أخبار عاجلة
الرئيسية | كلمة حق | ما هي سياســــة الرئيــــس الفرنســــي؟

ما هي سياســــة الرئيــــس الفرنســــي؟

أ د. عمار طالبي /

إن السياسة تبنى على العلم، وعلى الحقائق الواقعية، وإلا فإنها تصبح «بوليتيك» بالمعنى الساذج الذي لا تتوافر فيه شروط تدبير شؤون الناس في الداخل والخارج.
وما قام به الرئيس الفرنسي تتوافر فيه عدة أخطاء سياسية، وأخلاقية، ودينية، فإنه أثار زوبعة فاشلة، فإذا كان فرد ما مشردا هاربا من دولة إلى أخرى، فقيرا لا يملك قوت يومه يبيت في الشارع، وخاطب عائلته بأنه سيبيت في كنيسة أو بجوارها، وأنه يبحث عمن يساعده، كما صرحت عائلته التونسية بذلك فهل هو إسلامي إرهابي؟ دفعه الإسلام لذلك؟ صرح الرئيس بالهجوم والإساءة إلى الإسلام نفسه، وأنه يعاني أزمة، وأنه ينبغي أن يعاد هيكلته فأصبح بذلك مصلحا دينيا لدين غير دينه، وأصرّ على نشر الرسوم الساخرة برسول عظيم هو جزء رئيسي من عقيدة الإسلام، بدعوى حرية التعبير، إن حرية التعبير تقوم على احترام الآخر في شخصيته وثقافته وعقيدته، وإذا كانت فرنسا تتصور الحرية، تصورا مطلقا لا يحترم حدودا فهذا تصور خاطئ ثم إنه إذا كان المسيحيون يسخرون بعيسى عليه السلام وبغيره، ولا ينزعجون، فهذا تصور ثقافي خاص بهم، ولكن إزاء هذا هناك تصور آخر للحرية طاهر نظيف، لا يعتدي على حرية الآخرين، ويجعل لذلك حدودا تقف عند حرية الآخر، فالرئيس الفرنسي لم يفهم، ولم يدرك ثقافة المسلم، وشخصيته، في أنه لا يقبل بأي حال العدوان على ثقافته وخاصة ما يتصل بعقيدته الراسخة.
فهو لم يدرك حقيقة المسلمين الذين يعيشون معه، وفي مجتمعه، منذ دهر طويل، فالسياسيون الذين يدركون هذه الحقائق، وعلماء الإجتماع الفرنسيون درسوا المجتمعات الإسلامية المتعددة وكثيرا، أمثال بوردوا وكذلك المستشرقون أمثال ماسينيون وهذا الغياب للفهم الصحيح للمسلمين وثقافتهم ودينهم جعل الرئيس الفرنسي يتبرع في خطابه المسيء الذي يخلو من أية لباقة سياسية، ومن أي دبلوماسية معهودة في مثل هذا التصريح الذي لم تحسب عواقبه، ولا نتائجه من جهتين:
جهة الداخل الفرنسي الذي به جزء كبير من المسلمين مواطنون لهم جنسية فرنسية، ولهم حق الإحترام لدينهم وثقافتهم وهم قد خدموا فرنسا ودافعوا عنها في الحروب وخدموا المجتمع الفرنسي وكأنه يرفض التعددية الثقافية، وبهذا فقد جرح مشاعر مواطنيه جرحا بليغا في عقيدتهم وهذا خطأ سياسي داخلي ولو أنه قصد به إرضاء اليمين المتطرف، لأغراض سياسية عبثية، غير رشيدة ونسوا أن العمال الجزائريين وغيرهم من المسلمين بنوا فرنسا واستعملتهم في المناجم والأعمال الشاقة والجهة الثانية في هذه الأخطاء هي العالم الإسلامي والعربي الذي يتجاوز سكان المليار والنصف إن لم نقل أن عددهم يصل إلى مليارين، لم يحسب هذا السياسي الذي يقود فرنسا التي يفترض أن النخبة السياسية فيها تدرك هذه الأبعاد الخارجية، والعواقب الوطنية التي تنجر عن تصريحاته وإصراره على الإساءة لأعظم مقوّم من مقومات الإسلام ولذلك أثار زوبعة كبرى من الإستنكار والتنديد، فنادت المجتمعات الإسلامية بمقاطعة بضائع فرنسا، وهذا إذا تم يلحق ضررا كبيرا بالإقتصاد الفرنسي، وهو يعاني أزمة في الوقت الراهن، فهل راعى الرئيس الفرنسي والنخبة السياسية الفرنسية هذه العلاقات بالمجتمعات الإسلامية التي حكموا بعضها ونهبوا خيراتها، وقتلوا وأحرقوا من سكانها في الحروب الظالمة التي شنوها، وخاصة في الجزائر التي كان الجيش الفرنسي يجعل جوائز لكل جندي فرنسي يأتي لقادته أذن من قتلهم، فقد أحرقوا القرى وأحرقوا آلاف النخيل في معركة الزعاطشة مثلا في منطقة بسكرة، ودمروا المخطوطات العلمية ونهبوها وسرقوا نفائسها، فإن لوكلارك مثلا كتب تاريخ الطب العربي في الجزائر على أساس المخطوطات التي اطلع عليها ونهبت.
يبدو أن الغربيين، دأبهم تدمير حريات الآخرين بدعوى الحرية التي لا حدود لها، فإذا كان هذا هو تصورهم فإنه تصور خاطئ، يناقض الحرية، بمفهومها النسبي الذي قرره الفلاسفة، والأخلاقيون فحريتك تنتهي عند حدود الآخر.
يبدو أن الإنسان إذا كانت له ثقافة مغايرة لثقافة الغرب، ومنها مسألة الحرية يصبح لديهم غير إنسان، يباح دمه، وعرضه، ودينه، فهل يمكن أن يفرض ثقافته على العالم، ويدمّر ثقافة غيرهم، فلا تحترام إنسانية الإنسان ولا قيمه التي يؤمن بها ولا دينه الذي يدين به إن لم يكن غربي الثقافة.
كما أنتج الغرب تاريخ قديم، فهذا هتلر، وهذا موسوليني أين المسلمون من هذا كله؟ ولا دين الذي يدين به إن لم يكن غربي الثقافة.
إن الحروب التي شنت في العالم منذ تاريخ قديم التي اليوم شنها الغربيون، الحروب الصليبية، الحرب العالمية الأولى، الحرب الثانية بالإضافة إلى الحروب الإستعمارية التي قتل فيها الملايين، فهل الإسلام قام بمثل هذه الكوارث؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

هل أمريكا آيلة إلى الانقسام؟

أ د. عمار طالبي/ يبدو من تصرف الرئيس الأمريكي من التشكيك في الانتخابات، إذا طرأ …