الرئيسية | ملف/ ذكرى نوفمبر | الذكـــرى الـ66 لانــــدلاع الـثــــورة الــتـحـــريـــريـــــة / أيقونة ثورات القرن العشريـن

الذكـــرى الـ66 لانــــدلاع الـثــــورة الــتـحـــريـــريـــــة / أيقونة ثورات القرن العشريـن

الـمـــؤرخ البــــروفـيــســــور مــولـــود عويمـــــر:

«التاريخ المجهري» تخصص حديث للتعمق في الثورة التحريرية

 

أشار الدكتور مولود عويمر في حديث له مع جريدة البصائر الجزائرية، إلى التخصص الجديد للبحث التاريخي وما يسمى بالتاريخ المجهري الذي من خلاله يركز فيه الباحث على الجوانب الدقيقة والمحددة زمنيا من أجل البحث والتحليل والتعمق في دراسة الزوايا التاريخية بشكل كامل، قائلا في هذا الصدد: «إذا طبقنا هذه المقاربة الجديدة على تاريخ الثورة التحريرية فإننا سنتعمق في فهم منطلقاتها وأبعادها ومساراتها في كل منطقة من المناطق الجزائرية»، وعن الوثائق والدراسات الأجنبية حول الثورة التحريرية، ذكر المؤرخ أنه لابد من ترجمتها إلى اللغة العربية ليطلع عليها الباحثون والطلبة الجزائريون للاستفادة منها في أبحاثهم، مشيرا في هذا الصدد إلى جهود الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي رصد الأطروحات الأمريكية، والدكتور علاوة عمارة الذي رصد الأطروحات الفرنسية، كما تحدث البروفيسور مولود عويمر عن اليببليوغرافية التي نشرها حول بحوث والدراسات التي وثّقتها المجلات العربية حول الثورة الجزائرية، وأكد الدكتور أن ترقية وتطوير البحث التاريخي يحتاج إلى حرية التعبير وتوفير وسائل النشر اضافة إلى دعم حركة الترجمة مع مكافأة الباحثين المنتجين.

حاورته : فاطمـــة طاهـــي /

حظيت الثورة التحريرية المباركة باهتمام كبير من قبل الباحثين من خلال الأبحاث والدراسات الأجنبية الدولية والعالمية، حدثنا دكتور عن سبب وسر الاهتمام الكبير بهذه المرحلة التاريخية المجيدة؟
-إن اهتمام الأجانب من غير الفرنسيين بالثورة التحريرية نابع من قناعتهم بالدور الفعال الذي قامت به في حركة التحرر من الظاهرة الاستعمارية الحديثة، وكذلك القيم الانسانية التي مثلتها كالتضحية القصوى للشعب الجزائري في سبيل الحرية والاستقلال.
فمثال صمود المرأة الجزائرية الذي تجسد في شخصية جميلة بوحيرد على سبيل المثال وما رافقه من تعبئة دولية في مجال حقوق الانسان والإعلام والسينما والشعر… من أجل اطلاق سراحها، كان صفحة مشرقة في سجل العلاقات الإنسانية بغض النظر عن الانتماءات الدينية والأيديولوجية والعرقية والثقافية.
فالثورة الجزائرية من أكبر الثورات في التاريخ الحديث والمعاصر، استهدفت تحرير الأرض وترسيخ كرامة الإنسان بوسائل محدودة، وقد حققت أهدافها بثمن غال جدا.
حدثنا أيضا دكتور عن الوثائق والكتابات الأجنبية حول تاريخ الثورة التحريرية، وهل فيه اهتمام من قبل مراكز البحث الجزائرية لتوثيقها حتى تكون مراجعا إلى جانب المصادر الوطنية؟
-لا شك في ذلك. فالثورة التحريرية أصبحت منذ سنوات موضوعا للبحث العلمي خاصة في الجامعة حيث تقدم فيها الرسائل والأطروحات، وتنظم في رحابها الملتقيات والندوات حول المجاهدين المعروفين والمغمورين وكذلك المحطات الكبرى في الثورة. ونشرت العديد من هذه الأعمال وصارت مرجعا للباحثين والطلبة والمهتمين بتاريخنا المعاصر.
كما أنجزت أعمال تاريخية أخرى خارج أسوار الجامعة، وهي لا تقل أهمية عن الأعمال الأخرى إذ اعتمدت أيضا على الأرشيف واستفادت من الشهادات الحية للمجاهدين. ولا تزال مسيرة البحث مستمرة وتكشف باستمرار صفحات من البطولة الانسانية ونماذج من الكفاح الوطني.
فكل هذه الجهود العلمية تهدف إلى توثيق الثورة الجزائرية وتحرير تاريخها من الدراسات الأجنبية خاصة المدرسة التاريخية الفرنسية التي احتكرت البحث في هذا المجال لفترة طويلة، وكانت تؤثر بذلك على كل باحث جزائري أو أجنبي يقدم على دراسة هذه الثورة التي لم تنصفها دائما تلك الأقلام الفرنسية.
فالباحثون الأجانب المهتمون بثورتنا يقصدون الجامعات الفرنسية بهذا الغرض، ويعتمدون على كتب المؤرخين الفرنسيين، وينقلون وجهات نظرهم في غياب البحث التاريخي في الجزائر في الفترات السابقة أو ضعف مردوده.
وللأسف، لم نقض بعد على هذا الخلل رغم كل الجهود المبذولة، لكننا نقصنا منه بعض الضرر بفضل ما نشر في السنوات الأخيرة من الكتب حول الثورة الجزائرية وما صدر من مذكرات قادتها.
وماذا عن معوّقات وتحديات البحث التاريخي حول الثورة الجزائرية؟
-هناك معوّقات عديدة ولعل من أبرزها نقص الوثائق والأرشيف أو قل صعوبة الولوج إليها والاستفادة منها سواء في الجزائر أو في فرنسا أو في الدول الأخرى التي كان فيها نشاط كبير لقادة الثورة مثل مصر وتونس والمغرب وألمانيا وسويسرا….
كما أن البحث التاريخي يحتاج إلى البيئة المناسبة من حرية التعبير وتوفير وسائل النشر ودعم حركة الترجمة ومكافأة الباحثين المنتجين، والترويج للثقافة التاريخية في وسائل الإعلام المختلفة.
كل هذه الشروط غير متوفرة بالحجم المطلوب، فالنشر على سبيل المثال مازال عائقا يثبّط الباحثين الذين يبدعون ويكتبون ولكن إنتاجهم لا يصل إلى القارئ عبر الكتب أو المجلات أو الجمعيات التاريخية والنوادي الثقافية.
حدثنا كذلك دكتور عن مدى مساهمة الباحثين في تطوير البحث التاريخي على المستوى العالمي؟
-يهتم الباحثون الأجانب بالثورة الجزائرية للاعتبارات التي ذكرتها في بداية هذا الحوار. وقد صدرت كتب وبحوث كثيرة خارج الجزائر تناولت الثورة التحريرية من جوانبها المختلفة سواء في الجامعات العربية أو في الجامعات الأوروبية والأمريكية والروسية.
وأذكر هنا جهود الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي رصد الأطروحات الأمريكية، والدكتور علاوة عمارة الذي رصد الأطروحات الفرنسية… كما نشرت ببليوغرافية عن البحوث المنشورة في المجلات العربية حول الثورة الجزائرية.
وتتميز تلك الأطروحات الجامعية والبحوث الأجنبية فضلا عن رصانتها العلمية، بثرائها التوثيقي، فهؤلاء الباحثون اعتمدوا على الأرشيف المحفوظ في مراكز الوثائق الموجودة في بلدانهم والمكتوب بلغتهم الوطنية والذي يصعب علينا نحن الباحثين الجزائريين الوصول إليه لأسباب لغوية أو قانونية.
ونحتاج اليوم إلى ترجمتها إلى اللغة العربية ليطلع عليها الباحثون والطلبة الجزائريون ليستفيدوا منها في دراساتهم وأبحاثهم.
أيضا دكتور ما هي المنهجية العلمية التي يجب أن يتخذها الباحث الجديد أو الباحث في عصر العولمة؟
-منهجية البحث في مجال التاريخ لم تتغير كثيرا في عصر العولمة، وربما تطوّرت الوسائل المساعدة على البحث والكتابة، وتنوعت الموضوعات التي تشغل المؤرخين المعاصرين والتي غفل عنها السابقون أو ظهرت حديثا مع التطوّر السريع للأحداث وتقارب الشعوب والثقافات.
لقد تنبّه المؤرخون مبكرا إلى أهمية الكومبيوتر في البحث التاريخي، وكان ذلك في السبعينيات من القرن الماضي قبل أن ينتشر هذا «الصندوق العجيب» بالشكل الذي نراه اليوم في كل مجالات الحياة ويوميات الناس.
وأذكر هنا على سبيل المثال المؤرخ الفرنسي إيمانويل لوروي لادوري الذي كان رائدا في هذا المجال منذ صدور كتابه القيّم: «إقليم المؤرخ» في عام 1973، واستعمل الإحصائيات وقام بتحليلها في بعض المجالات التاريخية وبخاصة في ما تعلق بتاريخ المناخ عبر العصور. فلولا الكمبيوتر ما استطاع لوروي لادوري أن ينجز هذه الأعمال الرائدة في تلك الفترة.
واليوم لا يستغني المؤرخ عن الاعلام الآلي بما يقدمه له من خدمات لا تحصى من الاحصائيات والمعلومات والتواصل وإمكانات التحليل والحساب الدقيق وإلى غير ذلك من الخدمات التي توفر عليه الجهد والمال والتنقل ليتفرغ للبحث والكتابة.
ومن الاهتمامات الجديدة للمؤرخين نجد التركيز على الموضوعات الدقيقة جدا والمحصورة في فترة قصيرة للتعمق في دراستها بشكل كامل، وفي هذا السياق أشير هنا إلى الاختصاص الجديد: التاريخ المجهري الذي أبدع فيه المؤرخ الإيطالي كارلو جنزبورغ.
وإذا طبقنا هذه المقاربة الجديدة على تاريخ الثورة التحريرية فإننا سنتعمق في فهم منطلقاتها وأبعادها ومساراتها في كل منطقة من المناطق الجزائرية، وندرك إسهامات كل الفئات الاجتماعية والمهنية في دعم الثورة وتحقيق أهدافها المنشودة.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

دروس وعبر من ثورة نوفمبر:

مداني حديبي / محياك جلا دي، ولا تلتثم، فلستُ حقودا واقض يا موت فيّ ما …