الرئيسية | في رحاب الشريعة | وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

الشيخ محمد مكركب أبران/

مما دأبت عليه المجتمعات وهو أساس، ومن ضروريات الحياة المجتمعية في تنظيم وضبط العلاقات، ورسم القواعد والمبادئ والمقتضيات، في بناء الدولة المتكاملة الأركان الثابتة البنيان، كتابة وثيقة كعهدة ميثاق شاهد على ما يجب أن يتعارف عليه القوم المنتمون إلى المجتمع، وما لهم من الحقوق، وما عليهم من الواجبات، وتتضمن الوثيقة المبادئ الضامنة للمصلحة العامة للدولة، بما فيها بيان نظام الحكم، وأجهزة المؤسسات العامة القضائية والاقتصادية والتربوية والدفاعية، هذه الوثيقة أطلقوا عليها اسم {الدستور} الذي هو في المجتمعات الإسلامية بيان لطريقة العمل بأحكام الدين: إيمانا، وشريعة، وأخلاقا.
1 ـ مفهوم أو مصطلح الدستور؟
الدستور كلمة تطلق على وثائق تنظيم وضبط شؤون الإدارة العامة، ففي المجتمع الفارسي القديم (مثلا) كانت كلمة دستور تعني الدفتر الذي تكتب فيه أسماء الجند، والذي تجمع فيه قوانين الملك، وكانت كلمة دستور تطلق على الوزير. كما استعملت كلمة الديوان، والألواح، عند اليونان والرومان، وانتقلت إلى المجتمع التركي والعربي باستعمالها في معنى القانون العام. أما كلمة الدستور اصطلاحا، فهي أنه: مجموعة الأحكام التي تبين شكل الدولة، ونظام الحكم فيها، وسلطاتها، وطريقة سير وعمل هذه السلطات: القضائية والسياسية والتنفيذية، وتبيان اختصاص كل منها، ثم تبيان سير المؤسسات، وحقوق الأفراد، وواجباتهم.
وتُصَدَّرُ وثيقة الدستور في ديباجتها بالمبادئ العامة والثوابت التي تحدد السياسة العامة للأمة. ويعتبر الدستور عند الذين يعملون به أنه ميثاق القوانين السارية في الدولة، أي أن الدستور أساس هذه القوانين، وبه يتم تأصيل سير وتسيير الدولة في الشؤون الدنيوية.
الدستور في المجتمع الإسلامي:
الأصل أن الدستور في المجتمعات الإسلامية هو: الشريعة الإسلامية، فهي الدستور الأساس للمسلمين: كما تبين مما سبق، فكل ما يوافق هذا الدستور (الشريعة) فهو صحيح، وكل ما يخالف هذا الدستور (الشريعة) فهو باطل، مهما تغيرت الأزمان وتطورت الآراء في التشريع؛ لأن الشريعة جاءت من عند الله على لسان رسوله لِيُعْمَل بها في كل زمان وكل مكان، فتطبيقها ليس محدوداً بزمن، ولا مقصوراً على أشخاص، ولا أجيال أو أجناس،.
لماذا؟ لأن الأمر الذي أجمع عليه المسلمون هو: أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام: ومعنى هذا أن النظام الأساس الذي تقوم عليه الدولة في قضائها واجتماعها واقتصادها وسياستها وتربيتها، هو الإسلام، وأن الإسلام هو المصدر الذي تأخذ عنه قوانينها وتدابيرها ومخططاتها، والمرجع الذي تنتهي إليه عند المحاجة والحوار، والحاكم الذي تحتكم إليه.
ومن ثم يمكن أن نقول: إن وثيقة الدستور في الإسلام هي مجموعة القواعد والأحكام العامة التفصيلية المنصوص عليها في القرآن الكريم، والسنة النبوية، تلك الآيات والأحاديث التي تنظم المبادئ الأساسية، للإدارة العامة للدولة، ومن بين ما يجب تفصيله في الدستور: واجبات الرئيس، ونائب الرئيس، وكل وزير، بالتحديد الذي لايترك مجالا للتأويل أبدا. ولا تحمل المواد الدستورية غموضا، أو تحفظا، أو استثناء، أو إحالة، ولا مادة تفتقر إلى أخرى في البيان، لأن الدستور أوامر محددة، وبيانات مقيدة، ومبادئ مسددة.
من يجمع ويرتب ويكتب الدستور؟
يتولى وضع وترتيب وكتابة المواد الدستورية العلماء المجتهدون في العلوم الضرورية لكتابة هذه الوثيقة الهامة في شؤون الأمة، وأهمها خمسة علوم: 1 ـ العلوم الشرعية القرآن والسنة النبوية. أصلا، ومنه العلوم القانونية تقنيا. 2 ـ العلوم الاقتصادية والعمرانية. 3 ـ العلوم التربوية والاجتماعية. 4 ـ العلوم السياسية التنظيمية الداخلية والخارجية. 5 ـ العلوم اللغوية والنفسية والفلسفية والفكرية. والعلماء المجتهدون في هذه العلوم والذين يباشرون إعداد هذه الوثيقة تسجل أسماؤهم في ختام الوثيقة، لتمام الرسميات التوثيقية لكل ما يكتب وينشر ويؤلف، وليتحملوا مسؤولية الشهادة أمام الأمة، وأمام التاريخ، وأولا وقبل كل شيء أمام الله تعالى.
ما الذي تقتضيه كتابة وثيقة الدستور؟
فالدستور بناء على ما تم بيانه في التعريفات القانونية أنه الوثيقة المتضمنة لما تعاهد عليه القوم في بناء دولة تمثل المواطنة الحقة ونظام الكيان المجتمعي للأمة،. وأن يتضمن المقتضيات التالية: أولا: من مقاصد الدستور إقامة الدين الذي شرعه الله لعباده، وهو الإسلام، لأنه لا يُعقل أن يشرع الناس لأنفسهم ما يخالف الغاية التي خلقوا من أجلها. وإذن تكون كل المواد الدستورية مؤصلة بآيات وأحاديث الأحكام من القرآن والسنة، فقد رد الله تعالى على المشركين الذي خالفوا الشريعة، وانحرفوا عن أصول الدين، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ (الشورى:21)﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:63) ومن هنا يقتضي في تأليف الدستور أن يتضمن الأحكام العامة للشريعة. كالإسلام دين الدولة، والشريعة أساس القضاء والحكم والقوانين، ولا يمارس على أرض الدولة ما حرمه الله في القرآن والسنة، ويمنع منعا باتا أن يتعمد فرد ارتكاب ماحرمه الله على عباده. فمما بلغه الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من دستور المسلمين.
ثانيا: أن يكون الاجتهاد في الشؤون الدنيوية، عملا بالحديث: [أنتم أعلم بأمر دنياكم] (مسلم:2363)بأمر دنياكم،فيما لانص فيه، لأنه لا اجتهاد مع النص، فآيات الأحكام وأحاديث الأحكام نجتهد في العمل بها، ولا نجتهد في أن نعمل بها أولا، فما هو فرض نؤديه، وما حلال نأخذ به، وما هو حرام نجتنبه. وهذا مما يجب أن يُنَصَّ عليه في مادة دستورية: أن ما أحله الله ورسوله حلال، وما حرمه الله ورسوله حرام. [إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب] (البخاري:67ثالثا: مما يجب أن يدون في الدستور، وهو من أثبت الثوابت بعد الشريعة. الإقرار باللغة الوطنية الرسمية بأن تكون لها السيادة في التعليم بكل علومه على الإطلاق، وهي لغة الإدارة، والخطاب الرسمي، والإعلام، والأرشيف، وقد عَلِمَ عقلاء المسلمين أن اللغة الرسمية والمقررة دستوريا هي لغة القرآن، وإنْ عَارضَ غيرُ المتيقنين بمكانة لغة الكتاب والعلم والمستقبل، ولغة أول الأنبياء، وخاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
رابعا: أن يكون إعداد الدستور أو تعديله أو الإذن بالعمل به من قبل العلماء المجتهدين بالأغلبية، علماء الأمة، علماء الشريعة، والسياسة، والقانون، والاقتصاد، والتربية، والاجتماع، والفلسفة وعلم النفس، وغيرهم مجتمعين. ولا يكتفى بالمعينين في مجالس الشورى، والعالم هو المجتهد المعروف بعلمه وعمله وإنتاجه،. فقد كان الخلفاء إذا احتاجوا إلى الفتوى في مسألة شرعية جمعوا لها العلماء المجتهدين، العاملين في الساحة. فالذين يصوتون (كما يقولون) على الدستور هم العلماء الفقهاء العالمون. فالدستور وثيقة شرعية علمية قانونية، تخص العلماء ويُعْنَى بها العلماء.

عن المحرر

شاهد أيضاً

منهاج رب العالمين بين وحدة الدين وشريعة الكتاب المبين

الشيخ محمد مكركب أبران النظام الذي شرعه الله للناس، منذ آدم عليه السلام، إلى آخر …