الرئيسية | ملف/ ذكرى نوفمبر | الشاعر المسلم محمد منلا غزيل وثورة الجزائر

الشاعر المسلم محمد منلا غزيل وثورة الجزائر

د. إبراهيم نويري *

 

تمهيد واستهلال
لم تكن ثورة التحرير الجزائرية المجيدة ثورة عادية كسائر الثورات، والانتفاضات الشعبية التي اندلعت في بعض الأقطار هنا وهناك خلال القرن الميلادي المنصرم، بل كانت نسقاً فريداً. أو أنموذجاً يندر ـإن لم يتعذر أصلاً ـ أن نجد له نظائر وأشباها في تاريخ ثورات الشعوب الحرة التي تأبى العيش الذليل تحت وصاية مستعمريها وجلاديها وقاهريها.
فهذه الثورة أولا كانت ثورة شعب بكلّ تركيبته الاجتماعية.. وبشتى اتجاهاته ومشاربه الفكرية والإيديولوجية… وهي ثانياً انطلقت من ثوابت المجتمع الجزائري ومن قاعدته العريضة الصلبة.. أي أنها كانت تمثل صورة من صور الاجماع الوطني خلال ذلك المنعطف التاريخي.
لذلك لا يعجب الدارس أو الباحث وهو ينقب ويقلب صفحات هذه الثورة وأرشيفها.. عندما يلاحظ زخم التعاطف والمناصرة والتأييد لهذه الثورة، على مستوى المحيط العربي والإفريقي والإسلامي والعالمي.
ومن أهم الفئات التي تأثرت بهذه الثورة المظفرة، الأدباء والشعراء، ربما لما جُبلوا عليه من روح التعاطف والوقوف إلى جانب الحق، والتصدي للظلم والقهر، فقد ألْهمتْ هذه الثورة قرائح الأدباء والشعراء من داخل الجزائر وخارجها فراحوا يتغنون ويهيمون ببطولاتها وأمجادها وانتصاراتها، فأدوا دوراً طلائعيا لاسيما فيما يتعلق بالتعريف بهذه الثورة، وإبراز القضية الجزائرية في المحافل الدولية. خلال تلك الفترة التاريخية… كما كان لهم أيضا فضل توثيق وتخليد تلك الصفحات المشرقة من كفاح وجهاد الشعب الجزائري المسلم ومن هؤلاء الشعراء الشاعر السوري المسلم محمد منلاغزيل ـرحمه الله ـ الذي عاصر ثورة التحرير الجزائرية المظفرة.
نبذة عن حياته
هو شاعر وكاتب سوري معاصر ولد سنة 1936م بمدينة (منبج).. وهي بلدة أنجبت العديد من شعراء العربية في القديم والحديث، فهي بلدة البحتري الشاعر العباسي المشهور، من القدماء، وهي كذلك بلدة عمر أبو ريشة من المحدثين، وهو شاعر ودبلوماسي سوري مشهور أيضا… من أبرز مؤلفات غزيل النثرية: (في رحاب الأدب العربي) و(على طريق الوعي الحضاري).. أما مؤلفاته الشعرية فهي كثيرة، نذكر منها هذه الدواوين: (اللواء الأبيض) و(البنيان المرصوص) و(طاقة الريحان) و(الصبح القريب) و(في ظلال الدعوة ) و(الله والطاغوت) الخ.. انتقل إلى جوار ربه يوم الخامس من شهر يناير سنة 2016 رحمه الله وطيب ثراه وجعل الجنة مأواه.
ثورة التحرير في شعر محمد غزيل
1ـ مع ديوان: في ظلال الدعوة:
لقد عاصر هذا الشاعر الأديب ثورة التحرير المجيدة، وبالرغم من أنه كان شابا لم يبلغ العشرين من عمره يوم اندلعت هذه الثورة، غير أنه مع ذلك، تابع أخبارها وتفاعل مع رسالتها العادلة، وعايش أحداثها، بل عاش بعواطفه ومشاعره مع ثوارها وصانعي انتصاراتها… ففي ديوان (في ظلال الدعوة) نعثر على قصيدة للشاعر بعنوان [إشراق] وفيها يشيد الشاعر بعظمة جهاد الشعب الجزائري الذي انطلقت زحوفه من (الأوراس الأشم) لتزرع الرعب والوهن في أوصال المحتل المدجج بمختلف الأسلحة، بل والمسنود أيضا بقوات الحلف الأطلسي، كما يؤكد بأن هذا الاحتلال إنما تحركه روح بطرس الناسك الصليبية، لكن الشعب الجزائري في النهاية سينتصر، لما عُهد وعُرف به من إيمان فطري وإصرار على النصر فيقول:
جزائــــرنا مجـــاهدة
وفـي أوراس تحريرُ
يدوّي في الذرى الشمّ
بصوت الحقّ تكبيرُ
تكافــح دون عزتـــها
وجيشُ الكفر مسعورُ
صليبــيّ.. تـحــرّكه
سخافــات وتبشــيرُ
وشعبي صابر يقــظٌ
على الإيمان مفطورُ
يدافع.. عن عـقـيدته
عن الإسلام جمـهورُ
ويستمر الشاعر في ممارسة خطاب التعبئة الروحية والإيمانية.. فيشدد على كون الإيمان وحده البركان الذي من شأنه أن يقذف بحممه المحرقة الغاصبين الظلمة معذبي وقاهري الشعب الجزائري، ويشير إلى أن دم الجراح والاستشهاد يلتقي مع نار المشاعل في اللون الأحمر القاني ، وهذا اللون هو رمز لانتفاضة قافلة الشهداء التي قدمت نفسها قربانا في سبيل أن ترفرف رايةُ الحق والحرية على أرض الجزائر… فيقول في القصيدة نفسها مع تغيير القافية:
ستحطمهم جراحاتٌ مؤججةٌ.. وبركانُ
سيوقدها ويشـعلها مع التاريخ.. إيمانُ
وقافلة مضرّجــــةٌ من الشهداء قربانُ
وطاقاتٌ نفجـّــرها وثاراتٌ.. ونيرانُ
ولن يبقى بساحتنا من الإفرنج شيطانُ
2ـ مع ديوان: الصبح القريب:
وفي ديوان الصبح القريب.. نجد قصيدة بعنوان [تحية].. تتكون من عشرين بيتاً.. خصصها الشاعر للثورة التحريرية المظفرة ، حيا فيها أبطال هذه الثورة.. وأكد في أبياتها أن هذه الثورة إنما هي تيار جارف لن يتوقف سيله الهادر الموار حتى يبلغ مداه ويحقق غايته:
حيّ الجزائرَ أبطالاً وأحراراً
بوركتمو في لظى الميدانٍ ثواراَ
وبوركتْ ثورةٌ للحـقّ أشعلها
إيمانكم في ذرى أوراسَ أنواراَ
هلّت على الناس فاجتاحت سَفَا
سِفَهَم ولقنتهم حداءَ المجد هداراَ
فبوركتْ وثبةٌ للفجــر زاحفة ٌ
وبوركتْ ثورةُ التحرير تياراَ
يجتاح بغْيَ فرنسا في جزائرنا
وليس يبقي من الإفرنج ديّاراَ
ولعل الدارس أو المتمعن في قصائد هذا الشاعر يستطيع بيسر أن يلحظ حضور معظم الظروف والأحداث التي عايشها وكابدها الشعب الجزائري، ومن ثمة فقد جاء شعره صورة حية صادقة توثّق لتلك المرحلة من تاريخ الجزائر الحديث. لكنه في جل قصائده يركز على البعد الديني العقدي ويراهن عليه في تحقيق النصر واستعادة شمس الحرية لأرض الجزائر:
جُندَ العــقيدة.. ما زالت عزائمُنا
ضد الصليبية الرعناءِ إعصاراَ
يأتي على الحقدِ والعدوان منطلقاً
والركبُ لاينثني هيهاتَ قد ساراَ
ويعود الشاعر مرة أخرى فيلتمس العذر للجزائر إن هي أعلنت الحرب على الظلم والطغيان، فالجزائر لا تستطيع أبداً أن تعيش من غير حرية.. فتلك شمائلها التي عُرفت بها في صحائف التاريخ.. وتلك هي صفات وشمائل الشعب الجزائري الأبي.. لذلك فإن ثورة التحرير ـكما يرى الشاعر ـ فرصة ليس فقط لاستعادة الجزائر عزتها وكرامتها وحريتها، وإنما أيضاً هي فرصة بالنسبة للعرب والمسلمين في كلّ مكان لأخذ العبرة واستلهام التاريخ.. والإيمان بأن هذه الأمة قد تضعف أو تترهل، ولكنها لاتموت، وما ذلك إلاّ لرصيدها الإيماني، وما فُطر عليه أبناؤها من حب للإستشهاد في سبيل الحق والوطن:
حيِّ الجزائرَ ما زالت كتائبنا
جيشاً من الفتية الأبرار جرّاراَ
يلقّنُ المعتدينَ اليوم تضحيةً
ويسحق ُ الكافرَ المحتلَّ.. جباراَ
يا ثورةً حرةً أذكتْ حماستنا
وأشعلتْ من لهيب القلب أشعاراَ
ما زال هديُ رسول الله مِشعلَنا
فجراً سنيًّا يزفُّ النورَ فوّاراَ
جندَ العقيدة مازالت سواعدُنا
تلوي الأعاصيرَ إعصاراً فإعصاراَ
ما للجزائر إنْ ثارت وإنْ هدأت
إنِ اقتضتْ أن يسيل الدّمُ أنهاراَ
وفي هذا الديوان نفسه نعثر على قصيدة بعنوان [الراية] مؤرخة بشهر مارس سنة1958م.. خصصها الشاعر كذلك لثورة التحرير الجزائرية، وفيها يدعو إلى أن تُضرّج الراية ـ التي هي رمز للثورة على الغاصبين ـ بالمشاعر الفياضة الفائرة المتوهجة، وأن تتلاقى القلوب الشفافة على الدعوة لنصرة القضية الجزائرية العادلة، ومناصرتها والوقوف إلى جانب ثورتها بكلّ ما يمكن من أدوات المناصرة والدعم.. فيقول:
ضرّجوها.. ضرِّجوا الراية بالفوّار من فيض المشاعر
واسمعوها من فــؤادي: بارِكِ اللهمَّ إيمانَ الجـــــــــزائر
ضرّجوها.. ضرّجوا الراية بالدفاق من قلب الجــــراح
واغمــسوها في اللـّّظى الألاّق في وهـــج الصــــــــباح
أشــعلوها… في ذرى أوراســــــــنا الشمّ الفِــســـــاح
أجّجوها… ثــــورة الـــــبركان… في تـلــك البـــــطاح
3ـ مع ديوان الله.. والطاغوت:
في هذا الديوان نجد ثورة التحرير الجزائرية حاضرة أيضا ـ كما هو الحال في دواوين الشاعر الأخرى ـ ففي قصيدة من قصائد هذا الديوان بعنوان: [في سبيل الله].. يعقد الشاعر آمالاً عراضاً على ثورة تحرير الجزائر، فيصفها بأنها مؤشر قوي بصبح جديد وفجر قريب، وأن بذل الشعب الجزائري وعطاءَه المتواصل في الكفاح والنضال، لن يذهبا سدى.. بل سيكون لذلك مردوده من الخير والحرية والانعتاق… فيقول:
فأطلّ اللّمحُ من أوراسه
مؤذناً بالخِصبِ.. بالصبح الجديد
وتبدى البذلُ في أعراسه
يُرسلُ البُشرى قويّاً.. كالرّعــود
أيُّهذا الصوتُ من أوراسنا
يانداء البـــعثِ.. في قــومٍ رقـود
بك عاد الروحُ في مضمارنا
وأطلّتْ روعــةُ الفــجـر الولــــيد
وفي أبيات أخرى، لاينسى الشاعر أن يُطمئنَ الأمة قاطبة ـمن خلال ثورة الجزائر ـ بأن الدخول في هذه المعركة المقدسة إنما هو سنّة الله وقدره النافذ. وإذن فلابد لأمة الحق أن تثأر لكرامتها وأن تتأهب دوماً لمصارعة المبطلين في سبيل تحرير الأوطان والعيش بسلام وعزّة وحرية… فيواصل صرخته تلك قائلاً:
أمــتي يا أيُّها الطّودُ الذي حطّمَ الكيدَ.. وأهــواءَ العبيد
أمتي يا أيُّها الزّحفُ الذي مزّقَ… الباغي وأودى بالحَقود
هاعلوجُ الروم في ساحاتنا… يطلبون الثأرَ بالغزو الجديد
سنّة الله اقتضتْ معركةً… وسنحياها حشوداً في حشود
* وبعد.. فلا يمكننا في مقال قصيرأن نفيض القول، ونجيل الفكر.. في شعر محمد منلا غزيل.. هذا الشاعر الذي أحب الجزائر.. وأحب ثورتها المظفرة.. فوثّق لانتصاراتها الباهرة حتى ليحسبه الناظر في دواوينه وأشعاره واحداً من أبطال جيش التحرير الجزائري..
فهذا الشاعر المسلم الصادق في ولائه لأمته وحضارته كان يؤمن بأن ثورة الجزائر إنما هي ثورة كلّ العرب والمسلمين.. بل ثورة جميع الأحرار في العالم.. ومن ثمة فإن الوطن العربي والإسلامي لدى الشاعر كلٌّ لا يتجزأ وإنْ فُرِّقَ بين أقطاره بحدود وقيود موهومة، من صنع الاستعمار العالمي… وقضايا هذه الأوطان ستظلّ واحدة وإنْ حيل بين شعوبها وجماهيرها وقواها الحية لتضطلع بأدوارها.. ولتتحمّلَ تكاليفَ ومقتضياتِ التحرير والبناء والتنمية والتغيير والاستنهاض الحضاري الشامل.
وإنا لنأمل من شعرائنا العرب والمعاصرين، أن يتفاعلوا مع القضايا المصيرية لأمتهم ـكما تفاعل محمد منلا غزيل أجزل الله مثوبته ـ وفي مقدمة تلك القضايا قضية فلسطين، وقضية القدس، أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين؛ وقد مضى على هذه القضية ـ الى غاية 15 مايو 2008 م ـ ستون عاماً، وهي أقل من نصف المدة التي قضتها الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي، ومع ذلك لم يتسرب اليأس إلى النفوس، وظلّ الأدب الإسلامي والشعر الإسلامي يؤجج القضية في المشاعر، ويذكّر بها الأحرار، ويدفع بها الى الأمام، الى أن تحقق النصر وبزغت شمس الحرية على أرض الجزائر… فهل يواصل الشعر الإسلامي والوطني والرسالي دوره حتى تتحرر أرض فلسطين المباركة.. وحتى تعود القدس ـأرض الرسالات التي شُيّدت بنحو 2600 سنة قبل ظهور الدين اليهودي ــ الى هُويتها التاريخية الأصلية، وإلى محيطها الحضاري وأرومتها العربية والإسلامية؟ نأمل أن يزداد التفاعل وتقوى العزائم. و الله وليّ التوفيق.
*كاتب وباحث جامعي

عن المحرر

شاهد أيضاً

مقالات عن الثـورة المباركــــــة(*)

أ. محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا / بمناسبة الذكرى 66 لاندلاع الثورة الجزائرية المباركة، …