحداث،أتممت دراسة السنة الثالثة بـ»دار الطالب»، في حين بدأ أساتذة المعهد وطلبته يتفرقون، لكل واحد منهم وجهة هو موليها. وهكذا اضطر الشيخ الأستاذ أحمد زوزو إلى الهجرة إلى فرنسا تجنبا للاعتقال والاغتيال على يد غلاة الاستعمار الذين اغتالوا العديد من خيرة علماء الجزائر، وحسنا فعل لحاجة الجزائر المستقلة برجال من طينته ،يحفظون هويتها و يذودون عن ثوابتها.
لم يعد الشيخ الأستاذ أحمد إلى قسنطينة إلا عشية الاستقلال ليستأنف عمله التربوي ومهمته التعليمية،إذ عمل أستاذا بعد استرجاع السيادة الوطنية بثانوية خزندار بقسنطينة، وبعد سنوات عديدة من العطاء أُحيل على التقاعد ليواصل مشوارا آخر لا يقل أهمية ونبلا عن رسالته التعليمية، حيث أقرته وزارة الشؤون الدينية والأوقاف إماما وخطيبا بجامع الاستقلال بالكدية (قسنطينة)، فأثار بدروسه ومواعظه وإرشاداته الهمم في النفوس و الوعي في العقول، فكان نعم المنافح عن ثوابت الجزائر الحضارية من إسلام وعروبة وأصالة وتشوق إلى التحرر والرقي، لكن مرضا عضالا ألمّ به واشتد عليه في بداية مشواره الجديد، فألزمه الفراش وأقعده عن النشاط، ومع أن المرض كان شديد الوطأة عليه عانى منه خمسا وثلاثين سنة كاملة، إلا أنه كان صابرا محتسبا متبتلا يقضي وقته في الصلاة والذكر والتدبر وتلاوة القرآن.
لقد كان الشيخ الأستاذ آخر أساتذة معهد عبد الحميد بن باديس ممن تتلمذنا عليهم وتعلمنا منهم، نذكر من بينهم الأساتذة الشيوخ :أحمد حماني، وعبد الرحمن شيبان، ومحمد الميلي، وأحمد بن ذياب، والطاهر سعدي حراث، ونعيم النعيمي، وعمر جغري، وأحمد بوروح وعلي الساسي .دون أن ننسى من درسنا عنهم بمدرسة التربة والتعليم ،وفي مقدمتهم الشيوخ الأساتذة عبد الحفيظ عشّي، وصالح ميمش، والصادق حماني، وإذ نذكر هؤلاء فإننا نتذكر من خلالهم علماء الجزائر ومصلحيها الذين غادروا إلى دار الحق الواحد تلو الآخر، والذين كانوا نجوما مضيئة بعملها وعلمها وجهودها، انطفأت تاركة سماء الجزائر وقد اكتنفتها الظلمة وخيمت عليها الكآبة. انسحبوا في صمت مطبق وتجاهل تام، في بيئة تنكرت– إلا من رحم ربي –للماضي ورجاله المجاهدين النافعين بعلمهم وإرشادهم، ولم يشفع لهم أنهم كانوا أساس بناء الجزائر المستقلة وترسيخ هويتها ،عملوا و ناضلوا في تواضع وهدوء وصمت، في وقت عجّت فيه وسائل الإعلام بأخبار تافهة لا تغني ولا تسمن، وباستعراضات ظرفية زائلة همها تسليط الضوء على بائعي المبادئ بثمن بخس، حتى أن المرء ليقف حائرا يكاد يظن أن شعلة النهضة الجزائرية التي عشناها في شبابنا قد خبت، وأن رجال العلم النافع لم يعد لهم وجود في عالمنا التائه والمتنكر لقيمه وثوابته، حقا إنّ الجزائر في أحوالها عجب…
إن جهود رجال جمعية العلماء والنتائج التي حققتها وإن تمت محاصرتها و تحييدها ظرفيا، تؤكد لنا إن نهضة الجزائر المعاصرة لن تبنى بل لن تكون إلا بالرجوع إلى أفكار رجال الإصلاح والعلم الذين كانوا رواسي ثابتات تحطم عليها المشروع الاستعماري، قبل أن يتمكن وكلاؤه الذين احتكروا الوظائف وفرضوا أنفسهم أوصياء على الأمة من مواصلة خططه الهدّامة لتغريب الشعب الجزائري، بعد أن أهملوا لغته الحضارية وجمدوا العمل بها، وخلقوا لها ضرة وهمية للتمكين للغة أسياد الأمس، ليصلوا للهدف الحقيقي وهو المساس بعقيدة الشعب بحجة حرية المعتقد والتعدد في الرأي لتحطيم الأساس الذي تقوم عليه بنية المجتمع الجزائري وهو العقيدة الإسلامية التي حررت الجزائر وأعادت لها سيادتها.


إن غياب هذا العالم العامل عنا في هذه الظروف، تفرض علي أن أضمن هذه الكلمة مواقف وانطباعات عنه، تقر بمكانته وتكون شهادة على واقع عاشه ولازلنا نتأثر به، نجملها، فيما يلي:
– إن الشيخ الأستاذ أحمد زوزو ورفاق دربه كانوا رجالا يحملون ضمير وآمال جيل نهضة وانبعاث الأمة الجزائرية، اتصفوا بمواقف ثابتة، وأسهموا بأعمال لولاها لانطفأت جذوة الهوية الجزائرية الأصيلة، ولم يستسلموا رغم إبعادهم عن دوائر القرار والتأثير وتجاهلهم، واستصغار مكانتهم من قبل من احتكروا الحكم وأقصوا طاقات الأمة الحيّة.لكن ذلك لم ينل منهم، فظلوا مثلا وقدوة بمثابرتهم على العمل في أداء رسالتهم الخالدة المتمثلة في التعليم والتربية والإرشاد، دون تطلع لتحقيق مصلحة ذاتية ومكاسب مادية، فقد كان همهم الوحيد تربية النشء وتوعية الأمة، آثروا الذكر الحسن الخالد على المكاسب الزائفة الزائلة.
– عاش هؤلاء الرجال مناضلين مؤمنين برسالتهم المتمثلة في بناء جيل واع محصن مؤمن بشخصيته وثقافته، متمسك بأصالته. وقد كان الشيخ الأستاذ أحمد زوزو مثالا حيا وقدوة لكل من يسعى لخدمة الأمة الجزائرية العربية المسلمة؛ كان إيمانه عميقا بروح الحضارة العربية الإسلامية التي عبّر عنها في مواقفه وسلوكه، ورأى أن الإسلام عقيدة راسخة في الشعب الجزائري لا وجود له دونها اعتقادا ومعاملة وسلوكا، بحيث لا يمكن أن تقوم قائمة للجزائر دون الإسلام شاء أم أبى مدعو حرية الرأي لتكون مدخلا لنسف الهوية الجزائرية. كما اعتبر الشيخ الأستاذ اللغة العربية التي كرّس حياته من أجل تعليمها ونشرها، لغة القرآن والحضارة وعامل انتماء يتجاوز العرق والقومية،وتفانى في تعليمها للنشء وسعى لغرس حبها والاعتزاز بها وتقديسها لدى الطلبة،معتبرا ذلك من تمام الإيمان وحسن الاعتقاد، فهي الرابطة الجامعة والواصلة التي تحفظ مآثر الماضي وتؤسس لأمجاد المستقبل، وهذا ما لم يهضمه دعاة الإبقاء على هيمنة الفرنسية التي كرستها الإدارة المتفرنسة وتمسك بها البيروقراطيون الذين يمثلون الاستمرار المادي للاستعمار في أبشع صوره.
– لم يكن إيمان الشيخ الأستاذ بمكانة الإسلام والعربية منفصلا عن إيمانه بوحدة الوطن والشعب والتاريخ والمستقبل، وهو ابن الأوراس الأشم الذي أراد له بعض وكلاء الاستعمار الجديد أن يتنكر لجهاده من أجل إعلاء كلمة الله العليا ولغة القرآن الخالدة؛ فكان يشتكي في أحاديثه معي في العديد من زياراتي له في سنوات مرضه من ألم يعتصر قلبه لما أصاب العالم العربي والإسلامي من مذلة وهوان، مبديا خيبة أمله من جراء الأوضاع التي آلت إليها الجزائر المستقلة، بعد أن كرّست في واقعها الاستعمار الثقافي الفرنسي من خلال تحالف جماعات النخب الاندماجية مع أساطين الإدارة المعادية للعربية والمتحسسة من الإسلام والمتماهية مع كل ما هو فرنسي وإن رفعت شعارات ثورية جوفاء لا ينخدع بها إلا المغفلون والسذج …
– كان الشيخ الأستاذ أحمد زوزو من المثقفين ذوي الملكة الأدبية والمقدرة اللغوية التي قد لا يضاهيه فيها إلا قلة من محبي العربية المالكين لزمامها؛ كما كان من الفقهاء المجددين الداعين لتأصيل العقيدة في النفوس دون انغلاق وتعصب وغلو، فهو الذي كان يؤكد في خطبه بأن «العلم هو شقيق الدين، فالدين ساد أوائلنا فحيوا حياة كريمة عزيزة، وحملوه إلى أطراف المعمورة، فعرفت الإنسانية الاستقرار والطمأنينة، وعاشت سعيدة ردحا من الزمن، وبالعلم بلغت الأمم ما بلغت من الرقي والحضارة والقوة، لكنها انحرفت بهذا العلم لأنه علم بغير أخلاق، فأصبح في يدها أداة هيمنة وغطرسة وفتك بالأمم الضعيفة.»
كما تلمس هذه الروح الإصلاحية في دروسه عندما كان مدرسا بالمعهد أو في خطبه عندما أصبح إماما وخطيبا بمسجد الاستقلال بقسنطينة. ولأخذ مثال عنها نقتبس مقاطع من خطبة له بمناسبة يوم العلم عام 1982، ذكر فيها بجهود الإمام عبد الحميد بن باديس، وحملها معاني ودلالات لإصلاح حال المجتمع الإسلامي، وتشير إلى صفات الرجال الذين نحن في أشد الحاجة إليهم اليوم:
«إن الشيخ عبد الحميد بن باديس تجمع فيه ما تفرق في رجال عديدين، فهو عالم نحرير وأديب شهيد وكاتب شاعر، وخطيب مفوّه وصحافي بارع وأستاذ مقتدر ومصلح ومرب، وسياسي محنك، هذه الأوصاف الموزعة على أشخاص تجمعت في شخص عبد الحميد بن باديس، وأعطى لكل صفة من هذه الصفات حقها من غير أن تجور الواحدة على الأخريات، وفاق الكل بالإخلاص، فإن كان العلماء ورثة الأنبياء، فهم من طراز عبد الحميد بن باديس الذي ربى هذا الشعب تربية إنسانية إسلامية عربية قرآنية محمدية وطنية، لم يَرْهب إلا الله، ولم تأخذه في الله لومة لائم حتى لقي ربه، وأنه إن شاء الله من الذين باركهم ربهم بقوله: يا أيتها النفس المطمئنة…»
كما تأسى في خطبته هذه على حال المسلمين وتخاذلهم عن قضية فلسطين والقدس بهذه العبارات التي لا تزال ترن في الآذان و تعبر تعبيرا صادقا عن زمن الردة والاستسلام الذي نعيشه ، و هي تعبر عن واقعنا اليوم بعد مرور قرابة أربعين عاما على إلقائها، ومما جاء فيها: : «إن هذه الأرض المقدسة ومسجدها وأهلها يتعرضون اليوم أكثر من أي وقت مضى للدمار والخراب والفناء، فالأرض تُهوّد وأبناؤها يُذبّحون ويُقتّلون جماعات حتى وهم في الحرم داخل المسجد، ويُسجنون بالمئات ويُطردون بالآلاف، ومسجدها يُحرق مرة ويُخرب مرة ويُنتقص منه وتُطمس معالمه طورا والمسلمون ينظرون ولا يحركون ساكنا، يا الله للمسلمين ماذا دهاهم وماذا أصابهم حتى فقدوا أوصافهم وخصائصهم من الرجولة والبطولة والهمة وإباء الضيم والنجدة التي كانت شعار سلفهم… لا يقرؤون الآية الكريمة: «ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.» ما هو الوهم الذي استحكم فيهم وهم كثرة يفوقون أعداءهم الغاصبين بمئات الملايين… ألا يعرف المسلمون أنهم أُتوا من عدم التناصر، مما جعل العدو ينتقص من أطرافهم ويلتهمهم واحدا واحدا، ولو اجتمعوا مخلصين متآزرين لقضوا على عدوهم ونكص على عقبيه مذموما مدحورا…».
قد يبدو المستقبل في ظروفنا الحالية مقلقا بل ملغما بخطط المخططين في الخارج ومكائد الكائدين في الداخل، على أن الأمل يظل قائما ما دام هناك شباب واع يتصف بالصبر والمثابرة والعمل والسير على درب الرجال المصلحين من أمثال الشيخ الأستاذ أحمد زوزو، لأنه ليس هناك إمكانية أو خيار آخر، للمحافظة على الشخصية الجزائرية والحيلولة دون انهيار سد الثوابت الحضرية ممثلة في الإسلام و لغة القران،فإذا انهار هذا المنيع لا قدر الله، فسوف يكون الطوفان الذي تغرق مياهه الجارفة الجميع دون تمييز، وعندئذ لن ينفع ندم المتخاذلين وحسرة الغافلين وخطط المتواطئين.
وفي الأخير ندعو لأستاذنا وأخينا وصهرنا بالرحمة والغفران، تغمده الله برحمته في رياض الجنة، وألهم أهله الصبر والسلوان.وجعله مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
بوزريعة ـ الجزائر، في 20 أكتوبر 2020

عن المحرر

شاهد أيضاً

بذل الوسيلة وغرس الفسيلة في تراجم علماء المسيلة / أبو علي الحسن بن رشيق المسيلي (تـ 456 هـ):

د. زوبير بعلي / /ـــــــــ/ نشأته وشيوخه هو أبو علي الحسن بن رشيق المسيلي المعروف …