أخبار عاجلة
الرئيسية | الحـــق الـمر | الحــــــــــبُ والزينة…

الحــــــــــبُ والزينة…

يكتبه د. محمّد قماري /

أتابع هذه الأيام ما يدور في وسائل الإعلام الفرنسيّة من جدل وشحن ضد الجالية المسلمة في أعقاب تلك الجريمة النكراء التي أودت بحياة مدرس فرنسي، ولا أجد في ديني ما يبرر ذلك الفعل الأهوج، فالإسلام يعلم أتباعه الحوار (اللين) حتى مع مدعي الربوبية: “اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى” (طه/43)؛ وأرصد ذلك الترصد في العقاب الجماعي الذي يأخذ الجماعة بجريرة فرد منها… إن قيم الحرية والعدالة والمساواة تتهاوى عند قطاع واسع من السياسيين والإعلاميين الفرنسيين إذا تعلق الأمر بالجالية المسلمة، ويستحضرون أشد النصوص الاستثنائية تطرفًا في مواجهة ملايين من البشر اضطرتهم الظروف إلى النزول في تلك الديار، وكثير منهم يقدم من بنات فكره أو جهده ما شيّد ويشيّد كل حسن في حياة الفرنسيين، فإذا ظهر من بين تلك الجموع من يأتي بفعل شاذ، تحركت حميّة التطرف في انزال العقاب الجماعي، والتضييق على الحريات ومساءلة الضمائر! وتشتد محنة المسلمين في كثير من مناطق العالم، وبعض تلك المحن تستلهم تاريخ صراعات قديمة، وإن لبست مسوح الحفاظ على الديمقراطيّة والدفاع عن العلمانيّة؛ ويستند بعض الكارهين للتدين في بعض أدبياتهم إلى الصراع المرير الذي دارت رحاه بين المؤسسة الدينيّة التي تحالفت مع الإقطاع والحكام الظلمة، وحجرت على العقل وقيّدت الحرية باسم الله، ولا غرابة أن تخاصم المدنية المعاصرة الدين، وتبالغ في الحط من شأن المتحدثين باسمه. والإسلام لا يعرف مكانا خاصا بفئة من الناس يسمون بـ(رجال الدين)، فأقصى ما يعرفه هم رجال ونساء تخصصوا في دراسة الشريعة، ويكدحون في الحياة لكسب قوتهم بكد يمينهم وعرق جبينهم، وحدثنا التاريخ عن بعض أصحاب الحرف من العلماء: كالرماني والزجاجي والصيرفي وغيرهم، ومع ذلك يصر بعضهم على نقل هذا الصراع البائس واسقاطه على الإسلام! ولقد وجد بعض السذج من المتدينين مدخلاً لهؤلاء، الأمر الذي جعل الشيخ محمّد الغزالي، رحمه الله، يقول: (الإسلام قضية عادلة وقعت بين أيدي محامين فاشلين)؛ ولقد حدثنا القرآن عن ضرورة حسن عرض الدين، وربطه ببعدين بعد عاطفي وهو (الحبُ) وبعد ظاهر وهو (الزينة)، فقال: “وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ” (الحجرات/7)، وفي ذلك عبرة لحسن عرض الدين بالبعدين. لكن بعض المتدينين لا يروق لهم تدينهم إلا بابتداع كل ما ينفر ويقزز، فتجدهم يسارعون إلى المخالفة وابتداع تميز ظاهري لا ترفده معان عاطفية، وأخلاق حضارية تقوم على معاني الجد والوفاء والتميز العقلي والعاطفي… ومن تجارب المربين نسوق هذه القصة التي أوردها الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته، وهو يهم بتحبيب الحجاب لابنته، قال رحمه الله: (… كيف أعمل على تعليم بناتي الحجاب؟ أنا لا أريد أن أجبر بنتي عليه إجباراً، فتتخذه وهي كارهة له ضائقة به حتى إذا استطاعت نبذه نبذته، بل أريد أن تتخذه مقتنعة به مطمئنة إليه محبّة له؛ ففكرت وطلبت العون من الله… قلت لأمها: اذهبي فاشتري لها خماراً (إيشارب) غاليًا نفيسًا، وكان الخمار العادي يُباع بليرتين اثنتين وإن ارتفع ثمنه فبثلاث. قالت: إنها صغيرة تسخر منها رفيقاتها إن غطت شعرها ويهزأن منها. قلت: لقد قدّرتُ هذا وفكرت فيه، فاشتري لها أغلى خمار تجدينه في السوق مهما بلغ ثمنه؛ فكلّمتني بالهاتف من السوق وقالت: لقد وجدت خماراً نفيسًا جداً من الحرير الخالص ولكن ثمنه أربعون ليرة. وكان هذا المبلغ يعدل يومئذ أكثر من ثلث راتبي الشهر كله، فقلت لها: اشتريه. وحاولت أن تثنيني عن شرائه فأصررت، فلمّا جاءت به ولبسَته البنت وذهبَت به إلى المدرسة كان إعجاب التلميذات به أكثر من عجبهن بارتدائه، وجعلن يثنين عليه، وقد حسدها أكثرهن على امتلاكه. فاقترن اتخاذها الحجاب وهي صغيرة بهذا الإعجاب وهذا الذي رأته من الرفيقات، وذهب بعضهن في اليوم التالي فاشترين ما يقدرن عليه من أمثاله، وإن لم تشترِ واحدة منهن خماراً في مثل نفاسته وارتفاع سعره؛ بدأَت اتخاذ الحجاب فخورة به محبة له، لم تُكره عليه ولم تلبسه جبراً…). إن الحضارة المعاصرة تتفنن في (تغليف) السلع، وحسن عرضها على الزبائن، وكذلك تفعل في عرض الأفكار والمذاهب، وبعضها لا يساوي حبر المداد الذي كتبت به، ويجتهد أصحابها في (تحبيبها) إلى الناس ويسعون في اجتذاب حواريين ومريدين جدد لمذاهبهم، بينما يسعى أصحاب دين جاء (رحمة للعالمين) في تشويه صورته والباسه رداء المتهم، وتعريض المسلمين لعقاب جماعي بسبب فعل أحمق أو تلفيق ماكر يجد في تصرفات بعض المتدينين ما يعضده.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وألغوا فيه…

يكتبه د. محمّد قماري/ يقول التاريخ أن أبا عبد الله الصغير آخر حكام بني الأحمر …