أخبار عاجلة
الرئيسية | قضايا و آراء | أزمة العلمانية أم أزمة السياسيين الغربيين؟

أزمة العلمانية أم أزمة السياسيين الغربيين؟

أ. عبد القادر قلاتي /

إنّ الإقرار بأزمة العلمانية لم يعد يحتاج إلى اجتهاد أو تأويل، بل أصبح أمراً محسومًا معرفيًا ومن أكبر العقول الغربية، فالدعوة إلى تجاوز فكرة «ضرورة العلمنة» وصيغها المختلفة من بلد إلى آخر، أصبحت الخطاب الأكثر جدية في البحث على فكرة الـ»مابعد» المألوفة في التنظير الغربي عموماً، فهذا السوسيولوجي الألماني الكبير هابر ماس يعلن عن فشل النموذج العلماني الحديث، في مواصلة التطبيع مع التحولات الجديدة في الغرب وفي العالم، ويدعو لتجاوزه و»إعادة النّظر في مقومات العلمنة الحديثة» ويأخذ على سبيل المثال: «التسامح». ذلك أنّ المضمون الاجتماعي والسياسيّ للتسامح «لم يعد صالحًا لواقعنا المعاصر، لأنّ سياق الحروب الدينية التي مزقت أوروبا والغرب عامة، لم تعد شروطها قائمة، بفضل التغيرات الحاصلة في عمق الدين في حد ذاته. لذلك يتوجب إعطاء مضمون جديد للتسامح، يستجيب للمتطلبات المعاصرة»، وليس هابر ماس فقط بل هناك علماء اجتماع وفلاسفة كبار، قدموا نقداً لاذعاً للعلمانية، ودعوا إلى تجاوز مفاهيمها التي تشكّلت عبر مراحل تطور الغرب السياسي والثقافي، لكن هل الأزمة الحقيقية اليوم في الغرب في العلمانية كإطار مرجعي للتعاطي السياسيّ والمعرفيّ أم في قادة الغرب السياسيين ممن لم يستوعبوا هذه المرجعية؟.
إنّ التاريخ الغربي يشهد على التباين بين تطور المعرفة وقدرتها على التأثير في المجال السياسيّ، فقد حافظ السياسيّ على مسافة من حدود ذلك التأثير الذي تُحدثه المعرفة في ضبط ممارساته، إلاّ أنّه لم يتجاوز تأثيرها بالمطلق لاعتقاده بضرورتها وأحقيتها في تطوير المجال السياسيّ، لكن قادة السياسة اليوم في الغرب لم يعودوا خاضعين لتنظيرات المفكر والعالم، بل أصبح السياسيّ الغربي الجديد، يتحرك وفق آليات تفرضها الممارسة السياسية في أبسط تعاطيها، فربما يُخضع السياسيّ كلّ أجهزة الدولة، لمصلحته في الانتخابات، وربما يخلق أزمات داخلية من أجل أن يفوز في استحقاقات سياسية معيّنة، فهذا الرئيس الغافل في فرنسا يشنّ حرباً ضدّ الإسلام والمسلمين، ويفتح جبهات خارجية في صراع مصطنع مع تركيا المتهمة من الغرب بالوقوف ورعاية الإسلام المتطرف، دون تقدير لحجم المسلمين في بلده حيث تجاوز عددهم ستة ملايين، فالإسلام هو الديانة الثانية في الغرب، وهذا إن دلّ على شيء فإنمّا يدلّ على أزمة حقيقة في المجال السياسي الغربي عمومًا، يتمثل في السياسيّ نفسه، فلم يعد هذا المجال يقدم نموذجا لسياسيين حقيقيين، كما كان من قبل، ولو أردنا التدليل على هذا الكلام، يمكنا أن نقف عند شخصية الرئيس الفرنسي ماكرون كموذج، لهذه العينة من القادة الغربيين الجدد.
في عام 2019م صدر كتاب: «ضدّ مَاكرون» لـ «جيون برويكون» أستاذ القانون والمختص في العنف السياسي للجماعات وفيه يبيّن المؤلف كيف تشكّلت طريقة ماكرون في الحكم منذ توليه السلطة، وهي طريقة بعيدة كلّ البعد عن المبادئ السياسة الفرنسية، يشرح جيون برويكون لقاءه الأول مع ماكرون واصفا إياه بالدعيّ الذي يتقدم إلى النّاس في «هيئة فيلسوف دون أن يكون قد كتب شيئًا في حياته يستحق القراءة أو الذكر والنشر» وتابع المؤلف وصفه: «فجأة وقع تعيينه وزيرا للاقتصاد في فرنسا دون وجود تفسيرات موضوعية توضح كيفية نيله هذا المنصب أو منصب الرئاسة فيما بعد»، والكتاب فيه توصيف رائع لشخصية هذا المسؤول الانتهازي الذي لم تصقله تجربة في النّضال السياسيّ، ولم تسعفه خبرة طويلة في السياسة الفرنسية المعقدة، أما حضه من الفكر والثقافة والمعرفة فقد ظهرت مثالبه عندما قرّر فتح جبهة مع الإسلام والمسلمين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …