أخبار عاجلة
الرئيسية | قضايا و آراء | ماذا تريــــدون من جمعــيــــة العلمـــــــــاء؟

ماذا تريــــدون من جمعــيــــة العلمـــــــــاء؟

أ. التهامي مجوري* /

 

تابعت تعليقات المعلقين على بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المتعلق بالموقف من تعديل الدستور، ورأيت ما رأيت من القدح والتجريح والسباب؛ بل إنّ بعضهم أثار خزعبلات كنّا نظن أنّها ماتت مع أصحابها ومدبريها، لا لشيء إلاّ لأنّ جمعية العلماء لم تقل صوتوا بنعم أو بلا أو قاطعوا، بالرغم من أن من يعرف جمعية العلماء وطبيعتها يدرك أنّه ليس من مهامها الدعوة للانتخاب بنعم أو بلا أو بالمقاطعة، لسبب بسيط أنّها لست حزبًا سياسيًا، وليست معنية بالدعوة للتصويت أو عدم التصويت، لأنّ أتباعها لهم قناعاتهم السياسية الحزبية المتباينة والمختلفة، منهم من يرى المشاركة بنعم ومنهم من يرى المشاركة بلا ومنهم من يرى المقاطعة، ولكن هؤلاء الذين تمنوا لو أن الجمعية كانت على رأيهم يبدو أنهّم لم يفمهوا ذلك فقالوا ما قالوا… ولعلّ أبسط عبارة قيلت عن الجمعية بهذه المناسبة “الجمعية شدّت العصا من وسط”. والملاحظ في الكثير من هذه الأصناف المتنوعة، التي لم يجمع بينها إلاّ القدح في جمعية العلماء، إذ منهم من يحب الجمعية واقتنع بالمقاطعة فتمنى أن يكون موقف الجمعية المقاطعة!! ومنهم من يرى أن الجمعية خُلِقت لتمارس معارضة السلطة وكفى كما كانت في عهدها الأول: “لو قالت لي فرنسا قل: لا إله إلاّ الله ما قلتها”، باعتبار أنّ السلطة جائرة والجمعية مؤسسة على الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومن ثمّ لا بد أن تقول لا للدستور!! ومنهم من يرى أنّ على الجمعية أن تنظر في الدستور وتنطلق مما فيه من إيجابيات وتدعو النّاس للتصويت بنعم دعما للسلطة الجديدة التي تريد الإصلاح، ومنهم من لا يعترف بغير موقفه الحزبي، ويريد للجمعية أن تتبنى موقفه المسبق!!، وكأن الجمعية بردعة للقناعات الحزبية!! ولما لم يجد هؤلاء جميعا أراءهم في موقفها تحاملوا عليها حبا وبغضا وترددا وقدحا في قيادتها فقالوا ما قالوا!! وهناك فريق آخر من خارج الدائرة، لا يريد للجمعية أن تظهر بموقف خادم للمجتمع؛ بل ما يهمها هو أن تسقط الجمعية؛ لأنّها هي الآن تمثل الكتلة الحرجة التي تعيقه وتفشل مساعيه، ولسان حال هذه الفئة جريدة الوطن الناطقة بالفرنسية.
كل هؤلاء يشتركون في أصل واحد جمعهم، هو عدم احترام مواقفها ورأيها فيما تصدر، وكأنهّا الناطق بلسانهم، في حين أنّها مؤسسة لها قياداتها ولها فسلفتها في ممارسة الاهتمام بالشأن العام…
إلى كلّ هؤلاء جميعا مع اختلاف إراداتهم وتنوعها نقول: إنّ الجمعية لها توجهاتها الكلية التي لا تجبرها على الأخذ بالجزئيات المفضية للتشتت والانقسام…، فقد طُلب منها أن تبدي رأيها في التعديل الدستوري، وتقدمت بما تراه مناسبا، ولم يؤخذ بمقترحاتها أو أخذ ببعضها!! وأعلنت عن ذلك بوضوح، ثمّ سجلت موقفها من مضمون التعديل الدستوري المعدل والمعروض على التصويت، وأعلنت عن تحفظها في بيانها وقالت بوضوح من أن هذه الوثيقة فيها محاذير… وفي الأخير حملت المجتمع المسؤولية في اتخاذ الموقف المناسب من هذا التعديل.
وامتناع الجمعية عن الإملاء بنعم أو لا أو المقاطعة، نابع من طبيعة رسالتها المختلفة عن الأطر الحزبية من ناحية، ومن ناحية أخرى أنّها لا تعتبر التعديل الدستوري بهذا المستوى من الأهمية المفصلية في عملية التغيير التي وعدت بها السلطة وينتظرها الشعب، وإنمّا هي لعبة من لعب عصب السلطة التي تستعملها في صراعاتها من داخل العلبة. فالشعب الجزائري لم تكن له مشكلة مع الدساتير أو القوانين جميعاً، وإنمّا كانت مشكلته ولا زالت مع الممارسات المحمية من قبل المؤسسات الاستبدادية… ولذلك هي مؤمنة إيماناً جازماً أنّ الدستور لن يغير شيئا ما لم تتغير ذهنيات المسؤولين، وما لم تعدل أساليب التعامل مع الشعب…، فما كان موافقا منه للمجتمع وثوابته سوف يستقر في واقع النّاس، وما كان مخالفا سوف يتجاوزه الشعب ويتخطاه كما تخطى مظالم أخرى فرضت عليه ولم يقبلها.
إنّ الشعب الذي يعتقد السياسيون أنّه ليس ناضجا، شعب “يعرف صلاحو”، وكما قيل لذلك الربيب “من أفضل أمك ولا مَرْت باباك؟ قال مرت بابا واللي في القلب في القلب”… وجمعية العلماء تعرف هذا وأكثر، من أن السلطة التي لا تحترم شعبها، لا يحترمها الشعب.
ومثلما أن التعديل الدستوري ليس أولوية، فإنّ ما سيمرر منه كما مرر غيره من تعديلات في سنة 2016 وفي 1996، من خروق وتجاوزات، سوف لن يلقى قبولا في الأوساط الشعبية؛ بل سيكرس التمرد الشعبي أكثر ويساهم في توسيع الهوة بين السلطة والشعب.
كلّ هذا تعرفه الجمعية ولا تريد أن تمارس وظيفة المستدرج إلى ما لا يجدي…، وهنا يجدر أن ننبه إلى المنعرجات التي لا يجوز للجمعية أن تغفل عنها وقد فعلت، مثلما وقفت الموقف المشرف في دعوة الرئيس السابق لسحب ترشحه –العهدة الخامسة -؛ لأنّه الموقف الواجب في تلك المرحلة… ولو يقع لا قدر الله انقلاب مثل الذي وقع في سنة 1992، أو انتفاضة كما وقع في أحداث أكتوبر 1988، لا ينبغي للجمعية أن تسكت؛ لأنّ الموقف عندها سيكون موقف الأمة وليس موقفا حزبيا، وكذلك فعل البقية الصالحة من الجمعية الشيخ أحمد سحنون -رحمه الله – عندما دعا الشعب في أكتوبر 1988 إلى الامساك عن التخريب حتى لا يصدق فيه قول الله “يخربون بيوتهم بأيديهم”.
وعليه ندعو الذين يعرفون للجمعية قدرها ويحبونها أن يحترموا مواقفها وأراءها في الأحداث السياسية الآنية، وإذا لم يعجبهم موقف أو رأي فليتهموا أنفسهم، أو يتواصلوا مع قياداتها المركزية والمحلية لتعليل هذا الرأي أو ذاك، ولا يكونوا عونا للشيطان على إخوانهم، لا سيما في الأمور الاجتهادية القابلة للاختلاف، وذلك أدعى وأرشد إلى الصواب.
إن مواقف مؤسسة كجمعية العلماء تشبه الفتوى، بينما القضايا السياسية الآنية المتقلبة ليست بالوضوح والصدقية التي تغامر فيها الجمعية برأي مسند لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
*عضو المجلس الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …