أخبار عاجلة
الرئيسية | على بصيرة | نحــــو مــجتــمـــع جـــزائـري أفضــل ..

نحــــو مــجتــمـــع جـــزائـري أفضــل ..

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين /

يحار الراصد لتاريخ الشعوب، وتاريخ الشعب الجزائري على الخصوص، عندما يخضع تطور تاريخ شعبنا للتدقيق والتحقيق.
ففقيه الحضارة، في رصده للظواهر، يخرج بنتيجة كبرى، وهي البون الشاسع بين مجتمعين جزائريين:
المجتمع الذي نعايشه اليوم، فتكتشف أنه يبعث بمختلف أنواع الآفات وشتى أعراض الأزمات.
انه مجتمع يتسم، بما يعرف في فقه القواعد النحوية بصيغة منتهى التعجب، إذ تطفو على سطحه غثائية، مصدرها صراع عنيف يدور في أعماق البحر الجزائري بين الأسماك والحوت، وفي السماء الجزائري بين الحمائم والصقور.

انها لعمري، أعراض، خطيرة، تنذر بالانهيار الحضاري، ان لم يتداركها الراسخون في علم السياسة، بالعدل، والحكمة، والكياسة.
فإذا قارنا صورة هذا المجتمع، الذي يطبعه العنف الأعمى، والتعصب الأسمى، بصورة المجتمع الجزائري، الذي صبغه الجهاد بالمعجم النفسي الحي للعباد، فاحدث زلزالا وقع في تاريخ البلاد.
ولك، يا قارئي العزيز، أن تقارن بين مجتمع جزائري، يعاني اليوم تبعات الآفات فيه، من حرق، وخرق، ومن اغتصاب واضطراب، تلك الظواهر الغريبة عن قيمنا، وشيمنا، وبين مجتمع نوفمبر، الذي عايشنا، نحن المخضرمين روائعه وبدائعه، حيث كان يسود الإباء والإخاء والصفاء والوفاء، والتعاون والتضامن.
فما الذي جرى لمجتمعنا المثالي، «الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين» سورة الأعراف، الآية: 175.
مأساة وطننا الجزائري، انه خير وطن أخرج للناس، فقد آتاه الله جمال الطبيعة وجلال الوديعة، ووهبه قناطر الخيرات، وأجود ما في العالم من المنتوجات، غير أنه بدل أن يعيش سعيدا بهذه الهبات تسلطت عليه ألوان من العصابات، فنهبت الخيرات، وعطلت العمل بالمعتقدات، ووضعت البلاد رهينة الغزو الفكري، وشتى أراذل الانحرافات.
محنتنا الكبرى اليوم، أننا تحولنا من بلد المليون شهيد، الذي يضرب به المثل في وعي وجهاد، وأخلاق المجاهدين، تحولنا إلى طوائف من المنحرفين، والمفسدين، والمغتصبين.
من كان يظن أن ينبت في جزائر القرن الواحد والعشرين، جيل، يقدم على قتل وحرق ناشئة في زهر الياسمين؟
وهل كان مجاهدونا، وشهداؤنا، وعلماؤنا يتخيلون، أن يخلف من بعدهم خلف، يعبث بالمقدسات، ويدوس على الثوابت والمقومات، وينشر المجون والمخدرات، ويسقط البلاد في أسوء أنواع الانحرافات؟
إن ما حدث ويحدث اليوم، هو نتيجة لسوء المقدمات، فقد حطمنا الخلية الأولى للمجتمع، وهي الأسرة، بإخضاعها لشذاذ الآفاق ممن يبشرون، بالنشاز من المعاهدات الأممية والاتفاقيات، التي تسوق للشذوذ، والنفوذ، أيا كانت المبررات والمغريات.
كما أجهزنا على المدرسة وهي الحضن الدافئ للأجيال، فأفرغناها من القيم التربوية وتركناها عرضة لسوء الفعال، منعنا الصلاة في صفوف المدرسة، وحذفنا البسملة التي هي مفتاح كل مسألة، فيا للمهزلة.
وطبيعي أن الأسرة الفاقدة للقيم، والمدرسة الخالية من الذمم، قد كانت المقدمة الفاسدة للقضاء على الهمم، والشمم، فنتجت لدينا العصابة، التي خربت الاقتصاد، وأذلت العباد، ونشرت الظلم باسم الاستبداد.
لقد كنا نمنيّ النفس، أثناء ثورة الجهاد أننا سنصنع مجتمع المعنى التام للانسانية الذي يقوم على المعنى التام للحق، النابعين من المعنى التام للايمان، لكن تبخرت أحلامنا، وتحطمت آمالنا، وساء مصيرنا ومآلنا.
حدث كل ذلك، عندما أصبحنا ننعت الإسلام بالإرهاب، ونصف المؤمنين من الرعية بأوصاف التخلف والرجعية، ونسند الأمور إلى الغرباء عن الوطن والوطنية، والحاملين ظلما لمعنى الانفتاح والمدنية.
لقد صدق فينا قول الشاعر القديم:
تصدّر للتدريس كل مهوّس
جهول، يسمى بالفقيه المدرّس
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا
ببيت قديم، شاع في كل مجلس
لقد هزلت، حتى بدا من هزالها
كلاها، وحتى سامها، كل مفلس
الله الله في الجزائر، وهي تقبل اليوم على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وعلى احياء ذكرى أول نوفمبر العفيف، ولتدشين الجامع الأعظم النظيف
إنه ليؤلمنا حقا، أن نرى قلب المفاهيم، وتشويه التعاليم، والكفر بالأقانيم، فأصبح يخوّن الشرفاء، ويكفّر النبلاء، ويتنطع على المخلصين الأصفياء، من أراذل القوم، ومن المنحرفين والدخلاء.
إن الحاجة لماسّة اليوم، إلى مداواة النفوس بالعودة إلى الصحيح من تراثنا الإسلامي، فنغرف القيم من بحره الطامي.
فعلى الحاكم والمحكوم معا، أن يتعظ بلآلئ الحكم مثل قول الخليفة أبي بكر الصديق: اتق الله بطاعته، وأطع الله بتقواه، ولتخف يداك من دماء المسلمين، وبطنك من أموالهم، ولسانك من أعراضهم.
فإذا أردنا أن نبنى المجتمع الجزائري الأفضال فعلينا بالوفاء، لمن كانوا مصابيح أضاءت لنا السبل، وعلمونا الفاضل من الأقوال والمثل.
إننا ونحن نحيي ذكرى أول نوفمبر، يجب أن يسأل كل واحد منا نفسه: ماذا قدم لنوفمبر؟وما مدى الوفاء في سلوكه وأقواله لنوفمبر؟ إن من مقومات الوفاء لنوفمبر وصانعيه أن نلتمس الفضيلة في النفس العاملة التي بها صار الإنسان إنسانا، ذلك أن الأخلاق هي التي نحصن بها الذات الجزائرية اليوم ضد داء الكورونا، وداء فقد المناعة الاديولوجية والصحية، فهي الطريقة المثلى لتنظيم الناس وفق ما تقتضيه الواجبات العامة، أما ما عدا ذلك، فإن المصير سيكون قاتما.
وأن طوق النجاة في الأمة، هم الوطنيون المخلصون، والعلماء الفاعلون، والحكام الأوفياء الصادقون، فلنسند إليهم مقاليد أمورنا، وما دون ذلك، فإن حياتنا ستكون كحال من يكتب على الماء، وما بذلك نصل إلى المجتمع الجزائري الفاضل أو الأفضل.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أحسنوا الإصغاء لدرس الشعب في الاستفتاء

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ سما شعبنا الجزائري، بفطرته، وفطنته، إلى …