أخبار عاجلة
الرئيسية | وراء الأحداث | إلى متى ستظل فرنسا تكيل بمكيالين ؟

إلى متى ستظل فرنسا تكيل بمكيالين ؟

أ. عبد الحميد عبدوس/

هستيريا سياسية استبدت بالطبقة السياسية في فرنسا التي توافقت على استلال سيوفها الصليبية، لإعلان الحرب على الاسلام والمسلمين بعد مقتل المدرس الفرنسي على يد شاب من أصول شيشانية.
لقد أصبح المرء لا يكاد يجد فرقا يذكر في التحريض على كراهية المسلمين والهجوم على الإسلام بين خطاب اليساري الراديكالي جون لوك ميلانشون، واليمينية المتطرفة مارين لوبان، وبدت البغضاء من أفواهم وكشفت ما تحمله صدورهم من حقد وبغض وضغينة وشحناء للمسلمين، أما رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون وغالبية أعضاء حكومته فقد تبنوا بكل استهتار وتحد لمشاعر المسلمين خطابا عنصريا شاتما للمسلمين ومحقرا لدينهم، وبرهنوا على استغلالهم لأي خطأ أو تهور أو خروج على القانون من طرف أي فرد من أفراد الجالية المسلمة في فرنسا لإصدار المزيد من القوانين للتضيق على المسلمين وتجريم الإسلام. وفتح المجال أمام غواية الاعتداء على المسلمين حتى داخل مساجدهم…!
في هذا الجو المشحون بمشاعر الانتقام وجهت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب يوم الخميس 22 أكتوبر الجاري (2020) تهمة «التواطؤ في قتل» المدرّس الفرنسي صموئيل باتي لستة أشخاص هم إبراهيم شنينا، والد التلميذة الذي نشر أشرطة فيديو عما قام به مدرّس ابنته من استفزاز وإهانة لمشاعر المسلمين حيث لم يجد ما يقدمه لتلاميذه كنموذج لحرية التعبير سوى استعراض رسوم جريدة شارلي هيبدو المسيئة لمقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والداعية الإسلامي عبد الحكيم الصفريوي وصديقين للقاتل هما نعيم ب. وعظيم إ.، بتهمة «التآمر في ارتكاب جريمة قتل إرهابية» في حين وجّهت إلى صديق ثالث للقاتل يدعى يوسف س. تهمة «تشكيل عصبة أشرار إرهابية بهدف ارتكاب جرائم بحقّ أشخاص».
وأودع هؤلاء المتّهمون جميعاً الحبس الاحتياطي باستثناء شنينا الذي أبقي قيد التوقيف بانتظار البتّ بأمر حبسه احتياطياً أم إطلاق سراحه بكفالة. كما وجهت لتلميذين يبلغان من العمر 14 و15 تهمة «التآمر في ارتكاب جريمة على صلة بجماعة إرهابية» وأطلقت سراحهما لكن مع إبقائهما قيد المراقبة القضائية.
قبل حوالي شهر من حادثة مقتل المدرس الفرنسي، أقدم شاب باكستاني، يبلغ من العمر 18 عاما على طعن شخصين قرب المقر القديم لجريدة شارلي هيبدو وبرر فعلته بأنه «لم يتمكن من تحمل إعادة الصحيفة نشر الرسوم الكاريكاتورية التي تسيء إلى النبي محمد». النبي محمد صلى عليه وسلم الذي تستعد الأمة الإسلامية في 29 أكتوبر المقبل الموافق 12 ربيع الأول 1422 للاحتفال بالذكرى 1495 لمولده الشريف، كان ومازال قائد الأمة الإسلامية وحبيبها وقدوتها الذي لا تتخلى عن الدفاع عن مقامه الشريف بكل عزيز عليها، ولذلك فهي بشبابها ورجالها ونسائها وحتى أطفالها تعتبر الإساءة إليه إساءة لمقدساتها واعتداء غير مقبول على كرامتها، فليس من الغريب أن تثير الرسوم الحقيرة المسيئة التي أعادت نشرها جريدة (شارلي هيبدو) استنكار وغضب ملايين المسلمين في مشارق الارض ومغاربها.
حادثة الطعن التي نفذها الشاب الباكستاني قرب المقدر القديم لجريدة (شارلي هيبدو) أثارت موجة سخط وتنديد إعلامي وسياسي كبيرين في فرنسا واستلمت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب التحقيق في القضية، وسارع وزير الداخلية الفرنسي الى اعتبار الهجوم «عملا إرهابيا إسلاميا»، وفي يوم الثلاثاء 21 أكتوبر الجاري تعرضت في منطقة برج إيفل، سيدتان فرنسيتان مسلمتان ترتديان الحجاب، وهما من أصول جزائرية إلى حادثة طعن، بعد مشادة مع فرنسيتين بسبب كلب غير مقيد وقالت الشابة المسلمة، التي تعرضت للطعن إن صاحبة الكلب تلفظت بكلمات عنصرية مثل «اغربي عن وجهي أيتها العربية القذرة». ومرت الحادثة في جو من البرود والحياد الإعلامي والصمت السياسي، وقالت جريدة (لوموند) أن تحقيقاً في تهمة «محاولة القتل العمد» فتح من قبل مكتب المدعي العام في باريس ونقلت عن مصدر مطلع على التحقيق قوله إنه: «لا يوجد دليل يدعم فرضية وجود دافع عنصري، أو آخر مرتبط بارتداء السيدتين للحجاب وراء الاعتداء عليهما».
لقد اختار الرئيس الفرنسي ماكرون في شهر سبتمبر الماضي (2020) بلدا عربيا هو لبنان تسكنه غالبية مسلمة ليدافع عن قرار جريدة (شارلي هيبدو) إعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدا إن الناس في فرنسا لهم حق «التجديف»، وأن «رسوم (شارلي هيبدو) الكاريكاتورية ليست خطابات كراهية».
لقد ظننا، بعد حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ بفرنسا في 25 اكتوبر 2018، بأن الإساءة إلى النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، ليست حرية تعبيرـ وأن هذا الحكم الصريح سيدفع الحكام الأوروبيين إلى وضع حد لجريمة الإساءة إلى الاديان والتحريض على الكراهية والإهانة لمقدسات المتدينين، لكن الرئيس الفرنسي ماكرون وصل به الأمر إلى حد القول في حفل تأبين المدرس المقتول إن بلاده لن تتخلى عن «الرسوم الكاريكاتورية»، في إشارة إلى الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى أن هناك سياسة رسمية للإساءة للمسلمين والاعتداء المقصود على مقدساتهم.
جريدة (شارلي هيبدو) منبع الفتنة ومنبر الكراهية يعتبرها الرئيس الفرنسي نموذجا للدفاع عن حرية التعبير، لكن المتابعين لأطوار تعامل هذه الجريدة الفرنسية مع حرية التعبير يتذكرون بلا شك ما وقع للرسام الفرنسي الكبير موريس سيني المعروف باسم «سيني» الذي تعرض إلى الطرد من الجريدة (شارلي هيبدو) بعد فشل محاولات مدير للنشر «فيليب فال» في الضغط عليه لتقديم اعتذار عن عمود كتبه عن اعتناق الديانة اليهودية من طرف «جان ساركوزي» ابن الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي.
تعود القضية إلى عام2008 عندما نشر الصحفي والرسام «موريس سيني» رسما ومقلا في عموده الصحفي أشار فيه إلى أن «جان ساركوزي» ابن الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي يرغب في اعتناق اليهودية قبل زواجه من خطيبته اليهودية الثرية، «جيسيكا سيبون- دارتي»، ابنة صاحب سلسلة محلات للإلكترونيات الشهيرة في فرنسا، وأن نجل ساركوزي سيعتنق اليهودية حتى يتمكن من تحقيق الثراء المالي والعيش في رفاهية، في إشارة إلى أن اعتناقه اليهودية لم يكن عن اقتناع بل سعيا وراء مصلحة مادية.. بعدها بأيام، أعلن مدير نشر الجريدة -آنذاك- «فيليب فال» عن: «نهاية التعامل مع موريس سيني؛ بذريعة أن ما كتبه يمكن تأويله بأنه ربط بين اعتناق اليهودية والنجاح الاجتماعي، وهو ما يُعتبر غير مقبول، ولا يمكن أن يدافع عنه أمام أية محكمة».
لم يتوقف الأمر عن قيام إدارة (شارلي هيبدو)عن طرد أحد مؤسسي الجريدة وأشهر محرريها بعد عشرات السنين من العمل فيها بسبب رأيه، ولكن الرسام تعرض إلى حملة إعلامية ضارية وسيل من الإهانات والتشهير في وسائل إعلام فرنسية، وحتى من طرف بعض زملائه في جريدة (شارلي هيبدو) الساخرة التي ترفع لواء حرية التعبير، وسارعت الجمعيات اليهودية إلى رفع دعاوى قضائية ضده بتهمة معاداة السامية والتحريض على الكراهية.
لكن القضاء الفرنسي كانت لديه وجهة نظر أخرى، وأصدر في عام 2010 حكما صارما بإدانة الجريدة وتغريمها لصالح الرسام سيني بضِعف ما طلبه، وبررت المحكمة قرارها بأن ما كتبه موريس سيني، لا يمكن أن ينطبق عليه وصف معاداة السامية، كما لا يمكن معاقبته على ما كتبه بأي جرم؛ هذا فضلاً عن أن العمود من المفروض أن تعاد قراءته من طرف مدير النشر «فيليب فال»، أشارت المحكمة إلى أن نشر الجريدة لخبر طرد الرسام، والطريقة التي أهين بها أمام الرأي العام، وحجم الضرر المعنوي الذي لَقِيَه؛ كلها عوامل جعلتها ترفع التعويض من المبلغ المعروف 20 ألف يورو إلى 40 ألف يورو، كما طالبت المحكمة جريدة (شارلي هيبدو) بنشر خبر إدانتها على صفحاتها؛ معتبرة أن القضاء لا يمكن أن يطالب “سيني” بكتابة اعتذار عما نشره.
ولكن هل تسمح قوانين فرنسا ومزاجها السياسي للمسلمين بمقاضاة جريدة (شارلي هيبدو) عما اقترفته من اعتداء على مقدسات دينهم والتحريض على تحقيرهم والسحرية من نبيهم؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

في ذكرى رحيل الاستاذ نوار جدواني عاشق اللغة العربية!

أ. عبد الحميد عبدوس/ مرت يوم الأربعاء الماضي (4 نوفمبر) الذكرى الخامسة لرحيل المجاهد والباحث …