أخبار عاجلة
الرئيسية | حوار | البروفيســــور بــوخـمـيـــس بـوفـــولـــــــة لـ «البصائـــر» / الجزائر تتوفر على العنصر البشري والعنصر المادي بامتياز لكن هناك نقص في الفعالية والإبداعية

البروفيســــور بــوخـمـيـــس بـوفـــولـــــــة لـ «البصائـــر» / الجزائر تتوفر على العنصر البشري والعنصر المادي بامتياز لكن هناك نقص في الفعالية والإبداعية

حاوره: أ. حسن خليفة /

ــــــــــــــــ

 

ضمن سلسلة حواراتنا المعرفية المتنوعة مع كفاءاتنا الوطنية في مختلف المجالات العلمية والمعرفية والثقافية والإبداعية، اقتربنا هذه المرة من الأستاذ الدكتور بوفولة بوخميس المتخصص في علم النفس وأستاذ التعليم العالي صاحب عدد من المؤلفات المهمة في المجال النفسي والأكاديمي مثل: الأسرة ودورها في انتشار الجريمة، الاضطرابات اللغوية عند الفصامي (دراسة نفسية معرفية)، مدخل لقياس السادية والمازوشية، الانحراف: مقاربة نفسية اجتماعية، علم النفس الصدَمي… وغيرها من الدراسات والمقالات العلمية التي تجاوزت الثلاثين، نُشِرت في العديد من المجلات العلمية.
وقد طرحت على الأستاذ الدكتور بوخميس عددا من الأسئلة ذات الصلة بالواقع الذي نعيشُه في وطننا وحياتنا .. وكانت إجاباته مهمّة على قصَرِها .. إليكم الحوار.

 

نبذة موجزة عن حياتك ومسارك ومسيرتك العلمية والمهنية حتى الآن.
– الدكتور بوفولة بوخميس أستاذ تعليم عالي في قسم علم النفس بجامعة عنابة سابقا وجامعة باتنة1 حاليا، من مواليد الفوبور بقسنطينة سنة 1966 نشرت ستة كتب وأكثر من ثلاثين مقالا ودراسة. اهتم كثيرا بالنشاط الأكاديمي والبيداغوجي الجامعي وأرى أن هذا النوع من النشاط هو بداية الحل للخروج مما نحن فيه من جمود وضيق الأفق.
لنبدأ من هذه الجائحة التي ضربت العالم كله.. ومن ذلك بلدنا. كيف يمكن أن نقرأ ما حدث وكيف نقيّم صحتنا النفسية في ضوء هذه الحائجة وما حدث فيها؟
-جائحة كورونا بينت أن المواطنين نوعان هناك من يسلكون السلوك الصحي الصحيح وهم قلة والأغلبية لا يسلكون هذا السلوك الصحيح، ويقصد بهذا الأخير كل نشاط يمارسه الشخص للتعرف على الكورونا أو تشخيصها مبكرا أو الوقاية منها، ولهذا السلوك الصحي أبعاد ثلاثة: البعد الأول هو بُعد الوقائية وهي السلوكيات التي تحمي الإنسان من خطر الإصابة بالكورونا، كالتحصين ضد العدوى وزيارة دورية ومنتظمة للطبيب خاصة للأشخاص المصابين بالأمراض المزمنة والمعرضين أكثر لخطر الكورونا ومستقبلا التلقيح ضد الكوفيد-19.
والبعد الثاني هو بُعد الحفاظ على الصحة، ويشمل الأكل الصحي واتباع الإرشادات الصحية كالامتناع عن التدخين والكحول وتناول المخدرات والنوم والراحة الكافيان، والتغذية المعتدلة، وممارسة الرياضة والمشي والحفاظ على الوزن المناسب.
وأخير البعد الثالث وهو بُعد ترقية الصحة وهي كل الممارسات التي من شأنها تحقيق مستويات عالية من الصحة.
نريد معرفة رأيك أيضا من منظور أكاديمي … عندما تلقي نظرة على الجامعة في خلفية هذه الجائحة والاضطراب الذي حدث: علميا، نفسيا، عاطفيا فكريا .. ماذا تقول؟
-كل جامعات العالم اضطربت بسبب جائحة كورونا، وكان الحل الأكاديمي والبيداغوجي الوحيد هو التعليم الالكتروني أو التعليم عن بعد، الجامعة الجزائرية لم تتأخر كثيرا في سلوك هذا الخيار لكن درجة الاستعداد لهذا النمط التعليمي متفاوتة من جامعة إلى أخرى ومن تخصص إلى آخر، والواجب أن يصبح «التعليم الالكتروني» وسيلة مكملة ومؤازرة ومساوية في التقنين والتشريع للتعليم الحضوري، ما لاحظناه أن عقلية المسير الأكاديمي الجزائري مازالت تنحو نحو الشكلانية والصورية، فما يهمه هو أن يقال أنه قدم تعليما عن بعد لكن هل كان فعالا ومعمما ومتاحا لا يهمه ذلك… الطالب بدوره أيضا يلعب دورا مثبطا كبيرا ـ للأسف ـ في هذا الشأن، فهو يعيش «اللامعيارية الأكاديمية»، أي أنه يريد الحصول على الشهادة التي لا يستحقها والمنزلة التي لا يقدر عليها.
لقد اختل التوازن بين طموحاته الكبيرة وبين قدراته القليلة ولم ينضج بعدُ لطلب العلم وتحسين المستوى. لقد استغل ومازال من طرف السياسي والغوغائي والمتملق والمتسلق، وما عاد طالب علم بل طالب حظوة وشهرة زائفة ومدمرة. أعطيك مثالا في المحاضرات التي قدمت عن بعد بواسطة برنامج «لقاء»(Meet)، استجاب الطالب بسلوكات غير طبيعية منها: الشكوى من عدم قدرته على متابعة المحاضرات عن بعد لضعف الانترنت مع العلم أنه مداوم على «التيك توك» و«الفيسبوك» و«اليوتيوب»، وما اشتكى يوما من انقطاع الانترنت عن برامج التسلية واللعب والموسيقى والفكاهة، لكن عندما يتعلق الأمر بمستقبله وعلمه يصبح عاجزا عن التقاط الانترنت. كذلك قبل الكورونا كان يغيب عن المحاضرات بزعم أنه يقطن بعيدا ولا يصل للجامعة لانعدام النقل، فهو يبحث دائما عن الأعذار، في وقت كان عليه أن يتحمل المسؤولية لأن مستقبله على المحك، نحن مقبلون على حروب علم ومعرفة وقيّم، ولابد من الاستعداد لها بالتكوين الأكاديمي المكثف والمدقق والمخطط والمبرمج والمقيَّم، وأخيرا من السلوكات الملاحظة أن الطالب يدخل للمحاضرات المقدمة عن «بعد» ثم يترك مكانه ويترك هاتفه مفتوحا، فهو يعتقد أنه يغش أستاذه وما علم أنه هو «الخاسر الكبير» و«البائس الأكبر».


يقودنا الحديث عن الجائحة وما يتعلق بها إلى الثقافة الصحية (النفسية) هي تعتقد أن مجتمعنا محصّن (نفسيا) ولديه ثقافة نفسية عالية .. أم العكس، وفي الحالتين أرجو التوضيح الدقيق؟
-تكتسب «الثقافة النفسية» بواسطة «التوعية الصحية» والتي تعد جزءا ضمن مفهوم أعم وأشمل وهو «التربية على الصحة» (Education à la Santé)، والتي تهدف إلى تحسيس الفرد بمسؤوليته على صحته وصحة الآخرين.
المنظومة الصحية الفعالة هي التي توعي المواطنين بالعوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، والتي تقوم عليها الصحة عامة والصحة النفسية خاصة… وتخص العوامل البيولوجية من مورثات وهرمونات وغيرها، أما العوامل النفسية فتخص شخصية الفرد وطفولته وتمدرسه والوظيفة التي يشغلها وظروف العمل والراتب وأخيرا العوامل الاجتماعية، وتخص استقراره وأمنه وسكنه والمساندة الاجتماعية التي يلقاها من أسرته وأصدقائه والجماعات المتفاعلة معه وقدرته على التكيف في هذا العالم المتغير.
إذن في ضوء تحليلك المتشائم هذا … هل يمكن أن تفتح لنا الأبواب للاستفادة الموضوعية المعرفية من «الثقافة النفسية» وكيف نجعل علوم النفس شيئا إيجابيا في حياتنا لتستوي وتزدهر؟
-الاستفادة تكون بنشر المعلومة النفسية الصحيحة فقط، ومنع كل المشردات التي تشوه هذه المعلومة. تصحيح التصورات العقلية والاجتماعية للناس وذلك بتصحيح الأفكار والاعتقادات والمعلومات الخاطئة عن الأمور. نعطي الكلمة للمتخصص الحقيقي في المواضيع المتخصصة، ولا نملأ أذهاننا بالمعلومات مجهولة المصدر.
كما أن هناك مسؤولية ضخمة تترتّب على الإعلام، فقد آن الأوان أن يؤدي دوره في هذه العملية، لأن ما يقدمه الإعلام الآن هو تتفيه وتسطيح للمعلومات. تصوروا هناك لمحة إشهارية في قنواتنا هذه الشهور عن نوع من الصابون وتقول إن هذا الصابون يشفي من الكورونا!!
لو سألتك مجددا وبتحديد ودقة: ما هي مسببات هذه الأعطاب النفسية والعاطفية الكبيرة في مجتمعنا؟
-الجزائر تتوفر على العنصر البشري والعنصر المادي بامتياز، لكن هناك نقص في الفعالية والإبداعية المؤسساتية أو ما أدرجه ضمن ما يعرف بـ «الستاتيكا الاجتماعية».
إننا نعيش ستاتيكا اجتماعية مرعبة، لا ابتكار لدى المسئول، لا إبداع لدى المشرّع، ولا تفهّم لدى المنفذ. هناك مقاومة للتغيير. المسئول عندنا أحاط نفسه بالمكابح والمحافر ليسقط فيها كل من تسول نفسه الاقتراب إلى كرسيه، بدلا من خلق الثروة وحمايتها. لقد أصبح المنصب للتربّح وليس لخدمة المجتمع. فالمختلف معه أو المبدع عندنا يعتبر عدوا، يُحاربُ حتى يرهق ويسقط ويُنبذ … وهذا كثير وقاس ومرهق ومدمّر.

يُقال عن الجزائري أنه «خشن» و«جاف» ولا يحسن التعبير عن «الحب».. كيف تحلّل ذلك كأكاديمي وممارس وخبير بالحياة، في بيئة جزائرية تعرف جيدا تفاصيلها؟
-كل شخصية مهما كان تاريخها وجغرافيتها وعرقها ولغتها لها سمات سلبية وسمات إيجابية ولكي نكون موضوعيين هناك سمات إيجابية كثيرة عند الجزائري يمكن أن أجمعها لك في جملة واحدة كافية: «الجزائري هو محب للحرية، والإسلام ويؤمن بالأخوة ويقدس الصداقة ويحترم الجوار(بين الدول) ويطمح للنجاح» ولا تشغل السمات السلبية كامل طيف شخصية الجزائري، فالقول أن الجزائري خشن وجاف وبلا حب هو نزعة لشيطنته. هذه الأقوال في الغالب قال بها انثروبولوجيون لا موضوعية ولا علمية في أبحاثهم، متمركزين علميا حول إثنيتهم (الثقافة الغربية) ويرون كل من يخالفهم متوحشا وعنيفا.
إنهم يحبذون الشخصية المنقادة والخاضعة لإنجاح مخططاتهم الاستعمارية والاستثمارية والاستغلالية.
إن هذه المقولات وسم أو بصم عنصري خاطئ وسطحي، ألا يوجد في الاسترالي الجفاف وفي الألماني الخشونة والأمريكي العنف والخشونة والرعونة وحتى الإجرام والإرهاب؟ إنها مجرد «أحكام مسبقة» أو «أحكام قيمية» أو «أحكام غير محايدة» تجرد أصحابها من الموضوعية.
إن تأكيد أو نفي هذه المقولات يتم عن طريق دراسات علمية ومؤسساتية يشارك فيها أكاديميون مختصون على الصعيد التنظيري في الانثروبولوجيا الثقافية والانثروبولوجيا النفسية والانثروبولوجيا الاجتماعية، وعلى الصعيد الميداني في القياس النفسي خاصة والقياس الاجتماعي والمنهجية التطبيقية. وتجرى العديد من هذه البحوث المؤسساتية الدقيقة مع تشبيك المعلومات وتثليت (Triangulation) الأدوات والعينات والمتغيرات، ولما تتوفر المعطيات العديدة والكثيرة يطبق عليها تقنية «الميتا-تحليل»(Méta-analyse) (تحليل مضمون كمي وكيفي لمعظم إن لم نقل كل الدراسات الميدانية التي أنجزت عن الشخصية الجزائرية)، وهنا فقط يحق لنا استنتاج بأسلوب علمي سمات وبنية الشخصية الجزائرية. أنا شخصيا لا أوافق على هذه السطحية في توصيف شخصية الجزائري وأنا متأكد أن الكثير من الذين كتبوا وأيدوا هذه المقولات هم أناس لهم أغراض وتوجهات خاصة أو لتحقيق أسباق صحفية وإعلامية. للعلم هناك دراسة ممتازة لمجموعة من الأساتذة الجامعيين تحت إشراف الأستاذ الدكتور مصطفى عشوي بعنوان: «الشخصية الجزائرية دراسة نفسية ميدانية» والصادر عام 2018 عن ديوان المطبوعات الجامعية، وهي بداية جيدة لهذا النوع من الدراسات عن الشخصية الجزائرية.
نعود قليلا إلى أبنائنا في الجامعات … هل تقترح صيغا أكثر إنسانية في التدريس؛ حيث إن معظم الزملاء يتعاملون مع الطلبة بشكل «حيادي ـ جاف» لا ينظرون إليهم على أنهم «بشر» فيهم ضعف وعندهم ظروف بل يدرسونهم ويقومونهم بعيدا عن المنظور .. ما رأيك؟
-يجب أن يمس الإصلاح الجامعي الأضلاع الثلاثة كلها، فالإدارة مطالبة بالتسيير المتجدد والديمقراطي والفعال، وأهم ما يجب أن تستثمر فيه توفير الكتاب (شراء قواعد البيانات) وعقلنة المصاريف فيما يفيد ووضع الأكفء في مناصب التسيير وعلى الأستاذ أن يرسكل نفسه (Recyclage) ويقوِّم ذاته (Auto-évaluation) ويعوّد نفسه على حياة العلم ويركز انتباهه على البحث والتأليف وأن لا يشغل نفسه بالشكليات والسطحيات والطفيليات وأخيرا الطالب عليه أن يعي أنه أضعف الأضلاع البيداغوجية الثلاثة وعليه أن يضحي ويجاهد لطلب العلم وليس لتسول النقاط وأن ينتبه ويحذر ممن يستغلوه من السياسيين والفاسدين والمنحرفين، وعليه أن يهذب نفسه وينمي شخصيته وينضج عقله وأن يبتكر تقنيات جديدة في العلم والمذاكرة وليس في الغش والتذلل.
لو طلبت منك تصنيف الأمراض (بالمعنى العام للمرض) النفسية وأصناف البؤس النفسي والعقلي فمن أين تبدأ.. أتحدث عن مجتمعنا أولا وعن أسرتنا الجزائرية ثانيا؟
-علميا لا يمكن تقديم هذا التصنيف لسبب بسيط وهو: «لا نملك في الجزائر تصنيفا للأمراض النفسية والعقلية خاصا بنا»، ونحن نعتمد على تصنيفات خارجية كتصنيف المنظمة العالمية للصحة (OMS) وتصنيف الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) ويتبنى أطباؤنا العقليون في غالبيتهم تصنيف الأمراض العقلية الفرنسي (CFTMEA)، فعلى صعيد الباثولوجيا النفسية، الجزائر كغيرها من الدول فيها الشخصيات السوية (الطبيعية) وهي كثيرة، و الشخصيات المضطربة وهي قليلة، وتتمثل في الشخصيات غريبة الأطوار أو الشاذة (جنون العظمة وانفصام الشخصية) وهناك أيضا الشخصيات التي تتميز بالانفعالية وتقلبها (الشخصية النرجسية) وأخيرا الشخصيات المتميزة بالقلق والحصر والخوف، أما على صعيد الباثولوجيا الاجتماعية، فقد عاثت العولمة والكوننة في الأسر والمجتمعات فسادا كبيرا، فتفككت الأسر وغاب الاتصال والتواصل بين أفرادها وأدمن الشباب المخدرات وزادت محاولات الانتحار وانتشرت الجريمة المنظمة، وأصبح للمشعوذين والمحتالين قنوات وصحف ومواقع انترنت، وبيَّض اللصوص أموالهم.
إن العنصر الوحيد في البنية الاجتماعية أو النسيج الاجتماعي الذي راوح مكانه هو المواطن البسيط الذي بقى في الحضيض يعاني البؤس والحرمان، ولما عاد لا يطيق الإجهاد والضغوطات المحيطة به حوّلها إلى أمراض مزمنة من سكري وقرحة وضغط وسرطان.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتــــور خالـــد بلعربـــي فــي حـــوار مع جريدة البصائر: هي ثورة ألهمت أحرار العالم وحرّرت القارة الإفريقية

تحدث الدكتور خالد بلعربي، أستاذ بجامعة سيدي بلعباس، في حوار له مع جريدة البصائر الجزائرية، …