أخبار عاجلة
الرئيسية | مــلف / ذكرى الـمولد | انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم… فمتى ننتصر؟

انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم… فمتى ننتصر؟

عبد العزيز كحيل /

انتصر وهو على قيد الحياة وتواصلت انتصاراته بعد وفاته وستمتد في الزمان إلى قيام الساعة، يكفي دليلا على ذلك أن ملايين البشر يلهجون بذكره ويتفانون في حبّه ويسبحون بحمد ربه بشكل لا يضاهيه فيه بشر ولا حتى المسيح -عليه السلام – الذي يعدّه أتباعُه إلهًا أو ابن إله… وقد بدأ انتصاره حين لم يعلم أصحابه القرآن الكريم للتلاوة والتعبد فحسب بل جعل منه مرجعا عمليا للحياة الخاصة والأسرية والعامة ودليلا ميدانيا للسالكين لطريق الله لأداء مهام العبادة والخلافة والعمارة، وانتصر حين حوّل أصحابه من رعاة للغنم إلى قادة للأمم يوم أصبحوا قرآنا يمشي يرى فيه الناس جمال الإسلام ورفعة الأخلاق وقوة الشرائع والنموذج العملي للحياة في سبيل الله التي تجمع في تناغم لا يخطئه البصر بين الربانية والإنسانية، وهذا جعله دينا يدخل القلوب بغير استئذان، فرُفع ذكر محمد -صلى الله عليه وسلم – في القارات الخمس، واسمُه الأكثر انتشارا بين المسلمين.
وفعل الزمان فعله فخفت الوازع الديني عند بعض المسلمين وطرأ غبش على تصوراتهم فصار هؤلاء شكليين في علاقتهم بالدين واقتدائهم بالرسول -صلى الله عليه وسلم -.. المساجد تُشيّد في كلّ مكان، رمضان موسم حافل بالاهتمام الحج والعمرة يستقطبان الملايين مهما كانت الظروف وارتفعت التكلفة، القرآن ينبعث من البيوت والمحلات ووسائل النقل، المولد النبوي محطة تُحاك بعناية كبيرة لكن مقتضيات الإسلام غائبة على كثير من المستويات إلى درجة انه يحقّ لنا التساؤل عن ردّ فعل النبي -صلى الله عليه وسلم – لو بُعث الآن ورأى الأدواء التي أصابتنا وحالنا المزرية على أكثر من صعيد… نحن ظلمنا انفسنا وديننا، لا.. لسنا في حاجة إلى من يُدخلنا الاسلام فنحن بفضل الله مسلمون لكن نحتاج إلى إعادة الفعالية لهذا الدين العظيم ليجعل منا خير أمة أخرجت للناس كما كنا، فيها قوة الايمان والعقيدة، وقوة الوحدة والأخوة، وقوة الساعد والسلاح، فضعفنا أبعدنا عن الهدي النبوي والنموذج القوي، أين المشكلة إذًا؟ هي في المسلمين أنفسهم: الإسلام دين العلم والجهل يعشش فيهم، دين اليسر وهم معسّرون، دين التبشير وهم منفّرون، دين القوة وهم ضعاف مهازيل، دين الانتصار وهم مهزومون… يعني نحن الذين أصبحنا نمثل عائقا أمام انتشار الإسلام أكثر…أنظمتنا وبعض عمائم السوء يصطفون مع الكفار ضد المسلمين، مع الصهاينة ضد الفلسطينيين، يحاربون لغة القرآن، يضيقون على المساجد، يمسخون المدرسة “لتخرّج المواطنين لا المؤمنين”، يخرّبون الأسرة بشريعات تغريبية، يشجعون المرأة لتتمرد على الرجل وعلى الله… رغم كل هذا ينتصر الإسلام وينتشر ويُقبل عليه من يعانون الخواء الروحي ومن أرهقتهم حياة المادة والإلحاد… وهذا انتصار آخر من انتصارات نبيّنا -صلى الله عليه وسلم-
يسيء إليه المسيؤون هنا وهناك فينتفض مسلمون ويتبلّد آخرون فيأتي النصر من حيث لا يُنتظر: آلاف من غير المسلمين يستفزهم وتحركهم الدهشة والفضول فيبحثون عن حقيقة هذا النبي ودينه فيقودهم ذلك إلى اعتناق الاسلام عن قاعة ويصبحون دعاة على بصيرة، أولم يحدث مثل هذا وأغرب منه في التاريخ؟ أولم يدخل التتار المنتصرون في دين المسلمين المهزومين المغلوبين؟
فكيف ننصر نحن الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ لقد بيّن لنا هو المنهج الصحيح، فحين هاجر إلى المدينة بنى المجتمع على أربعة أركان متينة: شيّد المسجد كرمز للحياة الروحية، وآخى بين المهاجرين والأنصار كالتفاتة إلى أهمية العنصر البشري الموحَد الوجهة والقلوب، وافتتح السوق ليبيّن أن الإسلام ليس دين رهبانية ولا هو تهويمات روحية، بل هو دين دنيا وآخرة، وصلاة وتجارة، وقوة روحية ومادية، وختم تلك الخطوات بإعلان وثيقة المدينة، ذلك الدستور الذي يحكم العلاقات الداخلية والخارجية بين مختلف مكونات الدولة الوليدة والمجتمع الناشئ على أساس من العدل التام واحترام الإنماء الديني.
ننصر نبينا -عليه الصلاة والسلام – ليس فقط حين نطلق اسمه على أبنائنا ولكن حين نربيهم على هديه ليكونوا أصحاب قلوب حية وعقول ذكية وجوارح طاهرة إيجابية فاعلة، وحين نجعل بيوتنا أسَرا فيها الأخلاق الرفيعة والسلوك القويم، وحين تصبح الشريعة مستوية على جميع مناحي حياتنا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ودلائل العشق لا تخفى على أحد…كحامل المسك لا يخفى إذا عبقا

مداني حديبي / الرسول قدوتنا: إن المحب لمن يحب مطيع…. كيف لا تحب القلوب: جمالا …