الرئيسية | القضية الفلسطينية | الخطــــر علـى الـــدول الـمطبّعـــة لا على فـلسطـيــن

الخطــــر علـى الـــدول الـمطبّعـــة لا على فـلسطـيــن

أ.د. عبد الملك بومنجل /

العلاقة الطبيعية مع العدو الغاصب هي الخصومة والمقاومة إلى أن تُستردَّ الأرضُ ويوضع العدو في موضعه المُستحق. لذلك يبدو مصطلح التطبيع مغالِطا ومخالفا للحقيقة، إذ يوحي بمعنى جعل العلاقة مع العدو في وضعها الطبيعي، مع أن الوضع الطبيعي هو العداء والمقاومة كما أسلفت.
وقد أقدمت بعض الدول الخليجية مؤخرا على خطوة في العلاقات الخارجية بالغة الشناعة أخلاقيا وبالغة الخطورة سياسيا، ليس على القضية الفلسطينية فحسب، بل على مناعة الأمة بأسرها، وعلى المصالح القومية المتعلقة بتلك الدول ذاتها؛ إذ لا يعني فتح المجال الدبلوماسي والتجاري والسياحي والثقافي لكيان خبيث من حيث طبيعتُه وأهدافه وخططه في اختراق النسيج القيمي والفكري والمالي للدول القوية فضلا عن الضعيفة، لا يعني ذلك إلا منح هذا الكيان الصهيوني فرصة ذهبية لإنجاز اختراق متعدد المداخل والمسالك، يبدأ باستهداف بعض الدول الإسلامية في أمنها القومي والاقتصادي، وإحداث مزيد من الشرخ في العلاقات العربية-العربية والإسلامية-الإسلامية، ثم ينعطف إلى الدولتين نفسيهما بتحويلهما إلى ملحقتين بالكيان الغاصب تُحبَك على أراضيهما كل ألوان المكر بالأمة. وربما تمكن عدد من الصهاينة أن يحصلوا فيهما على امتيازات هائلة تؤهلهم للهيمنة على السلطتين المالية والسياسية بطريقة أو بأخرى.
لم تكن الخطوة الشائنة غريبة بالنظر إلى ما سبقها من سلوكات ومواقف سياسية تعاكس المصالح العليا للشعوب العربية والإسلامية، وبالنظر إلى ما سبق من علاقات سرية أو شبه سرية؛ ولكن الجرأة على إعلان هذه الجريمة يدل على أن الانفصال بين الضمير السياسي لبعض الأنظمة العربية والضمير الأخلاقي والحضاري للشعوب التي تسلطت عليها هذه الأنظمة بغير وجه حق، قد بلغ أوْجَه، وأن الأمة في مرحلة خطرة من تاريخها، وأن الشعوب إذا لم تنتبه لهذا الخطر بفطرتها أو بأداء أهل العلم والوعي واجبهم في تنبيهها، ستجد نفسها أمام أمواج من التغوّل على مصالحها المادية والمعنوية قد يعصف بكيانها، بأن يُحوّلها إلى كتلة سائلة من الموارد والأدوات تُسخّر في خدمة مصالح أعدائها ولا يكون لها أية قدرة مادية ولا معنوية على استثمار مُقدَّراتها وتسطير أهدافها وإنجاز مشاريعها.
لا شك أن لهذه الخطوة آثارَها السلبية في القضية الفلسطينية، من جهة أنها تعزل القضية عن محيطها القومي الذي يحمي ظهرها بعض الحماية، ويوفر لها بين الحين والحين لونا من الدعم معنويا أحيانا وماديا أحيانا. فالآن سيتحول هذا الدعم الشحيح إلى عداء وتآمر استخباراتي مع العدو لمنع كل محاولة لمساندة المدافعين عن أرضهم وعرضهم ومقدساتهم، ولربما بلغت الخيانة حد التعاون العسكري استهدافا لرموز المقاومة وتعزيزا للقوة العسكرية الصهيونية في حربها مع الفلسطينيين، وسابقة اغتيال المبحوح على أرض الإمارات تعزز احتمالية هذا التآمر.
مع ذلك فإن القضية الفلسطينية أوشكت منذ مدة أن تتحول إلى فلسطينية بحتة، بعد أن خذلها العرب جميعا وانشغلوا بكوارثهم الداخلية. الفلسطينيون يحاربون العدو بأنفسهم غير معوّلين على جيران يكيدون لهم ويشاركون العدو في محاصرتهم، ولا على أشقائهم الأباعد ممن يبذرون ملايين الدولارات في مآرب خاصة أو مشاريعَ تآمرية على مصالح شعوب عربية أو إسلامية تطمح إلى التحرر والتحضر، ويبخلون على الفلسطيني المحاصر بوجبة غذاء أو علبة دواء.
الدول التي أقبلت على هذه الخطوة البشعة لم تكن أصلا عدوا للكيان الصهيوني الغاصب، ولا صديقا للشعب الفلسطيني المضطهد؛ لذلك لن يخسر الفلسطينيون شيئا ذا بال من تخلي الأشقاء عنهم وتحالفهم مع عدوهم. سيشمرون عن سواعدهم كما عوّدونا، وسيقاومون العدو بإمكاناتهم التي يطوّرونها بإخلاصهم لقضيتهم وبقوة عزائمهم. وسيكون وراءهم شعوب عربية وإسلامية مغلوب على أمرها بسبب الاستبداد المسلّط عليها، تكون معهم بالكلمة على الأقل إن عزّت المساندة بالسلاح أو المال. لقد أصبحت عورات العملاء مكشوفة، وهي خطوة في طريق التحرر.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لبنان.. الحلقة الأضعف

أ. محمد الحسن أكيلال / «الحريري» يطالب حزب اللـه بتقديم تضحيات هكذا وبكل نذالة ووقاحة …