الرئيسية | ليتفكروا | الدين أوسع من أحوال إيمانية بمعناها الكنسي

الدين أوسع من أحوال إيمانية بمعناها الكنسي

د. بدران بن الحسن * /

أشرنا فيما سبق إلى هيمنة النموذج المعرفي الغربي على صناعة المعرفة والفكر في العالم المعاصر، وإشعاع الحضارة الغربية على العالم، مما تسبب في انتشار مفاهيمها وتصوراتها وأنماط عيشها ونظمها على العالم، بفعل الحركة الاستعمارية الحديثة، والتطور التكنولوجي، ثم موجة العولمة و«الحداثة السائلة». وهذا جلب على العالم وليس على المسلمين فحسب مشكلات في الفكر والعلم والعمل والحياة والاجتماع.
ومن بين آثار هذا الاشعاع الغربي أن سرى مفهومه للدين على بقية الاديان، وتم تعميم النموذج المسيحي للأديان على بقية الاديان، فتم اختزال الدين في أحوال إيمانية سلبية وانحصر الدين في الشأن الوجداني الخاص، ولم يعد له دور في الشأن العام وصياغة الحياة وتوجيهها، بل أنك تجد الانسان المعاصر ينتسب إلى دين معين يمارس بعض طقوسه ويشعر بانتماء وجداني له، ولكن لا علاقة للدين بصياغة وعيه وفكره وعلمه وعمله ونظم حياته وبناءاته الثقافية والحضارية إلا قليلا.
وبالرغم من أن الفلاسفة المعاصرين ودارسي الاديان والحضارات، في الغرب بخاصة، تباينت تعريفاتهم للدين وتحديداتهم له، لكن غالبها الأعم اتخذت من المسيحية نموذجا للحديث، سواء أجاءت في صورة مدح للدين أم في صورة انتقاص من شأنه؛ لذلك لا تعدو أن تكون ضمن المعنى المسيحي للدين. ولهذا لا يجد ماكسيم رودنسون حرجا من الاعتراف بذلك، بقوله بأن الغربيين ميّالون بطبعهم إلى الحكم على جميع الأديان بحسب النموذج الذي اعتادوا على استعماله، وهو النموذج المسيحي (بخوش، تاريخ الأديان، ص18).
ولهذا، فإنه كما لا يمكن اختزال ثراء وسعة العلم في العلوم الطبيعية، بل هو أوسع منها موضوعا ومنهجا- كما أشرنا في مقالنا السابق- فإنه لا يمكن اختزال الدين في أحوال الإيمان، وذلك كما يقول طه عبد الرحمن لوجود مبدأين يمنعان هذا الاختزال؛ أولهما «مبدأ تعدد شعب الحياة»، وثانيهما «مبدأ استكمال الشعبة».
أولهما «مبدأ تعدد شعب الحياة»؛ وبيانه أن السؤال الذي يجيب عنه الدين هو بالذات: «كيف أحيا؟»؛ فيكون الأصل في الدين هو الحياة الطيبة، غير أن الحياة الطيبة ليست شعبة واحدة، وإنما شعب متعددة؛ وقد نُجمل هذه الشعب في ثلاث كبرى، وهي «شعبة الإيمان»، وتدخل فيها كل الاعتقادات؛ ثم «شعبة العلم»، وتدخل فيها كل المعارف؛ فـ«شعبة العمل»، وتدخل فيها كل الأفعال؛ ولا حياة طيبة إلا بتكامل هذه الشعب الثلاث فيما بينها، فالفرد لا يحيا بشعبة واحدة منها، إن إيمانا وحده أو علما وحده أو عملا وحده، ولا بشعبتين منها، إن إيمانا وعلما معا أو إيمانا وعملا معا أو علما وعملا معا، وإنما يحيا بها جميعا على قدر نصيبه من كل شعبة منها؛ وهكذا، فالدين أوسع من أن تستوعبه حال الإيمان وحدها (طه عبد الرحمن، كيف نفكر، ص40).
فالدين جاء منهاجا للحياة كلها لتحقيق الحياة الطيبة، كما جاء ليجيب عن اسئلة الانسان الوجودة الكبرى عن الخالق وعن الكون وعن الحياة وعن المصير. وليس هذا فحسب، بل جاء الدين منهاجا ليعلم الانسان ويفتح ذهنه للتدبر والنظر في ما خلق الله في هذا الوجود والتعرف عليه، وليقيم حياته وفق سنن الله في الآفاق والانفس والهداية والتاريخ، عملا بتلك السنن، وتسخيرا لها، وتحقيقا لإنسانية الانسان، واداء للأمانة التي حملها الانسان ولم تستطع السموات والارض والجبال حملها واشفقت منها.
فالدين ليس أحوالا إيمانية جذبية قاصرة، بل ان الدين يغطي كل جوانب الحياة على تعدد مناشطها وجوانيبها، ويصوغها كلها في وحدة تكاملية واحدة، فلا يعيش الانسان التمزق بين ابعاد حياته المختلفة، ولا يعيش التناقض بين ما يعتقد ويتصور وبين ما يعلم ويعرف وبين ما يعمق وينجز؛ «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (سورة النحل، 97)، «قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (سورة الأنعام، 162). فليس هناك اختزال، وليس هناك شان خاص دون العام، وليس هناك انفراد الدين ببعد واحد في الحياة وانعزاله بها، وابتعاده عن الابعاد الأخرى، بل إن الدين يستغرق حياة الانسان كلها بتشعباتها وثرائها وتنوعها.
أما المبدأ الثاني فهو «مبدأ استكمال الشعبة»؛ وفي هذه يرى طه عبد الرحمن أن الأصل في كل شعبة من شعب الحياة الطيبة أن تطلب كمالَها، ولا تُحَصِّل هذا الكمال إلا بالتداخل مع الشعبتين الأخريين، ذلك أن كل شعبة تكون بها حاجات ولها تعلُّقات، ولا يمكن أن تُلبي هذه الحاجات وتُرضي هذه التعلقات إلا هذه أو تلك من الشعبتين الأخريين أو هما معا؛ فلا بد إذن لكل شعبة من أن تظل موصولة بغيرها من شعب الحياة؛ وهكذا، فالشعبة الواحدة لا تبلغ غاياتها وتكتمل حقا إلا بباقي الشعب (المرجع نفسه، ص40).
إن هذا التكامل والتراتبية والاستمرارية وارتباط كل جانب من الحياة بالجوانب الاخرى يجعل مفهوم الدين أوسع مما يتم تسويقه في نموذجه الغربي أو في النماذج الأخرى المشوهة والمحرفة والقاصرة، بل يجعل لجانب الاعتقاد في الدين أثرا بالغا في بناء بقية الجوانب، ذلك ان الاعتقادات تبني التصور وتؤسسة لنظرة الانسان للحياة والوجود والغيب، وعليها تبنى أعمال قلوبنا وانفسنا وجوارحنا، ولكن كلا البعدين يبنيان على شعبة العلم التي تتتسع لشتمل كل جوانب العلم طبيعة وشرعا وإنسانا واجتماعا، أو بعبارة اخرى فإن العلم في موضوعه يشمل علوم لاشرع والطبيعة والانسان والمجتمع، وفي مصدريته يتجاوز مجرد عالم الشهادة إلى عالم الغيب، وفي منهجه لا يقف عند التجريب، بل يستند على إعمال العقل والنقل، ويعتمد الفهم والتأويل كما يعتمد التجريب، ويسعى كلها في تحقيق اعتقاد صحيح وعمل صالح.

عن المحرر

شاهد أيضاً

القرآن والنقلة في الوعي الإنساني

د. بدران بن الحسن */ بناء على ما سبق تناوله في المقالات السابقة من اختلافات …