أخبار عاجلة
الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | سلسلة سراج ومعراج (19)/ بيت المقدس عاصمـــــــة التحــــــــول الحضــــــاري (10) سيدنا داود… بيت المقدس عاصمة دولة الشهود الحضاري

سلسلة سراج ومعراج (19)/ بيت المقدس عاصمـــــــة التحــــــــول الحضــــــاري (10) سيدنا داود… بيت المقدس عاصمة دولة الشهود الحضاري

د.كدير مراد /

تدرج سيدنا داوود من جندي في جيش طالوت إلى قائد مؤسس للدولة الراشدة بعد أن نجح وإخوانه من الفئة القليلة المؤمنة من اجتياز امتحانات الانتقاء واختبارات الاصطفاء على درب تحرير المسجد الأقصى الشاق العاصف المتراكم، لا طريق جيش طالوت من استلام التكليف بالجهاد وفتح المسجد الأقصى إلى تحقيق المهمة بل كان لذاك المسار المتموج المنكسر لكنه الصاعد الذي كان سيدنا داوود والفئة المؤمنة تتويجا له، مسار انطلق مع سيدنا موسى والقضاء على الفساد والعلو الفرعوني مرورا بالاستبدال الداخلي ونشأة جيل التحرير ودخول الارض المقدسة بلوغا للمعركة الحاسمة بين الفئة المؤمنة التي يقودها طالوت وجيش الفساد والاستبداد الذي يرأسه جالوت.
انتصر الإيمان الفتي والشجاعة والقوة العلمية والجسدية الشبابية فتحقق أول تحرير لبيت المقدس وفتح للمسجد الأقصى المبارك وعودة الكرة للحق والإيمان والهدى والعدل والرحمة والبركة على الأرض المقدسة واسترجاع أمانة سيدنا ابراهيم عبر ولاية المقدسات وقيادة الناس نحو تحقيق العبودية لله وشرف استخلاف الله في الأرض وحسن عمارة الأرض بعد فترة من طغيان الظلم والاستبداد والفساد على الأرض المقدسة.
انتقل سيدنا داوود بعد تحرير بيت المقدس واستلام ولاية المقدسات واسترجاع أمانة المسجد الأقصى المبارك من جندي شجاع مؤمن ثابت في جيش طالوت إلى نبي حاكم عابد أواب عادل ذي الأيد، لقد نال سيدنا داوود ما ناله من فضل جمع فيه بين الحكم والحكمة والنبوة والعلم والمهارة اليدوية وحسن الصوت وطهارة القلب لما كان المرجح للحق المحقق لغاية تحرير المسجد الأقصى المبارك، فكان خير جزاء سيدنا داوود أن جمع الله له بين القيادة الدينية الأخلاقية العقدية (النبوة) والقيادة السياسية المجتمعية (الحكم والإمامة) مثلما جمع الله لجده أبي الأنبياء ابراهيم نفس المكانة من نفس المكان بيت المقدس. {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ}.
انتقلت الفكرة الحضارية التوحيدية الحقة بتحرير المسجد الأقصى المبارك وبيت المقدس بعد مراحل بذل جهد الاهتداء وشرف نيل الهدى وحمل هم الدعوة والعطاء والثبات عند الإبتلاء انتقلت من مكانة المفعول بها إلى مقام الفاعل الحضاري، من قاف القلة والقعود إلى قاف القوة والقيادة والشهود من خلال التمكين للفكرة الحضارية الثلاثية العبودية لله المحققة للهدى والاستخلاف في الأرض القائم على العدل والرحمة وعمارة الأرض الناشرة للبركة الدنيوية والسعة الدنيوية والأخروية.
انتقلت الفكرة الاسلامية التوحيدية عبر تحرير المسجد الأقصى المبارك إلى الدولة عبر تشريف الله سيدنا داوود بالإمامة والحكم، فبعد تمكين منهج الله على مستوى الفرد عبر صناعة الفرد المؤمن الرباني وميلاد المجتمع الرسالي الحامل للفكرة الاسلامية المؤمن بتحرير المسجد الأقصى ومشروع قيادة منهج الله للجنس البشري وصل المشروع الإيماني إلى مستوى آخر من مستويات تحقيق العبودية لله مستوى قيادة الدولة والأمة لبلوغ الهدى للبشرية.
لم يؤسس سيدنا داوود حكما يهوديا كما تعتقده النظرية الدينية اليهودية ويرددها من حيث لا يدري بعض علماؤنا ممن اعتمد على المرويات الاسرائيلية قديما أو غلبت على عقله النظرة اليهودية حديثا بل أسس سيدنا داوود انطلاقا من الأرض المقدسة الخلافة الإسلامية التوحيدية الراشدة وما أقصده بالإسلام هنا ليست شريعة الإسلام المحمدية بل دين الله الإسلام الواحد الذي آمنت به الأنبياء والرسل وتتالت على استلام أمانة حمله للبشرية وشهوده على الأفكار البشرية المحدودة. { يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} استلم سيدنا داوود مهمة القيادة السياسية والمجتمعية بعد تحرير المسجد الأقصى وسعى لتمكين غاية الإسلام ومنهجه القويم على دولته ومجتمعه وفق مثلث الاخراج الحضاري الذي كنا قد فصلناه عبر مقالات متتالية في بدايات سلسلة سراج ومعراج، المثلث الذي تجمع أضلاعه بين مضلع إخراج البشرية من ظلمة الاستعباد إلى هدى العبودية لله ومضلع إخراج البشرية من ظلم وجور الأديان إلى عدل ورحمة الإسلام ومضلع إخراج البشرية من ضيق الدنيا إلى بركة وسعة الدنيا والآخرة.
كانت بيت المقدس المنطلق والعاصمة لدولة الشهود الحضاري التي قادها سيدنا داود كخليفة لله في الأرض فكان ثاني نبي ينال شرف القيادة والشهود من عاصمة الإمامة بعد سيدنا ابراهيم وقد تمثل سيدنا داوود القيم الحضارية المركزية الثلاث الهدى المتوج لغاية العبودية لله والرحمة والعدل المشترط لقيام خلافة الله في الأرض والبركة المحصلة بعمارة الأرض، بل صور لنا القران الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلاق هذه القيم الحضارية من سلوك القائد النبي سيدنا داوود خلال إدارته لدولة الشهود الحضاري ليعلمنا صفات القائد المحرر ابتداء وعلامات جيل التحرير سباقا ويدربنا على مهارات القيادة الراشدة والإمامة المؤمنة والسيادة الماهرة.
تمثل سيدنا داوود إخلاص العبودية لله قيما وسلوكا {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} فكان دائم كامل العبادة قال نبيا صلى الله عليه وسلم: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما) سريع الإنابة اذ يقول تعالى {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} كثير التسبيح مداوم عليه {إنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} حسن الصوت خفيف التلاوة قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري الصحابي:«لو رأيتني البارحة، وأنا أسمعُ لقراءتك؟ لقد أُعْطِيتَ مِزْمارا من مزامير آل داود»(متفق عليه)، والمزمار: من آلات الغناء، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المزمار مثلا لحسن صوت داود -عليه السلام- وحلاوة نغمته، كأن في حلقه مزامير يزمر بها. ويخبرنا نبينا أيضا عن خفة القراءة عليه، فقال(خُفِّفَ على داودَ القراءة، فكانَ يَأْمُرُ بدوابِّه أن تُسرَجَ، فيقرؤه قبل أن تُسرج دوابُّه).
يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (8) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

د.كدير مراد / انطلق سيدنا موسى عليه السلام ببني اسرائيل على طريق تحرير بيت المقدس، …