الرئيسية | في رحاب الشريعة | شهر ربيع الأول شهر التاريخ، والعظمة، والبطولة

شهر ربيع الأول شهر التاريخ، والعظمة، والبطولة

الشيخ محمد مكركب أبران /

اشتمل شهر ربيع الأول على محطات تاريخية كبرى في حياة البشرية، ففيه ولد سيد ولد آدم، وفيه توفي، وفيه ولد تاريخ الحساب الهجري، وفيه ولدت الدولة الإسلامية القرآنية، وفيه ولد الوطن الإسلامي من جديد بعد أن اندرست معالمه، وضاعت حدوده، حيث تم بعد الهجرة معرفة المدينة المنورة بأنها موطن الإسلام، ومنها بدأت الفتوحات شرقا وغربا، حتى وصل الفتح الإسلامي إلى شمال إفريقيا ومنه إلى الجزائر، وسائر أقطار المغرب العربي وشمال أوروبا.
شهر ربيع الأول شهر التاريخ، والعظمة، والبطولة، ومن بين أعظم المحطات التاريخية: يوم ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام، كان ميلاد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام في شهر ربيع الأول، ويكفي هذا الشهر فخرا أنه يحمل تاريخ ميلاد خير ولد آدم، تاريخ ميلاد إمام الأنبياء، وازداد شهر ربيع الأول شرفا أنه شهر تاريخ الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية المنورة. علمتم أن أول محرم هو بداية السنة القمرية، وأما تاريخ أحداث الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة كانت في شهر ربيع الأول، من السنة الأولى الهجرية.
الشهر الثالث من الشهور العربية القمرية: ربيع الأول. وكلمة (الأول) صفة، فَالْأَوَّلُ في ربيع الأول، صفة لِشهْر ربيعٍ، وَالثَّانِي في ربيع الثاني صفة لشهر ربيع. وهذا الشهر هو شهر التاريخ كما ذكرت، وشهر أيام الله العظيمة، وشهر الأمة العظيمة، وشهر الهجرة التاريخية.
قلت تذكيرا: ففي شهر ربيع الأول ولد الحبيب المصطفى محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وفي شهر ربيع الأول هاجر من مكة إلى المدينة المنورة، وتوفي عليه الصلاة والسلام في شهر ربيع الأول، قال ابن المنذر:[وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، في اليوم الذي قدم فيه المدينة مهاجرا](1/414).
تاريخ ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم: كان في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفي السيرة لابن كثير:[عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات] (1/199).
تاريخ الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة: في الثاني عشر من شهر ربيع الأول (قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مهاجرا حتى نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، حين اشتد الضحى فأقام صلّى الله عليه وسلّم، بقباء يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج بين أظهرهم يوم الجمعة، قاصدا المدينة (يثرب) فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، في بطن واد لهم، فاتخذ في ذلك الموضع مسجدا وكانت هذه الجمعة أول جمعة (تفسير الثعلبي، وفي تفسير البغوي:5/84).
وعندما وصل إلى المدينة قام بثلاثة أعمال كبرى، أطلق عليها العلماء: الأسس الثلاثة لبناء المجتمع. وهي:
1 ـ بناء المسجد: الذي يعبر عن هدف الدعوة الإسلامية التي بعث النبي من أجل القيام بها، هو نفس الهدف الذي خلق الإنسان من أجله وهو العبادة، التي تعني الإيمان، والقيام بالأركان التي كلف بها بنو الإنسان. وبدأ بالمسجد حتى يعلم القريب والبعيد بأنه صلى الله عليه وسلم ما جاء للسلطة والاستيلاء على المدينة، أو للمشيخة السياسية كما كان ذلك معروفا عند القبائل أو من يتغلب ينصب نفسه شيخ القبيلة أو شيخ قبائل، للاستيلاء على المال، والجاه، والمجد. بدأ النبي صلى الله عليه وسلم، ببناء المسجد، ليتعلم الناس أن أول ما يؤسس لإقامة مدينة حضارية عظيمة هو المسجد، وهو قلب المدينة، وروح المدينة، وإمام المدينة، فلا حياة بغير عبادة لله وحده لا شريك له، ولا مدينة ولا قرية إلا بالمسجد، ومما دل عليه ابتداؤه ببناء المسجد، إعلانا رسميا بأن بيوت العبادة بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي المساجد، والمساجد فقط. قال الله تعالى:﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾[التوبة:18]. فقد تمّ بناء المسجد في شكله البسيط، ظلت أرضيته رملا، وسقفه جريدا، وأعمدته وجدرانه من جذوع النخل، ولكن هذا البناء المتواضع تم فيه بفضل الله بناء أمة عظيمة، فكان المسجد دارا للعبادة، وجامعة للعلم، ومجلسا للشورى، ومركزا للقيادة العليا للأمة. كان يومها الاهتمام ببناء الرجال بالقرآن، ولم يكن الاهتمام بالجدران وما تغلف به من الرخام.
2 ـ نظام الأخوة بين المهاجرين والأنصار: كان هذا هو الأساس الثاني الذي يقوم عليه المجتمع الإسلامي، كانت الحروب والعداوات مستحكمة بين كثير من القبائل العربية والرومية والسريانية والفرس واليونان والهند في العالم، وكانت البشرية كلها تعاني صراعا جاهليا، ونزاعا عصبيا، فأرسل الله سبحانه النبي محمدا خاتم النبيين بالكتاب المبين ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فأخرج من استجاب من العداوة إلى الأخوة، ومن بين القبائل التي كانت غارقة في هموم وتعاسة الأحقاد والشنآن الأوس والخزرج، بتحريش ودسائس من قبل اليهود، فألف الله بين الأوس والخزرج، وبينهم جميعا وبين إخوانهم المهاجرين، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً﴾ فصاروا حقا كما وصفهم سيدُنا وحبيبُنا محمدٌ نبيُّ الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم:[مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى](مسلم، كتاب البر، رقم:2586) وبهذه الأخوة نجحوا وبنوا أعظم دولة في عالم الزمان والمكان على الأرض، وبَلَّغُوا الإسلام وفتحوا البلدان وعلموا القرآن، وحببوا إلى الناس نور الإيمان، وهكذا يجب أن يكون المؤمنون في كل مكان وكل زمان، ولكن أغلب المسلمين بعدما نسوا موعظة القرآن، تنازعوا وتصارعوا فتقهقروا وتراجعوا، ودبت بين صفوفهم نعرات الجاهلية، أي فتن التدابر والانقسام،[يقال: رَجُلٌ نَعَّارٌ فِي الْفِتَنِ: خَرَّاجٌ فِيهَا سَعَّاءٌ، كالذي يحرض على شق الصفوف، وتقسيم جماعة المسلمين، والخروج عن الوحدة المجتمعية، ويقال: مَا كَانَتْ فتنةٌ إِلَّا نَعَرَ فِيهَا فلانٌ أو القبيلة الفلانية].
3 ـ كتابة الوثيقة الدستورية أو المعاهدة، بين أهل المدينة: ومما جاء في هذه المعاهدة: [أنّ المسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة، وأنّ المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم!!… وأنه لا يحلّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا (مجرما) ولا يؤويه، وأنّه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل](فقه السيرة، الغزالي:194).

عن المحرر

شاهد أيضاً

أبعادالهجرة النبوية والسياسة الشرعية في بناء الدولة الحضارية

الشيخ محمد مكركب أبران / لقد أجمع كل العقلاء في العالم ما عدا المجانين أن …