الرئيسية | ذكرى | الذكــــــرى 59 لليــــوم الوطني للهجــــــرة / 17 أكتوبر 1961 .. * جريمة موريس بابون ضد الانسانية *معركة باريس.. انتصار اعلامي للحكومة الجزائرية المؤقتة

الذكــــــرى 59 لليــــوم الوطني للهجــــــرة / 17 أكتوبر 1961 .. * جريمة موريس بابون ضد الانسانية *معركة باريس.. انتصار اعلامي للحكومة الجزائرية المؤقتة

تغطية: فاطمــة طاهـــي /

 

17 أكتوبر 1961: تاريخ يخلد أبشع صور الجرائم الفرنسية ضد الانسانية، في حق متظاهرين جزائريين عزل، خرجوا في مظاهرات سلمية بباريس، رفضا واحتجاجا على مرسوم “حظر التجوال” على الجزائريين دون سواهم، المرسوم الذي أمر به محافظ شرطة باريس المجرم موريس بابون، لتقابلهم أسلحة القمع والقتل والتعذيب، اذ العديد منهم زجّ في السجون ليُمارس عليهم كل أنواع وأساليب التعذيب، وآخرون ألقي بهم من جسر “سان ميشال” إلى نهر السين وهم أحياء يرزقون، وبعضهم عادوا إلى الجزائر، ناهيك عن المفقودين.

 

الدكتور مولود عويمر: معركة باريس كانت انتصارا إعلاميا لا نظير له حققته الحكومة الجزائرية المؤقتة


أشار المؤرخ مولود عويمر، إلى أن المشهد الأول من هذا الحدث التاريخي هو مظاهرة احتجاجية قام بها الجزائريون المقيمون في فرنسا يوم الثلاثاء 17 أكتوبر 1961 بأمر من فيدرالية جبهة التحرير الوطني، وقد شارك فيها الرجال والنساء والأطفال، وذلك تأكيدا على طابعها السلمي، حيث أقبل الجزائريون من أحياء باريس وضواحيها خاصة أوبرفلييه ونونتير وشوازي لوروا للسير في مظاهرة سلمية حاشدة في شوارع باريس الكبرى (الأوبرا ولاكونكورد وبون نوف وإتوال…الخ). وقد كان عدد المتظاهرين قد بلغ حسب روايات مختلفة بين 20 و50 ألف متظاهر، واستغرقت وقائعها بين الساعة السابعة والنصف مساء والحادية عشر والنصف ليلا، حيث كان المتظاهرون يعبرون أمام العالم بطريقة سلمية واضحة عن احتجاجهم على القرار العنصري الذي صدر يوم 6 أكتوبر 1961 عن محافظة باريس، والذي ينص على منع الجزائريين –دون غيرهم- من الخروج والتجوال بين الثامنة والنصف ليلا والخامسة والنصف صباحا، اذ ان هذا القرار الذي أمضاه المحافظ موريس بابون وأكّد عليه وزير الداخلية روجيه فريي، بغلق المحلات التجارية التي يملكها الجزائريون على الساعة السابعة مساء، ويضيف الدكتور مولود عويمر أن الهدف من وراء ذلك هو القضاء على ديناميكية جبهة التحرير الوطني في فرنسا ومحاصرة نشاطاتها الثورية في صفوف الجزائريين الذين تجاوبوا معها دائما بفعالية، كما ساهموا بشكل كبير في تمويل الثورة والدعاية لها.
وعن رد المستعمر الفرنسي جراء المظاهرات السلمية، ذكر الدكتور مولود عويمر أن السلطة الفرنسية واجهت هذه المظاهرات السلمية بعنف وقسوة، ولم تفرّق القوات الأمنية الفرنسية المختلفة بين الأطفال والنساء والشيوخ، حيث وُثّقت هذه الممارسات القمعية صور كثيرة سواء التي إلتقطها المصوّر المعروف إيلي كاغان أو غيره، بالاضافة إلى المقالات الصحفية والكتب والأفلام الوثائقية والشهادات الحية التي ظهرت سنوات من بعد وما زالت تظهر إلى يومنا هذا، كلها تكشف صفحات مظلمة من تاريخ فرنسا الاستعماري.
أما فيما يخص عدد الضحايا، فأضاف المؤرخ مولود عويمر، أن علي هارون –الذي كان حينئذ من قادة فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا- قد ذكر في كتابه ” الولاية 7″ الأرقام التالية: 7500 معتقلا، و2300 جريحا و200 شهيدا قتل بطرق مختلفة ومنهم من تم رميهم إلى نهر السين بعد تعذيبهم وقتلهم، أيضا الباحث الفرنسي جون-لوك إينودي ذكر في كتابه “أكتوبر 1961: مجزرة في باريس”: 159 شهيدا و68 مفقودا. كما حاول بعض المؤرخين الفرنسيين التقليل من فظاعة هذه المجزرة وتحجيم عدد الضحايا مثل ما فعل المؤرخ جون-بول بروني في كتابه: “الشرطة ضد جبهة التحرير الوطني”، لكنها أصوات قليلة لم تستطع إقناع الفرنسيين بخطابها التبريري القائم على الذرائع الأمنية والسياقات التاريخية المغلوطة والمقاربات الأيديولوجية التي تجاوزها الزمن.
كما أشار الدكتور مولود عويمر إلى أن السلطة الفرنسية وجدت نفسها في موقف محرج، خاصة وأن “معركة باريس” كما سماها جون بول سارتر وقعت تحت الأضواء رغم أن أحداثها جرت في الليل المظلم. ولم يسلم من الضرب والقمع العديد من الأجانب ذات الملامح المتوسطية من الفرنسيين والأسبان والبرتغاليين والأمريكيين، كما شاهد كثير من الصحافيين الفرنسيين والأجانب هذه المجزرة التي وقعت في قلب مدينة باريس وتحدثوا عنها في جرائدهم ونقلوا أخبارها ووصفوا أجواءها فانتشرت أصداؤها في كل أنحاء العالم فأدرك الناس وحشية الاستعمار الفرنسي وعرفوا مدى معاناة الشعب الجزائري وصواب نضاله وشرعية كفاحه من أجل التحرر والاستقلال.
وحسب المؤرخ أنه إذا كانت فرنسا الاستعمارية تتعامل مع الجزائريين المسالمين بهذه الشدة والقسوة في عاصمتها باريس وفي رابعة النهار، فلا شك أن معاملتها معهم في الجزائر -وخاصة مع المجاهدين- ستكون أسوأ أضعافا مضاعفة ما دام رجالها يمارسون قمعهم بعيدا عن المراقبة والمحاسبة، مضيفا في نفس السياق: لقد سقط القناع عن فرنسا الإستعمارية، واكتشف الناس في العالم وجهها المظلم الذي بذلت كل ما تملك من القوة والنفوذ لتبييضه. لقد حاولت السلطة الفرنسية من وراء ذلك القرار العنصري أن تقضي على نشاط الثورة الجزائرية في فرنسا، وتضعف الحكومة الجزائرية المؤقتة التي دخلت معها في مفاوضات غير أن مكر التاريخ كان للمستعمِرين الظالمين بالمرصاد، كما أكد الدكتور أن معركة باريس كانت انتصارا إعلاميا لا نظير له حققته الحكومة الجزائرية المؤقتة، واضطرت الحكومة الفرنسية للعودة إلى مدينة إفيان السويسرية ضعيفة المواصلة المفاوضات السابقة التي انتهت بالإعتراف الرسمي بالسيادة الجزائرية وحق الجزائريين في استعادة استقلالهم الوطني.

الدكتور محمد لمين بلغيث: العمال الجزائريون في فرنسا ساندوا للثورة الجزائرية


أشار المؤرخ محمد لمين بلغيث، إلى أن القرار الذي فرضه محافظ الشرطة الفرنسية، موريس بابون، والمتمثل في حظر التجوال على الجزائريين في باريس، مما جعل المناضلين الجزائريين يتحدون هذه القوانين الجائرة، في مظاهرات سلمية منظمة ومهيكلة من قبل قيادات الثورة في فرنسا، شارك فيها الجزائريون المغتربون في فرنسا ومنهم من قدم من بلجيكا وهولندا وسويسرا وألمانيا، من أجل المشاركة في هذه المظاهرات، ليخرجوا ليلا ليجبوا شوارع باريس في مظاهرات سلمية وقد حذرتهم الجبهة من حمل السلاح، لتُقابل هذه المسيرات السلمية بالقمع مع ارتكاب أبشع الجرائم في حق الإنسانية حيث أن 300 شهيد ألقي بجثمانهم الطاهرة في نهر السين، مع سجن وتعذيب 30 إلى 35 ألفا من الجزائريين.
كما أضاف الدكتور محمد لمين بلغيث، القضية وصلت إلى الرأي العالمي، وذلك بفضل الصحافة المحلية والدولية، مشيرا في حديثه إلى الصحفي الأمريكي الجنسية، وصاحب البشرة السوداء، الذي أعتقل من قبل القوات الفرنسية، ليُطلق سراحه بعدما ثبت أنه صحفي، وهو الذي قام بتسريب الصور المعروفة اليوم عن مظاهرات 17 أكتوبر 1961م، كما أرسل تقاريرا إلى أمريكا وبريطانيا ناقلا حقيقة الاجرام الذي ارتكبته الشرطة الباريسية ضد الانسان.
مضيفا أن الثورة الجزائرية كانت عنوانا للتحرر مما زاد الهجرة الجزائرية وعيا، لتندمج مع الثورة مباشرة، وذلك من خلال تأسيس الولاية السابعة “فرنسا”، لتكون ضمن الولايات الثورية الجزائرية، حيث دعم العمال الجزائريون الثورة الجزائرية بالمال والاشتراكات، كما ساهموا في تنمية الوعي السياسي من خلال ايقاظ همم الشعوب والمثقفين في فرنسا وأوروبا.

الدكتور محمد لحسن زغيدي: الجرائم المرتكبة شجعت النخب الفرنسية المناهضة للاستعمار على تأييد مطالب الثورة الجزائرية


من جهته ذكر المؤرخ محمد لحسن زغيدي، أن مظاهرات 17 أكتوبر 1961م، أثبتت أن الحركة العمالية في فرنسا وصلت إلى قمة التطور الفكري والسياسي، حيث قررت قيادة الثورة في فرنسا أن تكون بداية العصيان داخل التراب الفرنسي، وهذا ليثبت كل الجزائريين المتواجدين في فرنسا أنهم وراء قيادات جبهة التحرير الوطني، وذلك بعد تلبية نداء الجبهة وخروجهم في توقيت محدد ضد المرسوم الذي فرضته فرنسا بحظر التجوال على الجزائريين ليجوبوا شوارع باريس.
كما تحدث الدكتور محمد لحسن زغيدي، عن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا ضد الجزائريين من قمع وقتل ورمي العديد من الشهداء في نهر السين، إضافة إلى الزج بالآلاف في السجون والمعتقلات، وكذا ترحيل الالاف منهم إلى الجزائر، مشيرا أن القمع الذي ارتكبته السلطات الاستعمارية قد تناقلته الصحافة العالمية والمحلية، والتي وصفت وحشية السلطات الاستعمارية ضد كل من يدعو للحرية في مستعمراتها.
وقال الدكتور محمد لحسن زغيدي، أن أهم نتائج مظاهرات 17 أكتوبر 1961م، هي عملية نقل الثورة إلى أرض العدو، والذي أصبح واقعا وتجربة ناجحة، كما أن هذه المظاهرات بينت لفرنسا أن كل جزائري في أرض فرنسا هو مناضل مهيكل في صفوف جبهة التحرير الوطني، كما كسرت حاجز الخوف للمطالبة بالاستقلال على أرض فرنسا، وحسب المتحدث أنها شجعت كذلك بعض اليساريين والليبراليين وبعض النخب الفرنسية المناهضة للاستعمار على تأييد مطالب الثورة الجزائرية والمتمثلة في الحرية والاستقلال، كما تحركت الجبهة الاعلامية على المستوى المحلي والعالمي، مما أدى إلى رفع القضية إلى المحافل الدولية، وهذا ما شجع في دفع عجلة التفاوض التي انتهت باتفاقية ايفيان، مضيفا في ذات السياق أن مظاهرات 17 أكتوبر جعلت أنصار الحرية في كل بلدان العالم تقف وتتضامن مع الثورة الجزائرية .

الأستاذ عبد القادر عزام عوادي: كانت المظاهرات منظمة ومهيكلة بأمر من فيدرالية جبهة التحرير الوطني


كما اعتبر الباحث في تاريخ الجزائر، الأستاذ عبد القادر عزام عوادي، أن أحداث 17 أكتوبر 1961م، تدخل ضمن المراحل التعسفية والسياسة القمعية التي تعرض لها الشعب الجزائري منذ الاحتلال الفرنسي، والتي فرضتها الادارة الاستعمارية، مشيرا أن المظاهرات قامت بطريقة منظمة ومهيكلة وبأمر من فيدرالية جبهة التحرير بفرنسا، رفضا للحظر الذي أجبرته فرنسا على الجزائريين دون سواهم، والذي فرضه محافظ الشرطة الفرنسية “موريس بابون”، حيث خرج الجزائريون في مظاهرات سلمية، ليقابلها قمع وجرائم ضد جزائريين عزل، يضيف المتحدث أن الجرائم المرتكبة ضد الانسانية وصل صداها إلى كل العالم، وذلك بعد تسريب ونشر صور في الصحافة الفرنسية وكذا الدولية والعالمية، والتي غطت حجم المجزرة التي اركبت، من قتل وتعذيب وسجن ورمي العديد منهم أحياء في نهر السين، وذكر الأستاذ عبد القادر عزام عوادي، أن هذه الجرائم التي ارتكبتها فرنسا ضد الجزائريين في عقر دارها جعلت العديد من المنظمات والدول تتضامن مع القضية الجزائرية، مما أرغم القوات الاستعمارية على التفاوض مع جبهة التحرير الوطني.

عن المحرر

شاهد أيضاً

” أَرْبَعُ سِنِينَ مِنَ السَّنَا وَالْقَادِمُ أَسْنَا”

بِهَذَا الشِّعَارِالنَّفِيسِ؛ تَحْتَفِي قَنَاةُ الْأَنِيسِ الْفَضَائِيَّةِ بِعَهْدِهَا الْخَامِس ! مِنْ دُجَنِ الرَّابِعَة عَشَرَ بَعْدَ الْأَلْفَينِ أنارَ …