الرئيسية | ملف/ ذكرى نوفمبر | مقالات عن الثـورة المباركــــــة(*)

مقالات عن الثـورة المباركــــــة(*)

أ. محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا /

بمناسبة الذكرى 66 لاندلاع الثورة الجزائرية المباركة، في 1 نوفمبر 1954، ولكي نكون متناغمين مع الأحداث الجزائرية هذه الأيام، أذ اثناء بحثي في أرشيفات تاريخنا المجيد، صادفت مقالين غاية في الاهمية، قد يستفيد منهما كل مهتم بتاريخ الجزائر، علما ان هذه المقالات نادرا ما سمعت بها هذه الأجيال المعاصرة.
المقال الأول كتبه المفكر الشهيد سيد قطب بعنوان «كفاح الجزائر» نشر في جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء عام 1953 والمقال الثاني بقلم الإمام الجزائري المجاهد الشيخ محمود بوزوزو المرشد العام للكشافة الإسلامية في الأربعينيات، ثم مدير مجلة المنار في الخمسينيات من القرن الماضي، مقال نُشر عام 1962، في سويسرا في مجلة «المسلمون» التابعة للمركز الإسلامي بجنيف، تحت عنوان: «في موكب انتصار الجزائر»
حيث كتب يقول رحمه الله: قصة الجزائر لم تكتب بعد، وما أخالها ستكتب… ذلك أن التاريخ يكتب ما يراه، و يوثق ما تعيه مصادر رؤياه، وقصارى جهده في الكتابة والتوثيق أن يكون أمينا على ما يرى ومحققا واعيا حين تختلف الوجوه سيكتب التاريخ مأساة الجزائر وبطولاتها من برج شاهق:
سيكتب التاريخ مشاهد البطولة الباهرة في الجبل والوادي، وفجائع الظلم والقسوة في المدينة والقرية و البادية، ومآسي العدوان والغدر في حرب مسعورة كم سفكت من دماء وهدمت من عمران وهتكت من حرمات.
سيكتب التاريخ مأساة الجزائر من برج شاهق لا يجوز عليه ارجاف المرجف ولا دعوى المتحيز ولا ضلالة الوصف و الإحصاء طيلة هذه السنين سوف نقرأ، ويقرأ أبناؤنا، كيف استبسل الأبرياء المستضعفون وصبروا:
وسوف نقرأ، ويقرأ أبناؤنا، في سجله قصة المعركة الفذة التي شبت غير متكافئة القوى، واندلعت نيرانها بين أبرياء مستضعفين ينشدون حقهم في الحياة الكريمة، وأقوياء مسيطرين لا يرون لهم حقا، بل يرون للمحافل الدولية كلها حقا في أن يكون لها في المجزرة الحمراء رأي.
وسوف نقرأ، ويقرأ أبناؤنا، كيف استبسل الأبرياء المستضعفون، وكيف صابروا ضراوة العدو وأصلوه النار عدة سنين، وكيف تعاقبت مراكب شهدائهم يفوح منها عبق الكرامة والجنة والخلود.
سيكتب التاريخ كل هذا، وستحفل المكتبات بوارد لا ينقطع مما يكتب فيه. بيد أن «قصة الجزائر» وراء قصة الكفاح الماجد لا تزال غير مكتوبة في أكثر ما كتب، وستظل -أغلب الظن- فيما نستقبل من كتابات..
قصة الجزائر التي لم تكتب هو عنوان معركتها الكبرى:
والعجب المر في ذلك أن عنوان «قصة الجزائر» التي لم تكتب هو عنوان معركتها الكبرى الذي جهر به و دأب على ترديدها أعداؤها الضارون: عنوان « الحرب مع المسلمين» و»القتلى والجرحى من المسلمين» و»اعتقالات الإرهابيين المسلمين» و»تنفيذ أحكام الإعدام في مسلمين خطرين (خارجين عن القانون)».
إنه من هاهنا، تطل علامة التمييز التي فسر بها الأعداء قيام المعركة، والتي أضرمت منهم العداء وأذهبت ارشد هذه السنين، والتي استعدوا بها عاديات الدنيا كلها على المجاهدين الأبطال البواسل.
هم مصيبون إذا ميزوا جذوة النار في اسلام الجزائر – وتحضرني هنا كلمة جزائري مجاهد: لقد مسخت فرنسا عروبة الجزائر حتى لم تعد كثرة أبنائها تحسن العربية، لكنها –رغم كل ما حاولت – لم تنل منالاً من دينها، وهو ذا دينها يسترد لها عروبتها ويسترجع لها كرامتها في جهاد مصمم لا يلين.
وهم مخطئون إذ يعادون الإسلام هذا العداء، وإذ تهيج هائجتهم بما جهلوا شريعته وزُوّر عليهم تاريخه حتى لينسوا في حمأة العداوة دعاوى الحرية والاخاء والمساواة، وإذ يظنون أن اثارة أحقاد القرون واستعداء العاديات باسم الدين -مهما بلغت – تستطيع أن تبلغ إربها في اذلال المسلمين.
على أن الأعداء في إصابتهم وخطئهم قد أحسنوا الصنع – من حيث لا يدرون-، واحسنوه مرتين، مرة إذا كشفوا اللثام عن نظرتهم إلى حقيقة المعركة، ومرة أخرى إذا جعلتهم سورة الغضب يسمون الأمور بأسمائها، و يردون إلى مسارح السياسة وجهات الكفاح عناوين القصة الحقيقية وراء النار والدمار في الجزائر، قصة التآمر الآثم عبر التاريخ الطويل: تآمر الجهالات الحاقدة على الإسلام و المسلمين.
ومن عجب أن نكافئ نحن حسن الصنيع بغفلة منكرة واستخذاء ذليل، فنستحي أن ننسب الجهاد الماجد إلى الإسلام الذي أثار عليه العدو الثائرات، ويتفنن ساستنا وكتابنا ومهرجونا في ابتكار أوصاف البطولة والعروبة و كفاح التحرر وكل ما يخطر لهم من قاموس ثقافة العدو – إلا وصف المجاهدين بالإسلام الذي أثار ثورتهم وأطلق كتائبهم وأذهل الأعداء بأعاجيب بأسهم وثباتهم وأشعل في كل جبهات المعركة مشاعل العز التي لا يقدر على إطفائها الساسة والعسكريون: «الله أكبر» و»الشهادة» و»الجنة».
نيّة مبيّتة بليل على التنكّر للإسلام بعد اقتناص شعلة الكرامة:
قد يقول قائل إن الجهر بالإسلام يُمكّن لمؤامرة العدو ويؤلّب العداوات على المجاهدين، ولكن هذا قول ساذج لا يقوله إلا أغرار يجهلون الحاضر والماضي ويظنون أن إخفاء ما جهر به العدو يحميهم من تألب العداوات، أو يظنون أنهم بمسوح السياسة الناعمة الكاذبة يهيئون أسباب النصر الذي لا سبيل اليه -ولا فضل لأحد فيه – دون الحقيقة المسلمة الضاربة في الميدان.
إلاّ أن تكون أوصاف الساسة والكتّاب والمهرجين أبعد في مداها المضمر من مجرد المداهنة التي يزعمونها سبيلاً إلى النصر، وعنوان نيّة مبيّتة بليل على التنكّر للإسلام بعد اقتناص شعلة الكرامة التي أذكتها روحه بجهاد البررة من أبنائه، والأمر حينئذ في حقيقته هزيمة كالحة في وقت ترتفع فيه ألوية النصر، أو انتصار رهيب للمؤامرة القديمة على الإسلام – في جبهة جديدة يتولى كبرها من رضعوا من لبان العدو ولم يرضعوا لبان الإسلام، ويعاني الإسلام من حربها المقنّعة أشد مما عانى من ضربات الأعداء السافرين.
إن الإسلام الذي أشعل مشعل الحرية قادر على أن يبني الوطن الحر: إن أملنا الصادق في الجزائر هو ان يعصمها الله من غائلة هذه المأساة التي تكررت في أكثر ديار الإسلام، وقادة جهادها الميمون أعرف منا ومن الدنيا جميعا بحقيقة دور الإسلام وراء مشاهد البطولة الآسرة، وهم أبرز وأوفى من أن يغفلوا عن ذلك أو يعقوه إذ يجنون اليوم ثماره ويبنون على عين الله ومضاجع الشهداء بناء الجزائر الحرة المؤمنة، ثم هم أصلب وأوعى من أن يروا طريقاً إلى ترويض عداوات التاريخ غير طريق الاقناع بالمثل العملي في طور البناء: أن الإسلام الذي أشعل مشعل الحرية قادر على أن يبني الوطن الحر، وأن الحقد الذي أثار عليه ثائرات القرون إنما صدر عن جهل بتعاليمه التي تفرض العدل والبرّ والكرامة بين بني الانسان.
إنّ الجزائر هي غرة الكرامة على رأس افريقيا:
إنّ الدور الذي تستطيع الجزائر أن تلعبه دور عظيم حاسم، فهي غرة الكرامة على رأس افريقيا وارثة الغد المقبل ، وهي مجتلى أعين مئات الملايين من المسلمين في العالم كله: استروحوا في جهادها المبرور نسمات الأمس، واستعادوا من مشاهدها ذكريات العز والثقة بالنفس، فلا غرو أن يطالعوا من ناحيتها لواء جديداً يواصل السير في دروب المجد، ويزرع لأمة الإسلام شجرة جديدة على أرض مباركة لا تزال غضة دافئة بما سقتها يد الله من ازكى الدماء.
****
(*) – افتتاحية مجلة المسلمون عدد شوال – ذي القعدة / ابريل – ماي 1962

عن المحرر

شاهد أيضاً

دروس وعبر من ثورة نوفمبر:

مداني حديبي / محياك جلا دي، ولا تلتثم، فلستُ حقودا واقض يا موت فيّ ما …