أخبار عاجلة
الرئيسية | مــلف / ذكرى الـمولد | المدحيـــــة النبويــــة في شعر نايـــف عبـــــد الله الهريس

المدحيـــــة النبويــــة في شعر نايـــف عبـــــد الله الهريس

د/ عاشور توامة /

يُحاكي الشاعر نايف عبد الله الهريس نمط الشعراء القدامى سيما حسان بن ثابت وكعب بن زهير وعبد الله بن رواحة -رضوان الله عليهم- في صدر الإسلام، والبوصيري في عصر الضعف، وأبي حمو موسى الزياني في الأندلس، وأحمد شوقي في العصر الحديث في انتهاجه للمدحية النبوية، ولعل خير دليل على ذلك ديوانه المتميز ”سلام على البردة” وبعض القصائد في مختلف الدواوين الأخرى كمثل قصيدة ”حب المصطفى” من ديوان (أسير الموج) والتي يقول في مطلعها:

بِحُبِّ المُصْطفَى يَا إِلَهِي قَدْ دَعَوْتَالِحُبِّ الدِّينِ سِلْماً بِإسْلامٍ زَرَعْتَا
وَسَخَّرْتَ الضِّيَا فِي رِحابِ الدِّينِ يَسْرِي بِنُورٍ أَحْمَدِيٍّ لِقُرْآنِ اصْطَفَيتَا
يفتتح الهريس مدحيته بحب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- مناجيا ربّه مُثنيا عليه عزّ وجلّ أن دعانا إلى الإسلام ودخول السلم كافة، وهذا فضل ومِنة من الله أن هدانا إلى الإيمان وحببه إلينا، وسخّر لنا صفوة الأنام خير ضياء في رحاب دينه، فهو النور الذي يستضاء به والمرشد إلى كتاب الله وسنته إذ لا نضل ما إن تمسكنا بهما من بعده.
يصف الهريس الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- ومدى حبه لله وذلك في قوله:
نَبِيٌّ صَفْوَةُ العُرْبِ تَجْرِي في دِمَاهُنَقاءً طُهْرُهُ طَهَ للإسًلامِ مُتَّا
نَبِيٌّ فيهِ سِرُّ بِيُسْـرِ الخَلْقِِ يَسْمُولِغَفْرِ الذَّنْبِ عن تَائبٍ قدْ كانَ لتَّا
وَلوْ أنَّا طَوَيناَ الفَلاَ طُولاً وَعَرْضَافلا شَيْءٌ يُساوِي قليلا قد وَهَبتَا
فهـذا السَّـعد نَبـَّاهُ رَبِي في رَسـُولٍأقـَامَ الحُبَّ عَهْدا وبالإِيمانِ بُتَّا
ما من شك أن التغني بصفات الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعكس بوضوح مدار العلاقة القوية بين المادح والممدوح، فحب المصطفى يجري في دماء الهريس مجرى المعاني المسكوبة في ألفاظه المنتقاة بعناية ودقة في وصف سيد الأنام، الذي يعتبر حبه له طهارة تجري في دماء نقية من طهره -صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه الطيّبين الطّاهرين- فهو الرحمة المهداة للعالمين، لذلك تجد الشاعر يُثني على الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويُشيد بفضله على أهل الأرض، وبرسالة الإسلام السمحة الهادية إلى بر النجاة وسواء سبيل السعادة والمحبة والإيمان.
يتلقّى الهريس بردة البوصيري في مدح الرسول -صلى الله عليه وسلم فيصفه بالنور الذي ولد من الرحم فأشع الكون ضياء وبهاء، فهو البدر المنير على الأرض، والسراج الوهاج المنبعث من السماء، والرحمة المهداة للعالمين، حاملا معه الرسالة والقيم، و ناصحا العرب والعجم، وكاشفا الهمّ والغُمم، فملأ خُلقه الدنيا وشغل ذكره الناس وأفاض من نعم كثيرة فبأي آلاء خالقه يُكذّب، يسدل الشاعر الهريس الستار عن قصيدته المادحة لخير الأنام في معارضة ماتعة لبردة البوصيري بقوله في قصيدة ”رسول الهدى”:
نُورٌ علَى الكَوْنِ مَوْلُودٌ مِنَ الرَّحِمِشَعَّ الهُدَى فِي ضِيَاءٍ دَارِئِ الغُمَمِ
بَدْرٌ رَعَاهُ السَّمَا سَامَ بِرُوحِ نَبِيأَهْدَاهُ رَبِّي بِقُدْسِ الرُّوحِ والقِيَمِ
فَاهَتْ بِأَخْبَارِهِ الدُّنْيَا ومَأْثَرُهُ قَدْ فَاضَ مِنْ لُجَجِ الآلاَءِ والنِّعَمِ
بَدْرٌ رَعَاهُ السَّمَا سَامَ بِرُوحِ نَبِيأَهْدَاهُ رَبِّي بِقُدْسِ الرُّوحِ والقِيَمِ
مَحَمَّدٌ شَعْشَعَ الإِبْصَارَ فِي نَظَرٍيُشْفي وَيُعْفِي وُلُوج النَّاس بالسُّدُمٍ
فِي قَدْرِ عِلْمٍ مِدَادُ البَحْرِ رَوَّضَهُبالصَّـدْرِ رَسَّخَهُ كالصَّخْرِ بالأُطُمُ
أنار الكون هدى بمولد خير البرية فشفى السّقم، وكفى بالله الناس شر السُّدم، وأسبغ عليهم من فيض علمه الدرر، ورسّخه في صدورهم كالحصن المتين الأشم، يقول الهريس عن أدب وفضل نبيينا محمد -صلى الله عليه وسلم:
نَبِيُّنَا أَحْمَدُ الأُمْيُّ ذُو أَدَبٍ جَلاَيُؤَدِّبُ الكَوْنَ بالأَعْرَافِ والنُّظُمِ
نُبُوَّتَهُ الإنْجِيلُ مُسْتَبِقًا فِي صُعْدِدَهْرًا، سَيَأْتِي نَبِيُّ الله للْخَتَمِ
سِلْمٍ بِشـَرْعِ الحُبِّ دَسْتـَرَهُبالقَلْبِ والفِكْرِ مَنْطُوقًا بِجَهْرِ فَمِ
دُعَاءُ طَهَ لِرُسْلِ اللهِ مُعْتَمَدٌباسْمِ السَّلاَمِ بِرُوحِ الدِّينِ مُلْتَئِمِ
والأَنْبِيَاءُ بِأَقْصَى القُّدْسِ أَمَّهُمُخِتْمُ النُّبُوَّةِ صـلَى جَامِـعَ العـُظـَمِ
فبالرغم من أن الرسول مخلوق كالبشر إلا أن الله اصطفاه بقدر، وبشّر برسالته سيدنا عيسى -عليه السلام- في الأثر، وحباه الله الجمال والكمال على سائر ما خلق من البشر، وانتخب خلقه وخُلقه وأدّبه فأحسن تأديبه لازال وهج نبوته فينا يزيدنا يقينا، فهو من أرسى قواعد السلم والسلام، فأبان عن محبته للبشرية والعيش في وئام، وأول من كشف عن حقوق الإنسان ولا أدل على ذلك من خطبته -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع الخالدة، فهو النبي المقدّم على سائر الأنبياء، والإمام المعظّم الذي أمّهم في المسجد الأقصى المبارك إثر معجزة الإسراء والمعراج.
يمدح الهريس خير الأنام طه العدنان بكل حب وقرب، وإن كان لا يفي حقه ومقامه المحمود، فالنطق دون البوح بحبه -صلى الله عليه وسلم- مفقود، فهو الشفيع المشفع عند ربه، والصادق الأمين والهادي المعلم، المبعوث رحمة للعالمين، يقول الهريس في قصيدة ”خير الأنام” على وزن مستنبطه الجديد بحر (البيسان):
بِمَدْحٍ لِطَهَ الحُبِّ لَنْ أَفِيَا رِسَالاَتُ طَهَ بِالكِتَابِ تَلَتْ
رَحِيمٌ شَفِيعٌ عِنْدَ بَارِئِنَا فـَكَمْ جَاهـِلٍ لـَبـَّـاهُ فَاغـْتَنَـمَا وَلُبِّي لِرُوحِ النُّطْقِ مُحْتَوِيَا
كَلاَمًا وَلاَ فِي مِثْلِهِ تُلِيَا  يَتِيمٌ بِدِينِ اللهِ مُحْتَمِيَا هَدَايَا الهُـدَى عِلـْمًا بـِهِ هُدِيـَا
يناجي الهريس ربه وممتنا لنبيه مفندا أن يفي بحر القريض فضله، ولا موازين الشعر ميزان قدره.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ودلائل العشق لا تخفى على أحد…كحامل المسك لا يخفى إذا عبقا

مداني حديبي / الرسول قدوتنا: إن المحب لمن يحب مطيع…. كيف لا تحب القلوب: جمالا …