الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | حرمــة دمـــاء المسلميـــن

حرمــة دمـــاء المسلميـــن

د. يوسف جمعة سلامة* /

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.
جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآية السابقة : ({وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} أي ومن يُقدم على قتل مؤمن عالماً بإيمانه مُتَعَمِّداً لقتله فجزاؤه جهنم مُخَلّداً فيها على الدّوام، وهذا محمول عند الجمهور على من استحلّ قتل المؤمن كما قال ابن عباس لأنه باستحلال القتل يصبح كافراً، {وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} أي ويناله السّخط الشديد من الله والطّرد من رحمة الله والعذاب الشديد في الآخرة).
إذاً أربع عقوبات عظيمة جزاء من قتل مؤمنًا مُتعمّدًا بغير حقٍّ، كل واحدة منها تُوجل القلب وتُفزع النّفس: (جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)، ومَنْ يستطيع أن يصبر على نار جهنم؟!، (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ)، وبئسما حصل لنفسه من غضب الربّ العظيم عليه، (وَلَعَنَهُ) فطرده وأبعده عن رحمته، (وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)، وَيْلٌ لقاتل المؤمن المتعمّد، وَيْلٌ له من هذه العقوبات، النار، وغضب الجبَّار، واللعنة، والعذاب العظيم.
حُرْمَة دم المسلم
من المعلوم أنّ ديننا الإسلامي الحنيف قد رسم الخطوط العريضة لسلامة الإنسان وكرامته وعدم الاعتداء عليه وقتله، كما جاء في الحديث الشريف أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – قال: (‏لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْس،ِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَفارِقُ لدِينهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ).
وهناك أدلّة كثيرة من السُنَّة النبوية الشريفة تُبين مدى اهتمام الإسلام بالإنسان، فقد حذَّر رسولنا الكريم -عليه الصلاة والسلام- من الاعتداء على الإنسان في أحاديث عديدة، منها:
* قوله-صلّى الله عليه وسلّم-: (‏لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِم).
* وقوله-صلّى الله عليه وسلّم-: (‏لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ ‏‏لأَكَبَّهُمُ ‏ ‏اللَّهُ فِي النَّارِ).
* وقوله – صلّى الله عليه وسلّم -: (لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ).
* كما ورد أيضاً (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ‏ ‏وَقَفَ ‏ ‏يَوْمَ النَّحْرِ ‏ ‏بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ‏-‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «‏أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا:‏ ‏يَوْمُ النَّحْر،‏ ‏قَالَ:
«فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قَالُوا :هَذَا بَلَدُ اللَّهِ الْحَرَامُ، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قَالُوا: شَهْرُ اللَّهِ الْحَرَامُ ، قَالَ: «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، وَدِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ وَأَعْرَاضُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ هَذَا الْبَلَدِ، فِي هَذَا الشَّهْرِ، فِي هَذَا الْيَوْمِ»، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ بَلَّغْتُ ؟» قَالُوا: نَعَمْ،‏ ‏فَطَفِقَ ‏ ‏النَّبِيُّ – ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -‏ ‏يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثُمَّ وَدَّعَ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ).
ومن الجدير بالذكر أن رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – قال: (ومَنْ لَعَنَ مؤمناً فهو كَقَتْلِهِ)، فكيف بقتله عمداً وظلماً؟ وقد بَيَّن الله عزّ وجلّ الغضب الشديد الذي يلحق بالقاتل جزاء فعلته الشنيعة:
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
لقد سَاءَنَا أنّ الأمرَ في هذه الأيام الصّعبة قد تجاوز كلّ الخطوط الحمراء بين الأخ وأخيه، وبين الجار وجاره.
أين نحن من قوله سبحانه وتعالى: {أَنَّهُ منْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.
وأين نحن من قوله – صلّى الله عليه وسلّم-: (فَإِنَّ اللهَ حَرَّم عَليكم دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا).
وأين نحن من قوله – صلّى الله عليه وسلّم- أيضاً: (المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لايَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ،)، أي لا يظلمه، ولا يتركه يُظلم وَيُهان دون أن يُقَدِّم له المساعدة.
الإنسان سيِّد هذا الكون
الإنسان هو سَيِّد هذا الكون، وخليفة الله – سبحانه وتعالى- في أرضه، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجدَ له ملائكته، فكلّ ما في الكون مُسَخّر لخدمة الإنسان، وديننا الإسلامي الحنيف يُكَرِّم الإنسان تكريماً عظيماً، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.
ومن الأمور المُؤسفة في هذه الأيام أنّ كرامة الإنسان قدْ دِيستْ، وأنّ الاعتداء على حياته أصبح سهلاً و هيّناً، وهذا كلّه يخالف تعاليم الإسلام التي تنصّ على الحِلْم والعفو والصّبر وحُرْمة الإنسان المسلم، فنسمع عن حوادث القتل بين المسلمين أبناء الأمة الواحدة، حيث يُقتل الرّجال ويُيَتّم الأطفال، وتُرمّل النساء، وتُخرب البيوت، وتُصاب الأمة بحالة من الذّعر.
بِمَ يُجيب القاتل يوم يأخذ المقتول بتلابيبه بين يدي رب العالمين؟! يقول: يا ربّ سَلْ هذا لِمَ قتلني؟ ويتَّم أطفالي؟ وخرَّب بيتي؟ وهدم سعادتي؟ وأدخل الحزن على أهلي؟.
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}
إِنّ المجتمع الإسلامي مجتمع يسوده الحبّ الخالص والودّ والصفاء والتعاون والإيثار، لا مكان فيه للأنانية والأحقاد والتدابر والتناحر.
وعدونا الأول الشيطان – لعنه الله وأخزاه وكفَّ عنَّا وعنكم أذاه – يعمل جاهداً لإفساد العلاقة بين المسلمين، ونشر الحقد والغلّ والبغضاء بينهم، لذلك حذّرنا -عليه الصلاة والسلام- منه، بقوله: (إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يعبدَهُ المصلون في جزيرةِ العرب ، ولكنّه لمَ يَيَأَسْ من التحريشِ بينهم ).
إنّ عدوَّ الله إبليس – لعنه الله – لا يرضى للمسلم أن يُحبّ أخاه المسلم، فيعمل جاهداً من أجل إفساد العلاقات الأخوية، كما قال عز ّوجلّ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً }.
لقد حصل مرة بعد وفاة الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – أن نشأت بين بعض الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين – مشادة كلامية، سُمِع منها ارتفاع الصوت، فأخرجت أمّ المؤمنين أمّ سلمة – رضي الله عنها– يدها الطاهرة من الحجرة، وأخذت تقول لهم: إِنّ نبيكم يكره التفرق ، ثم تلت عليهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، وتعني أنّ الخصام أساس الفرقة، والفرقة أساس البلاء، ولله درّ القائل:
كونوا جميعاً يا بَنِيَّ إذا اعترى خَطْبٌ ولا تتفرقـوا أفراداً
تَأْبَى العصيُّ إذا اجتمعنَ تَكَسُّراً وإذا افترقنَ تكسَّرت آحاداً
لقد كرَّس نبينا – صلّى الله عليه وسلّم – كلّ حياته لتأسيسِ مجتمع مترابط متعاضد سليم، فقد حَثَّ – عليه الصلاة والسلام – المسلمين على حبّ بعضهم البعض ، كما حثّهم على ترك الغشّ والحقد والبغضاء، فقد رُوِي عن سعيد بن المسيب قال: قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: قال لي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (‏يَا بُنَيَّ ‏ ‏إِنْ قَدرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لأَحَدٍ فَافْعَلْ، ثُمَّ قَالَ لِي يَا بُنَيَّ: وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ).
فهل نَخَرَ مجتمعنا إلاّ ما في القلوب من غِشٍّ وَسَواد، ولو شغلتنا تقوى الله لكُنَّا أهدى سبيلا وأقوُم قيلا.
فالواجب علينا جميعاً أن نتمسّك بتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وأن نبتعدَ عن الحقد والغِلّ والحسد، وأن نتحابب، فضيق الحال والظروف الصّعبة التي تمرّ بها أمتنا العربية والإسلامية، يجب أن تكون حافزًا للتعاضد والتكافل والتحابب، فالمصائب يجمعن المُصَابينا، كما قال أمير الشعراء.
فليكن شعارنا جميعاً قول رسولنا الأكرم- صلّى الله عليه وسلّم -: ‏(‏‏مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا ‏ ‏اشْتَكَى ‏ ‏مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

اللجوء إلى الله طريق فك الكُرُبات

د. يوسف جمعة سلامة* / أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله …