الرئيسية | في رحاب الشريعة | الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفةالقضية والمنهج 1

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفةالقضية والمنهج 1

أ: نورالدين غزغوز /

 

الحمد لله رب العالمين، حمدا يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، حمدا على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وفي العين منها، نعمة الهداية والإسلام، وكفي بهما نعمة. والصلاة والسلام على من أرسل رحمة للعالمين، أرسل بالحجة الدامغة، والبرهان الساطع، الذي يخاطب به الثقلين في كلّ عصر ومصر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فقد من الله علينا، بفضله وكرمه، بأن وفقنا للعمل في ميدان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، سنين عددا، قراءة، وتعلما، وبحثا، وكتابة، وخطابة، ومبادرة ومساهمة مع زملاء أكارم، في تنظيم العديد من الملتقيات الدولية والمحلية في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بالجزائر.
كما شاركنا في عدد من المؤتمرات الدولية، اللقاءات الوطنية في نفس المجال. أو بتنظيم زيارات لعدد من العلماء والباحثين في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة للجزائر. ومما لاحظناه، سواء من خلال تقييمنا للبحوث التي تصلنا، طلبا للمشاركة في بعض ندواتنا أو من خلال ما يلقى في بعض اللقاءات المحلية في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، التي كان لنا شرف المشاركة في الإعداد لها، أو تقديم ورقة في أشغالها، وحتى من خلال الحصص الإذاعية والحوارات التي أجريت معنا في العديد من الإذاعات المحلية في الجزائر. لاحظنا أن مفهوم الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، كما ضبطه العلماء، وفصلوه، لا يزال بعيدا عن أذهان بعض المتخصصين من الباحثين، فما بالنا بغيرهم من مختلف فئات المجتمع، وبعض العاملين في ميدان الدعوة، خصوصا من الأئمة والوعاظ، الذي يرفض بعضهم الفكرة من أساسها، ويراها ترفا فكريا، لا يتماشى مع دور المسجد ومخاطبة الناس، بل إن التهم بالتفسيق والتبديع في الدين جاهزة حاضرة.
وهذا ما وقفنا عليه ميدانيا من خلال سلسلة من المحاضرات والدروس المسجدية التي لا نزال نقدمها للناس في عدد من مساجد ولايات الشرق الجزائري خصوصا. وقد حصرنا نشاطنا الدعوي على الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لم نحد عنه لغيره، منذ اثنتي عشر سنة متواصلة دون توقف تقريبا. وما وقفنا عليه نلخصه في النقاط التالية:
• موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لا يزال غير منتشر بشكل واسع عند شرائح واسعة من المجتمع. رغم الجهود الكبيرة المبذولة من ثلة من العلماء والدعاة على امتداد العالم الإسلامي. بل ربما لا يزال محصورا لدى الباحثين وذوي التخصص والمهتمين، رغم الأهمية القصوى للوصول إلى عامة الناس، لنربطهم بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بلغة، تتناسب والعصر ولا نبقى عالة على ما قدمه أسلافنا بما تناسب مع بيئتهم وعصرهم.
• كثرة الأسئلة التي تتكرر دوما، خاصة من المعترضين على هذا المنهج في التعامل مع الآيات الكونية في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة في نفس المجال، والمتعلقة أساسا ببعض النقاط التي لا يزال الاعتراض فيها هو نفسه. خصوصا في الفروق الدقيقة بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي، رغم ما قدم من توضيحات وشروح، وضبط للمصطلحات المستخدمة في هذا الحقل من المعرفة والتفسير، والشروط والضوابط التي وضعت، منعا لكل شطط أو توسع غير محمود في التعامل مع الآيات الكونية والأحاديث الصحيحة في نفس الباب. بل أن كثيرا من الآراء التي تواترت عن العلماء السابقين في التفسير أو شروح الحديث الشريف والتي كتبت ووضعت بما توافر لهؤلاء العلماء في عصرهم من معارف وعلوم، هي نفسها التي تتكرر اليوم، وكأن الاجتهاد قد توقف في هذا الباب، وعلينا أن نبقى جامدين عند الذي ضبطه الأقدمون-جازاهم الله عن الإسلام والمسلمين بكل الخير-ولا يجوز لنا حتى وإن حبانا الله سبحانه وتعالى، بما لم يكن متوافرا عند الأولين من معارف وعلوم ووسائل ومناهج وتقنيات في شتى مجالات المعرفة الإنسانية، أن نخرج عليه إلى ما سواه وأن نستخدم ما استقر وثبت من نتائج العلوم والمعارف في فهم الآية الكريمة من كتاب الله أو الحديث الشريف الذي اتفق العلماء على صحته. وهذا ما يجعل المسئولية أعظم في شرح وتبسيط ونشر كل ما له علاقة بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
• إنّ الأدلة التي قدمها بعض الباحثين منذ قرن أو يزيد أو نحو ذلك في رفض اللجوء إلى الحقائق العلمية في فهم الأية أو الحديث المحتويين على حقيقة كونية ورغم التوضيحات والردود ووضع الفروق الدقيقة بين الحقيقة العلمية الثابتة والمستقرة والراسخة وبين الفرضية العلمية أو النظرية التي لم ترق بعد إلى مصاف الحقيقة وكيفية استخدامهما سواء في التفسير العلمي وفي بيان أوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، نجدها تتكرر هي نفسها وكأن الزمن توقف عندها ولم يتحرك. وهذا يدلل على أن الجهد الذي لا يزال مطلوبا منا-كباحثين ومهتمين-في توضيح الفكرة وتبسيطها ونشرها بين الناس كبير جدا.
• ظهور عدد غير قليل من الكتب أو المقالات والدراسات –+خاصة- على الشبكة العنكبوتية تهاجم منهج الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هجوما عنيفا تصل به أحيانا إلى القدح والسب والشتم وكيل التهم دون دليل أو بالاعتماد على شبهات قد يغفل عن فهمها الكثير من الناس والتي تقدم على أنها حقائق لا تناقش.أذكر هنا أنه أثناء العمل على تحضير ندوة الجزائر الدولية الأولى حول الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النّبوية الشريفة في مدينة سطيف سنة 2008 تواصل معنا كاتب فرنسي يقدح في بحوث الإعجاز ويصفها بأنها أكاذيب لتضليل الناس بل ويكيل للشيخ عبد المجيد الزنداني تهمة إغراء العلماء بالمال ليقولوا بصحة ما ورد في كتاب الله من حقائق علمية أطلعوا عليها. فما كان منا إلا أن طلبنا منه، إنّ كان لديه ما يعرضه بشكل منهجي علمي أن نوفر له فرصة لعرض رأيه في ندوتنا وتتحمل الندوة نفقات تنقله وإقامته، لكنه لم يرد وقطع الاتصال.
فالمنهج الأسلم في الرد على كل هذه الهجمات، ليس بتتبعها واحدة واحدة والرد عليها فهذا سيضيع علينا وقتا ثمينا ويجرنا إلى معارك جانبية لا تنتهي وكلما أطفأت نارا إلا وأشعلت أختها، ولكن بنشر المنهج الصحيح بين الناس وتوضيحه. فإذا عرف الحق زهق الباطل تلقائيا.
• قد نفهم ونتفهم-ولو على مضض-هجوم غير المسلمين على منهج وحقائق الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، خاصة بعد إقرار عدد من كبار العلماء الغربيين غير المسلمين بصحة ما ورد في كتاب الله وصحيح السنة النبوية من إشارات علمية بعد عرضها عليهم في حوارات علمية رصينة. وصلت ببعض منهم إلى اعتناق الإسلام والدفاع عنه. فكانت هذه النتائج سببا في هذا الهجوم العنيف دفاعا منهم على ساحة كانت عليهم حكرا، لكن ما هو غير مبرر تماما، عندما يأتيك الهجوم العنيف ممن يؤمن بالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا من أتباع المدرسة السلفية العلمية في رفض هذا المنهج والتضييق عليه بل ورفض الكثير من الحقائق العلمية التي ظهرت واستقرت وأصبحت من المعلوم من العلم بالضرورة-إن صح الاقتباس-ونسبتها للقرآن الكريم. بل وصل الأمر إلى تكفير وتفسيق لمن لا يقول بفهمهم للنص ويخالفهم الفهم والتأويل.
• لهذا وجبت الإشارة إلى ان البحوث في بيان وتأصيل هذا الباب من البحوث نعني به الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النّبوية الشريفة لا تزال شحيحة، لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، وأهمها تلك التي قدمت في الملتقى الدولي الذي عقدته هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في إسلام أباد في باكستان عام1987 وكانت تلك البحوث هي التي وضعت قواعد هذا العلم، مما قدمه فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني والدكتور سعاد يلدرم، ثم توالت الأبحاث الشارحة والموضحة والداعمة والتي تغطي جوانب لم تتطرق لها أبحاث إسلام أباد. وبدأت الاجتهادات بعد ذلك في الظهور، وكل اجتهاد يحاول صاحبه أن يصل به لتغطية نقص أو شرح غامض أو رد على تساؤل أو اعتراض، ثم ظهرت بعد ذلك كتابات الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة ممثلة في أمينها العام الدكتور عبد الله المصلح، وأيضا مساهمات الدكتور زغلول النجار، والدكتور كارم غنيم، بل ما نراه من اجتهادات جماعية من خلال عدد من الجمعيات والمراكز البحثية المنتشرة في ربوع العالم الإسلامي. كل هذه الجهود وغيرها كثير وضعت وبشكل منهجي متوازن أسس وقواعد البحث والكتابة في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الكريمة.
• من هنا كانت فكرة الكتابة المنهجية في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، على صفحات جريدة البصائر الغراء التي رحبت بالمبادرة مشكورة،وليس هذا بغريب عليها والتاريخ يخبرنا أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كان لها قصب السبق في الدعوة لهذا النهج في البحث منذ ثلاثينيات القرن الماضي على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس عليه رحمة الله. و ريادة الأستاذ: مالك بن نبي في الإشارة إليه في كتابه: الظاهرة القرآنية.
وإن شاء الله وأعان سوف ننشر بشكل دوري سلسلة من المقالات نقدم فيها نظرة نتمنى أن تكون وافية لمختلف مظاهر الاعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، بشكل علمي منهجي مبسط ومختصر بما يتناسب ان شاء الله مع مقتضيات النشر في جريدة البصائر الغراء.
وسيكون مقالنا المقبل بحول الله وقوته بيان لأهم أسس وقواعد هذا العلم من خلال بيان مختصر لـ:
• المعجزة معناها ودورها في حياة الأنبياء.
• خصائص معجزة النبي محمد.
• إعجاز القرآن الكريم وبعض مظاهره.
• أسس المعجزة العلمية.
• نعرض للرأي الرافض للإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة نشرح أدلته ونرد عليها.
• نبين الفروق الدقيقة بين الاعجاز العلمي والتفسير العلمي.
• نركز على تأصيل ومشروعية البحث في الإعجاز العلمي
• نعرض لضوابط وأسس البحث والكتابة في الإعجاز العلمي.
وفي الأخير نرجو أن يكون هذا العمل مقدمة نافعة لنشر ثقافة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النّبوية الشريفة ومجيبا على الكثير من التساؤلات التي تطرح هنا وهناك ومزيلا للكثير من الشبهات التي تقف حاجزا أمام الكثير من ذوي الكفاءات العلمية التي إن وظفوها في بيان أسرار القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فسيقدموا للبشرية زادا معرفيا عظيما يكون إضافة متميزة للمعرفة الإنسانية وداعيا واعيا لله ورسوله.
نرجو من الله أن يتقبل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم. وأن يلهمنا السداد في القول والعمل، إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي المقصرة الضعيفة ومن الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عليه توكلت وإليه أنيب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثيقة الدستور وما يقتضيه التبيان في توثيق الأمور

الشيخ محمد مكركب أبران/ مما دأبت عليه المجتمعات وهو أساس، ومن ضروريات الحياة المجتمعية في …