الرئيسية | رأي | عندما يُرفع للغادر لواء…

عندما يُرفع للغادر لواء…

عادل بن جغلولي/


الغدر…سلوك دنيئ وعمل وضيع وداء عضال يصيب الفرد والمجتمع فتتحول حياة الناس من الهدوء والطمأنينة إلى جحيم الشك والظن والدسائس …وقد جاء لفظ الغدر بمعنى ترك الوفاء بالعهد،وقيل هو: (نقض العهد مطلقًا في لحظة لم تكن متوقعة ولا منتظرة…
فالغادر منبوذ في المجتمع يجتنبه الناس لشره ولربما بُشّ له مخافة غدره فيدخل في زمرة من أشار إليهم النبي الكريم في قوله: «شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ» رواه البخاري
وقد وصف الله تعالى الغدر بالفساد في الأرض فقال: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}(الرعد/ 25).
وقد روي عن الإمام على رضي الله عنه انه قال: (الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جُنَّة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كَيسًا…-هذا ماوصف به رضي الله عنه زمانه فكيف بزماننا نحن؟؟؟
وللغدر أثر بالغ وعميق في النفوس فهو يدمر الأنس، والمحبة، والوفاء، وكل القيم الأصيلة، وقد صدق وصف الشاعر حينما ذكر خسة الغادر ودناءة طبعه وسوء فعاله وأثر جريمته فقال:
للهِ أشكو غادراً عَلّمتُه
رَمْيَ السِّهامِ فكنتُ أوّلَ مَن رمَى
وبدَا لقلبي جَنَّةً حتى إذا
نالَ الذي يَرجُوهُ عادَ جَهنّما
وبكيتُ من جُرحٍ شَكَاهُ وحينما
لاحت جراحي النازفاتُ تَبَسَّما
وشكا إليّ عذابَهُ فرَحِمتُهُ
وشكوتُ مِثلَ شَكاتِهِ فتَهَكَّما
وكسَرتُ خبزتيَ الوحيدةَ بيننا
وسَطَا على نِصْفي فلم أَفغَرْ فما
إلى أن يقول:
هل يغفرُ الجبّارُ خسةَ غادر
ما زلتُ أنزفُ من خساستِهِ دَما؟!
وإذا كان للناس في الوفاء بالعهد طبقات ودرجات، فهم في الغدر دركات أيضا بعضها فوق بعض، أعظمها وأجسمها خيانة الأمانه، وتكبر وتعظم إذا تعلقت بقضايا الأمة العادلة والتلاعب بمقدساتها وهويتها وبيع قيمها في سوق العمالة والذلة، ولولا غدر القريب وخيانة الصديق لكانت أرض فلسطين تحت راية التوحيد، وعاصمتها القدس الشريف العتيق، وأي غدر أكبر من أن تضع يدك في يد العدو الغاشم الظالم مهرولا ودماء الشهداء لم تزل تنزف، وآهات الثكالى وصرخات الأسرى تسمع من به صمم، وانظر إلى بغداد والبصرة وأرض الرافدين واسأل ما حل بها ستجيبك قصور بابل وساحاتها أن الغدر والدنية حلت بواديها..
بغداد عذرا إن بعثت ملاما
فالقلب قد جمع الهموم ركاما
ما كنت أحسب رغم ما قد حدثوا أن الأبية تعلن استسلاما(1)
والغادر ظاهره حسن وباطنه سيئ وعفن.
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويزوغ منك كما يزوغ الثعلب
-كما ذكر الإمام الشافعي- يزوغ الناس به لذلك يرفع له لواء واي لواء؟ انه لواء الفضيحة العظمى يوم الأشهاد ليكون الجزاء من جنس العمل، (لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان)، وفي رواية: (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة) صحيح البخاري
قال النووي: (وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر، لاسيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين).
أعاذنا الله من لواء الغادرين وصحبة الظالمين ومكر المنافقين وردنا اليه ردا جميلا..
(1) دكتور عصمت رضوان.. شاعر مصري..
عضو ب ج ع م ج شعبة ولاية المسيلة مكلف بالاعلام

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (11)

د. موسى عبد اللاوي * وللمصائب والابتلاءات في الكتاب والسنة سببان اثنان مباشران – إلى …